مع انحسار اكتشاف سحرها الخفي، من غابات الشمال المبللة بندى الصباح إلى كثبان الجنوب التي تحتضن دفء الصحراء وهدوء السماء، تتفتح أمام عشّاق السفر فرصٌ لا تقل جمالًا عن مواسم الذروة.
في هذا المشهد المتنوّع، تبرز السياحة الداخلية كأحد مفاتيح الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي، وكمجالٍ واعدٍ يعكس رغبة الجزائريين في التقرّب أكثر من ثراء بلادهم الطبيعي والثقافي، بعيدًا عن ازدحام المدن وضجيج المواسم التقليدية
فرغم ارتباط السياحة في الجزائر تقليديًا بموسم الصيف، فإن فصلي الخريف والشتاء باتا يقدمان بدورهما إمكانيات كبيرة لتجديد النشاط السياحي، بفضل تنوع الطبيعة الجزائرية التي تجمع بين الغابات الكثيفة في الشمال والكثبان الذهبية في الجنوب، غير أن هذا الثراء الطبيعي لا يزال بحاجة إلى رؤية تكاملية واستثمار ذكي لتحويله إلى مورد دائم للاقتصاد الوطني..
وفي هذا السياق، كان ليومية عالم الأهداف لقاء مع الخبير والاستشاري في السياحة زهير مقداد حول السياحة الداخلية في الجزائر، والذي أكد لنا أن الجزائر بدأت تشهد خلال السنوات الأخيرة انتعاشًا ملحوظًا في حركة السياحة الداخلية خلال فصلي الخريف والشتاء، خاصة نحو الوجهات الصحراوية.

ويشير إلى أن عدد الزوار بلغ “أكثر من 186 ألف سائح في الربع الأول من موسم 2024-2025″، من بينهم حوالي “22 ألف أجنبي”، في حين استقبلت البلاد سنة 2024 نحو “3.5 ملايين سائح”، ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في أداء القطاع.
الطبيعة الخريفية في الشمال ودفء الجنوب… وجهتان تكملان بعضهما
حيث يرى مقداد أن استغلال تنوع المناخ والمناظر في الجزائر يجب أن يكون في صلب استراتيجية الترويج السياحي، عبر “تصميم حزم موسمية متكاملة”تجمع بين سحر الغابات الجبلية في الخريف ودفء الصحراء في الشتاء.
وفي ذات السياق يقترح تسهيلات إضافية لتأشيرات الدخول إلى الجنوب، مع تعزيز الربط الجوي المباشر بين المدن الشمالية والجنوبية، وتكثيف الحملات الدعائية الرقمية التي تبرز جمال الخريف الجزائري وليالي الصحراء المضيئة بالنجوم.
تحديات النقل والإيواء والتسويق
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن مقداد يقرّ بوجود “تحديات حقيقية” تواجه السياحة الداخلية في هذه المواسم.
فالنقل لا يزال يشكّل إحدى العقبات الأساسية بسبب “ضعف الرحلات الجوية الداخلية” وارتفاع كلفة التنقل البري، بينما تعاني مناطق الجنوب والجبال من ” نقص في الطاقة الاستيعابية والمرافق الحديثة للإيواء”.
أما التسويق السياحي، فيراه الخبير “أحد أضعف الحلقات”، بسبب “قلة العروض الجاهزة والموسمية”،وضعف الترويج المستمر للوجهات الداخلية خارج موسم الصيف.
القطاع الخاص… مفتاح إنعاش الفترات “خارج الموسم”
يشدد مقداد على أن القطاع الخاص يمكن أن يلعب دورًا محوريًا في تنشيط السياحة خلال الفترات الباردة، من خلال “إطلاق عروض قصيرة المدى” تشمل النقل والإقامة والأنشطة الترفيهية.
كما دعا إلى “الاستثمار في الإقامات البديلة” كالمخيمات الفاخرة وبيوت الضيافة، إضافة إلى الاعتماد على “التسويق الرقمي والتعاون مع المؤثرين” للترويج للوجهات الجديدة.
ويضيف أن الشراكات بين الدولة والمستثمرين المحليين ضرورية لاستغلال التسهيلات الممنوحة، خاصة نظام “التأشيرة عند الوصولّ” إلى الجنوب.
حملات وطنية لتعزيز السياحة الداخلية
وفيما يتعلق بالمبادرات الوطنية، أشار مقداد إلى أن الديوان الوطني للسياحة (ONT) أطلق حملات ترويجية لوجهات داخلية، أبرزها حملة “الساورة” في أكتوبر 2024، إلى جانب إطلاق موسم السياحة الصحراوية لعام 2024-2025، الذي تميز باستئناف بعض الرحلات الجوية الدولية إلى الجنوب وتسهيلات في التأشيرة.
الوكالات السياحية… دور تنظيمي محوري
أما عن دور الوكالات السياحية، فيرى مقداد أنها تمثل الركيزة التنظيمية الأساسية، إذ تتولى تأمين دخول السياح إلى المناطق الصحراوية عبر رحلات منظمة تشمل جميع الخدمات.
كما تعمل على تجميع الطلب والتفاوض مع شركات النقل لتخفيض الأسعار، وتنظيم جولات تجمع بين الوجهات الجبلية والصحراوية، ما يضفي على الرحلات بعدًا ثقافيًا وطبيعيًا متكاملاً.
نحو سياحة جزائرية مستدامة ودائمة
ولكي تتحول السياحة الداخلية إلى خيار دائم لا يرتبط فقط بمواسم العطلة الصيفية، يحدد مقداد مجموعة من الأولويات على غرار تحسين البنية التحتية من طرق ومطارات واتصالات، وكذا تسهيل التنقل الداخلي بزيادة الرحلات الجوية والبرية، تنويع عروض الإيواء والخدمات، لتناسب مختلف الفئات.
بالإضافة إلى استمرار الحملات الترويجية على مدار العام وليس فقط في الصيف، وكذا تكوين الكفاءات المحلية في مجالات الضيافة والإرشاد السياحي والحرف اليدوية، حماية البيئة والتراث وذلك لضمان تجربة سياحية أصيلة ومستدامة.
إن الجزائر تملك مقومات تجعلها وجهة سياحية فريدة في كل الفصول، لكن المطلوب هو بناء منظومة متكاملة تجعل المواطن الجزائري نفسه أول من يكتشف جمال بلاده، فيعود إليها في كل موسم، لا في الصيف فقط.
بين دفء الجنوب وسحر الخريف في ربوع الشمال، تمتلك الجزائر فسيفساء طبيعية قادرة على جذب الأنظار في كل الفصول، غير أن تحويل هذا الثراء إلى منظومة سياحية مستدامة يتطلب رؤية استراتيجية، وتنسيقًا فعّالًا بين الفاعلين العموميين والخواص، لتصبح السياحة الداخلية موردًا دائمًا لا يتأثر بتقلبات المواسم.
فالجزائر ليست وجهة تُكتشف في صيفٍ عابر، بل هي “رحلة ممتدة على مدار العام”، تتجدّد فيها الدهشة مع كل غروب شمس خلف كثيب أو شجرة أرز، وتُروى فيها حكايات الأرض التي لا تنام.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال