تعرف الحركية الديبلوماسية الجزائرية نشاطا دوليا و إقليميا على مختلف المستويات و المجالات خاصة بعد الاتفاقيات مع دولة النيجر و الزيارات نحو الجزائر من مسوؤليين ايطاليين و اسبان، و لعل هذه الحركية تؤكد الإرادة في التوسع لتعزيز العلاقات و التكيف مع الأوضاع الراهنة و كسب المصالح المشتركة، وللحديث حول هذه التطورات، جمعنا حوار مع الدكتور و الخبير الأمني و الاستراتيجي أحمد ميزاب، الذي حدثنا عن عمق الاستراتيجية المتخذة للتكيف مع الأوضاع و كسب الرهانات و التعامل مع المجريات .
تشهد الدبلوماسية الجزائرية في الفترة الأخيرة نشاطا هاما، افريقيا و اوروبيا خاصة في ظل التصعيد في الشرق الأوسط، كيف تقرؤون هذا التحرك الديبلوماسي، و تداعيات التصعيد في المنطقة؟
تشهد الدبلوماسية الجزائرية في المرحلة الأخيرة تحركًا مكثفًا لا يمكن اعتباره مجرد تفاعل ظرفي مع تطورات دولية متسارعة، بل يعكس إعادة تموضع محسوبة ضمن بيئة استراتيجية مضطربة، خاصة في ظل التصعيد الحاد في الشرق الأوسط. هذا التحرك يعيد إبراز الجزائر كدولة وسيطة، مستندة إلى رصيدها التاريخي في عدم الانحياز، ومُفعّلة لمسارين متوازيين في سياستها الخارجية.
المسار الأول إفريقي، يهدف إلى تعزيز العمق الاستراتيجي وتأمين المجال الحيوي جنوبًا، في ظل هشاشة منطقة الساحل وتصاعد التهديدات العابرة للحدود. أما المسار الثاني فأوروبي، ويركز على ضبط المصالح الحيوية، وعلى رأسها ملف الطاقة، حيث تسعى الجزائر إلى تثبيت موقعها كمورد موثوق في سياق بحث أوروبي متزايد عن بدائل مستقرة.
في المقابل، يفرض التصعيد في الشرق الأوسط ثلاث ضغوط مباشرة على البيئة الاستراتيجية المحيطة بالجزائر. أولها ضغط أمني ناتج عن احتمال توسع رقعة عدم الاستقرار، مع ما يحمله ذلك من مخاطر انتقال الفوضى نحو منطقة الساحل. ثانيها ضغط طاقوي، حيث تدفع التوترات الدولية أوروبا إلى تكثيف البحث عن مصادر طاقة آمنة، ما يعزز من موقع الجزائر في المعادلة الطاقوية. أما ثالثها فهو ضغط دبلوماسي، يتمثل في تراجع دور المنظمات متعددة الأطراف مقابل صعود منطق التكتلات والتحالفات الظرفية.
ضمن هذا السياق، تسعى الجزائر إلى استثمار هذا الفراغ الدولي عبر طرح نفسها كفاعل توازن، يرفض منطق الاصطفاف الحاد، ويدفع في اتجاه الحلول السياسية بدل الانخراط في محاور الصراع. هذا التموضع يمنحها هامش حركة مهم، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالًا جوهريًا يتعلق بمدى قدرة هذا النشاط الدبلوماسي على التحول إلى نفوذ دائم ومؤثر، بدل أن يظل مجرد استجابة تكتيكية لظروف دولية متغيرة.
الدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-النيجرية للتعاون انعقدت مؤخرا و كانت الجزائر حاضرة بوفد وزاري هام، كيف تقرؤون توجه الجزائر نحو افريقيا و آفاق التعاون مع دولة النيجر؟
التوجه الجزائري نحو إفريقيا، وتحديدًا نحو النيجر، لم يعد يُفهم في إطار التعاون التقليدي بين دولتين جارتين، بل أصبح جزءًا من عقيدة أمنية جديدة تعيد من خلالها الجزائر تعريف مفهوم أمنها القومي. لم يعد الأمن محصورًا داخل الحدود الوطنية، بل امتد ليشمل العمق الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل التي تشهد تحولات حادة.
في هذا السياق، تبرز النيجر كنقطة ارتكاز مركزية في الحسابات الجزائرية، بحكم موقعها الجغرافي الحساس، وتشابك التهديدات الأمنية على أراضيها، إضافة إلى ما تختزنه من إمكانات طاقوية. هذا المعطى يجعل من العلاقة الثنائية ركيزة في بناء مقاربة إقليمية أكثر اتساعًا.
انعقاد الدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى يعكس انتقالًا واضحًا من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى التنفيذ العملي.
الحضور الوزاري الوازن ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل مؤشر على وجود إرادة لاتخاذ قرارات فعلية، وترجمة التفاهمات إلى مشاريع ملموسة على الأرض.
مجالات التعاون تكشف طبيعة هذا التحول. في البنية التحتية، تبرز مشاريع الربط كأولوية، بما يعزز التكامل الإقليمي ويفتح ممرات جديدة للتبادل. في قطاع الطاقة، يتجه التعاون نحو الربط الكهربائي واستغلال الموارد بشكل مشترك، بما يحقق منفعة متبادلة. أما في الجانب الأمني، فيتعمق التنسيق لمواجهة الجماعات المسلحة والحد من تحركاتها عبر الحدود.
في العمق، الهدف الجزائري واضح. منع تشكل فراغ أمني في الجنوب، لأن أي فراغ سيتحول سريعًا إلى تهديد مباشر. وفي الوقت ذاته، تقليص النفوذ الخارجي المتزايد في منطقة الساحل، عبر بناء شراكات إقليمية قائمة على المصالح المشتركة، وليس على منطق الوصاية
هذه العلاقة بين البلدين أخذت بعدا اقتصاديا و شراكة استراتيجية في ظل أوضاع معقدة بمنطقة الساحل، كيف ستساهم هذه العلاقة في تطبيع الوضع في المنطقة؟
الحديث عن استقرار منطقة الساحل لم يعد ممكنًا من زاوية أمنية صرفة. التجارب الميدانية أثبتت أن المقاربة العسكرية، رغم ضرورتها، لا تكفي. العامل الحاسم يبقى اقتصاديًا بالدرجة الأولى، لأنه يمس جذور الأزمة لا مظاهرها.
في هذا الإطار، تبرز الشراكة بين الجزائر والنيجر كأداة عملية لإعادة بناء التوازن داخل بيئة هشة. هذه العلاقة قادرة على إحداث أثر مباشر عبر ثلاث آليات مترابطة.
أولًا، خلق بدائل اقتصادية للسكان. المناطق الحدودية تعاني من ضعف التنمية وغياب الفرص. هذا الفراغ تستغله الجماعات الارهابية في التجنيد. إدماج هذه المناطق في مشاريع تنموية يقلص من جاذبية هذا المسار، ويعيد توجيه الفاعلين المحليين نحو الاقتصاد النظامي.
ثانيًا، فتح ممرات تجارية شرعية. جزء كبير من اقتصاد الساحل قائم على التهريب. عندما تتوفر قنوات رسمية للتبادل، يتراجع الاعتماد على الشبكات غير القانونية، ما يضعف مصادر تمويل الجماعات المسلحة ويعزز دور الدولة.
ثالثًا، دعم الدولة المركزية في النيجر. الشراكات الاقتصادية تمنح الحكومة أدوات فعلية لتعزيز حضورها، ليس فقط أمنيًا بل أيضًا تنمويًا. هذا يعزز الشرعية الداخلية ويحد من مظاهر التمرد.
مع ذلك، هناك محددات لا يمكن تجاهلها. تعدد الفاعلين الدوليين في الساحل يخلق بيئة تنافسية حادة. تضارب المصالح يعطل أحيانًا المشاريع أو يفرغها من مضمونها. إضافة إلى ذلك، هشاشة الأنظمة السياسية تجعل أي تقدم عرضة للانتكاس.
بناءً على ذلك، التأثير المتوقع لهذه الشراكة لن يكون سريعًا. هو مسار تراكمي يحتاج إلى نفس طويل. معيار النجاح لن يكون في إطلاق المبادرات، بل في القدرة على استمراريتها وتحويلها إلى وقائع اقتصادية دائمة على الأرض
في ذات السياق عرف النشاط الديبلوماسي الجزائري توجه نحو الضفة الأخرى من خلال زيارة رئيسة مجلس الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني للجزائر ، كيف تفسرون هذه الزيارة في هذا التوقيت بالذات، و كيف تقرأون وصف ميلوني للجزائر بـ الشريك الموثوق؟
زيارة جورجيا ميلوني إلى الجزائر جاءت في توقيت محسوب، يعكس تحولات عميقة في البيئة الأوروبية. القارة تعيش ضغطًا طاقويًا متزايدًا، في ظل اضطرابات الأسواق وارتفاع منسوب المخاطر المرتبطة بالتصعيد في الشرق الأوسط. في هذا السياق، أصبحت مسألة تأمين مورد مستقر أولوية استراتيجية لا تقبل التأجيل.
إيطاليا تتحرك بمنطق براغماتي واضح. الهدف المباشر هو ضمان إمدادات الغاز على المدى المتوسط والبعيد. لكن في العمق، تسعى روما إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو التموقع كبوابة أوروبية نحو إفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتنامية مع دول الضفة الجنوبية للمتوسط.
وصف الجزائر بـ“الشريك الموثوق” ليس تعبيرًا دبلوماسيًا عابرًا، بل يحمل دلالات دقيقة. هو اعتراف باستقرار الجزائر في محيط إقليمي مضطرب، وتثمين لالتزامها التعاقدي في مجال الطاقة، خاصة في أوقات الأزمات. كما يعكس رغبة إيطالية في بناء علاقة تتجاوز منطق التبادل الظرفي نحو شراكة طويلة المدى قائمة على الثقة.
من الجانب الجزائري، يتم استثمار هذا التوصيف سياسيًا واستراتيجيًا، الجزائر تعمل على ترسيخ موقعها كمحور طاقوي في حوض المتوسط، مستفيدة من الطلب الأوروبي المتزايد. هذا يمنحها هامش تفاوض أوسع، وقدرة أكبر على فرض شروطها في العلاقات الثنائية
ومن الجانب العلاقات الاستراتيجية بين الجزائر و إسبانيا رئيس الجمهورية أبلغ وزير الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون لمملكة إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس بقرار إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون التي تربط الجزائر وإسبانيا منذ أكتوبر 2002، كيف ترون هذه الخطوة و مستقبل التعاون بين الجزائر وإسبانيا ؟
إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا تعكس تحوّلًا واضحًا نحو براغماتية محسوبة في إدارة العلاقات الخارجية. القرار جاء لتجاوز مرحلة توتر سياسي حاد، وإعادة ضبط العلاقة على قاعدة المصالح المتبادلة بدل منطق القطيعة.
المعاهدة الموقعة سنة 2002 توفر إطارًا جاهزًا لإعادة الانطلاق. هذا الإطار يشمل مجالات حيوية، في مقدمتها التعاون الاقتصادي، التنسيق الأمني، والشراكة في قطاع الطاقة. استئناف العمل بها يعني العودة إلى أرضية مؤسساتية تسمح بتفعيل المشاريع دون الحاجة إلى بناء آليات جديدة.
الدوافع لدى الطرفين واضحة. إسبانيا تبحث عن مورد طاقوي مستقر في ظل تقلبات السوق الدولية، بينما تسعى الجزائر إلى تأمين سوق موثوقة لصادراتها، بما يضمن استقرار عائداتها ويعزز موقعها كمصدر رئيسي للطاقة نحو أوروبا.
ما تغير في هذه المعادلة هو ميزان التفاوض.
الجزائر تتحرك اليوم من موقع قوة، مستفيدة من الطلب الأوروبي المتزايد على الطاقة. في المقابل، تجد أوروبا نفسها في موقع الباحث عن شراكات مستقرة، وليس في موقع فرض الشروط كما كان في مراحل سابقة.
آفاق العلاقة تبقى مفتوحة على توسع نوعي، يتجاوز البعد الطاقوي نحو مجالات الاستثمار والإنتاج الصناعي. هذا التحول ممكن، لكنه مشروط باحترام التوازن السياسي، وعدم إدخال ملفات خلافية تعرقل منطق التعاون.
في المحصلة، تتحرك الدبلوماسية الجزائرية وفق منطق واضح يقوم على تأمين المجال الحيوي، عبر الربط بين الأمن والاقتصاد والطاقة. هي تستثمر التحولات الدولية لصالحها، لكنها تواجه تحديًا مركزيًا يتمثل في الانتقال من دبلوماسية نشطة إلى دبلوماسية مؤثرة، قادرة على صناعة قواعد التفاعل الإقليمي، وليس فقط التكيف معها
أجرت الحوار يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال