في سياق دولي يتسم بإعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية والاستراتيجية، وتسارع التحول نحو الطاقات النظيفة، وتزايد التحديات الأمنية والإقليمية، تكتسب زيارة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية أهمية خاصة، باعتبارها محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين. فالزيارة لم تأتِ في إطار تعزيز التعاون الثنائي فحسب، بل عكست توجهاً مشتركاً نحو بناء شراكة استراتيجية شاملة تستجيب للتحولات التي يشهدها العالم، وتواكب المصالح المتبادلة في مجالات الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والأمن.
وقد تُوجت هذه الزيارة بإعلان مشترك رسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية-الألمانية، قوامها توسيع مجالات التعاون والارتقاء بها من الشراكة الاقتصادية التقليدية إلى شراكة متعددة الأبعاد، تشمل كذلك الأمن الإقليمي، والهجرة، والأمن السيبراني، بما يعكس إدراكاً متبادلاً لأهمية التنسيق في مواجهة التحديات المشتركة.
ولقراءة الأبعاد الاستراتيجية لهذه الزيارة، واستشراف آفاق الأجندة الجديدة وانعكاساتها على مكانة الجزائر إقليمياً ودولياً، حاورت “عالم الأهداف” المحلل الجيوستراتيجي أحمد ميزاب، الذي قدّم قراءة معمقة لدلالات هذه الخطوة وأبرز رهاناتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.
كيف تقرؤون الأبعاد الاستراتيجية لزيارة رئيس الجمهورية إلى ألمانيا، وما الذي يميزها عن الزيارات السابقة؟
إن قراءة الأبعاد الاستراتيجية لزيارة رئيس الجمهورية إلى ألمانيا تقتضي وضعها ضمن سياق دولي وإقليمي يتسم بتحولات عميقة في موازين القوى الاقتصادية والطاقوية والأمنية، فالزيارة لا تندرج في إطار العلاقات الثنائية التقليدية فحسب، بل تعكس توجهاً نحو بناء شراكة متقدمة تستجيب لمتطلبات المرحلة الجديدة التي تمر بها أوروبا ومنطقة المتوسط وإفريقيا.
ما يميز هذه الزيارة عن سابقاتها هو أنها جاءت في مرحلة تبحث فيها ألمانيا عن شركاء موثوقين لضمان أمنها الطاقوي وتسريع انتقالها نحو الطاقات النظيفة، وفي الوقت ذاته تعمل الجزائر على تعزيز مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة وكشريك اقتصادي واستراتيجي قادر على المساهمة في معالجة التحديات المشتركة. كما أن حجم الاتفاقيات ومجالات التعاون التي تم الإعلان عنها يؤكد وجود إرادة سياسية مشتركة للانتقال بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر شمولاً وعمقاً.
إلى أي مدى يعكس الإعلان المشترك انتقال العلاقات الجزائرية-الألمانية من شراكة اقتصادية إلى شراكة استراتيجية شاملة؟
ويعكس الإعلان المشترك بوضوح هذا التحول النوعي في طبيعة العلاقات الجزائرية الألمانية. فالعلاقة لم تعد تقتصر على التعاون التجاري أو التبادل الاقتصادي التقليدي، بل أصبحت تشمل مجالات استراتيجية متعددة تتعلق بالطاقة والهيدروجين الأخضر والتكنولوجيا والابتكار والأمن الإقليمي والأمن السيبراني وإدارة قضايا الهجرة.
وهذا التوسع في مجالات التعاون يؤشر إلى انتقال العلاقات نحو شراكة استراتيجية شاملة قائمة على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة لمواجهة التحديات المستقبلية.
ما هي أبرز المكاسب التي يمكن أن تحققها الجزائر من التعاون في مجالات الطاقة والهيدروجين الأخضر والاستثمار والتكنولوجيا؟
أما فيما يتعلق بالمكاسب المنتظرة للجزائر، فإنها تتوزع على عدة مستويات مترابطة. فمن الناحية الاقتصادية، تتيح هذه الشراكة فرصاً أكبر لاستقطاب الاستثمارات الألمانية وتطوير القطاعات الصناعية ورفع مستوى نقل التكنولوجيا والخبرات. ومن الناحية الطاقوية، تعزز مكانة الجزائر كمورد موثوق للطاقة بالنسبة لأوروبا، مع فتح آفاق جديدة للتعاون في مجال الهيدروجين الأخضر الذي يمثل أحد أهم رهانات الاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة.
كما أن التعاون في مجال التكنولوجيا والتحول الرقمي يوفر فرصاً مهمة لتطوير القدرات الوطنية في مجالات الصناعة الذكية والرقمنة والابتكار والتكوين، بما يساهم في رفع تنافسية الاقتصاد الوطني وتعزيز مسار التنويع الاقتصادي. ويكتسي هذا البعد أهمية خاصة في ظل التوجه الجزائري نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والقيمة المضافة.
ما أهمية إدراج ملفات الأمن الإقليمي والهجرة والأمن السيبراني ضمن أجندة التعاون بين البلدين، وما انعكاسات ذلك على دور الجزائر إقليمياً؟
ومن جهة أخرى، فإن إدراج ملفات الأمن الإقليمي والهجرة والأمن السيبراني ضمن أجندة التعاون يعكس إدراكاً متزايداً للدور المحوري الذي تضطلع به الجزائر في محيطها الإقليمي. فالجزائر اليوم تعد فاعلاً أساسياً في جهود استقرار منطقة الساحل والصحراء ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. كما أن التعاون في مجال الأمن السيبراني يعكس وعياً مشتركاً بطبيعة التهديدات الجديدة المرتبطة بالتحول الرقمي وضرورة تعزيز حماية البنى التحتية الحيوية والأنظمة المعلوماتية.
هذا التوجه من شأنه أن يعزز مكانة الجزائر كشريك أمني واستراتيجي موثوق بالنسبة لأوروبا، وأن يمنحها هامشاً أوسع للمساهمة في صياغة المقاربات الإقليمية المتعلقة بالأمن والاستقرار والتنمية.
ما هي فرص نجاح هذه الأجندة الاستراتيجية على أرض الواقع، وما أبرز التحديات التي قد تواجه تنفيذها خلال المرحلة المقبلة؟
وفيما يخص فرص نجاح هذه الأجندة الاستراتيجية، فإن المؤشرات الحالية تبدو إيجابية بالنظر إلى وجود إرادة سياسية واضحة لدى الطرفين وتكامل المصالح الاقتصادية والطاقوية والأمنية بينهما. غير أن نجاح هذه الرؤية سيبقى مرتبطاً بمدى القدرة على تحويل الاتفاقيات الموقعة إلى مشاريع عملية قابلة للتنفيذ، وبمدى نجاح الجانبين في تجاوز التحديات المرتبطة بالظرف الاقتصادي الدولي والتنافس الجيوسياسي ومتطلبات تحسين مناخ الاستثمار وتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية.
وعموماً، يمكن اعتبار هذه الزيارة محطة مفصلية في مسار العلاقات الجزائرية الألمانية، لأنها تؤسس لمرحلة جديدة تنتقل فيها الجزائر من موقع الشريك الاقتصادي التقليدي إلى موقع الشريك الاستراتيجي الشامل، بما يعزز حضورها الإقليمي والدولي ويفتح أمامها آفاقاً أوسع للاستفادة من التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي
وفي ختام هذا الحوار، يؤكد المحلل الجيواستراتيجي أحمد ميزاب أن نجاح الأجندة الاستراتيجية الجزائرية-الألمانية لن يقاس بالإعلانات السياسية فحسب، وإنما بمدى تجسيدها في مشاريع استثمارية وتكنولوجية وأمنية ملموسة تحقق المنفعة المتبادلة للطرفين. ويرى أن الجزائر تمتلك اليوم مقومات تؤهلها للاضطلاع بدور إقليمي ودولي أكثر تأثيراً، خاصة في ظل مكانتها الطاقوية وثقلها الجيوسياسي، ما يجعل هذه الشراكة خطوة مهمة نحو تعزيز حضورها كشريك استراتيجي موثوق في الفضاء الأوروبي والمتوسطي والإفريقي.
حاورته بلقيس بوزيان

























مناقشة حول هذا المقال