في خطوة تعكس إرادة الدولة في بناء منظومة قضائية عصرية وشفافة، أكد وزير العدل حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة من الإصلاح العميق في قطاع العدالة، بالتوازي مع تكثيف الجهود لاسترجاع الأموال المنهوبة ومكافحة الفساد.
وجاء ذلك خلال مشاركته، اليوم، في فروم الأولى، بمقر الاذاعة الوطنية، أين عرض رؤية واضحة لمسار تطوير المنظومة القضائية وتحدياتها المستقبلية.
مكافحة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة
وأكد بوجمعة أن مكافحة الفساد تُعد أولوية وطنية، مشيراً إلى أن الدولة تمكنت من استرجاع ومصادرة جزء مهم من الأموال المنهوبة داخل البلاد، وهو ما تجسد – بحسبه – في مشاريع تنموية ملموسة ومرافق عمومية تم تمويلها من هذه الأموال.
وعلى الصعيد الدولي، أوضح أن الجزائر تعتمد على الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف، إضافة إلى التعاون القضائي الدولي لتتبع هذه الأموال واسترجاعها، مشيراً إلى أن بعض الدول أبدت تعاوناً كبيراً في هذا المسعى، في حين تتحفظ دول أخرى لأسباب سياسية أو قانونية، ما يجعل الملف يتطلب صبراً واستمرارية.
وشدّد على التزام الجزائر باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، باعتبارها إطاراً مرجعياً يضبط التعاون بين الدول في هذا المجال.
استقلالية القضاء ورقمنة القطاع
وتطرق الوزير إلى المكاسب التي جاء بها دستور 2020، الذي منح القضاء مكانة متقدمة، رسّخ من خلالها مبدأ استقلال السلطة القضائية ومنع أي تدخل في عمل القضاة، مبرزا الدور المحوري للمجلس الأعلى للقضاء في تسيير المسار المهني للقضاة وفق معايير الشفافية والكفاءة.
وفي السياق نفسه، أكد بوجمعة أن تحسين الظروف الاجتماعية والمادية للقضاة، لاسيما ما يتعلق بالسكن والحماية القانونية، هو أساس لترسيخ الثقة بين المواطن والقضاء.
كما أعلن أن رقمنة القطاع القضائي أصبحت مساراً لا رجعة فيه، من خلال إنشاء منصات إلكترونية لاستخراج الوثائق العدلية، رقمنة الأرشيف، واعتماد خدمات التقاضي عن بُعد في بعض الجهات القضائية.
وأشار إلى أن الرقمنة ستسهم في تقليص البيروقراطية ومحاربة الفساد الإداري بتقليل الاحتكاك بين المواطن والإدارة، فضلاً عن تطوير آليات المراقبة الداخلية ورفع نجاعة الأداء القضائي.
تأهيل القضاة ومواكبة الجريمة المستحدثة
وأكد الوزير أن تطور الجريمة وظهور أنماط جديدة، مثل الجرائم الاقتصادية والرقمية، يستوجب تكويناً متخصصاً للقضاة ووكلاء الجمهورية.
وفي هذا الصدد، كشف عن برامج جديدة بالمعهد الوطني للقضاء تشمل القانون الدولي، مكافحة الجرائم الإلكترونية، غسل الأموال، وأساليب التحري المالي، موضحاً أن هذا التكوين “لم يعد خياراً بل ضرورة لضمان أحكام عادلة تحترم المعايير الدولية”.
وفي إطار تحديث المنظومة القضائية، أشار بوجمعة إلى إنشاء القطب الجزائي الاقتصادي والمالي سنة 2020، المختص بمعالجة قضايا الفساد وتبييض الأموال، إضافة إلى القطب الوطني للجرائم السيبرانية، الذي يتولى الجرائم الرقمية العابرة للحدود بإشراف قضاة مؤهلين وفرق تقنية متخصصة.
إصلاح السجون وإعادة إدماج المحبوسين
قال وزير العدل إن المؤسسات العقابية لم تعد مجرد أماكن للعقاب، بل فضاءات لإعادة التأهيل والإصلاح، حيث تُوفَّر للمحبوسين فرص التعليم، التكوين المهني، الدعم النفسي والرعاية الصحية.
وأشاد بتجربة “المؤسسات المفتوحة” ذات الطابع الفلاحي والصناعي، التي تُمكّن النزلاء من العمل واكتساب مهارات تساعدهم على الاندماج في المجتمع بعد الإفراج.
وأضاف أن نسب العود إلى الجريمة شهدت انخفاضاً ملحوظاً بفضل هذه البرامج، إلى جانب المتابعة الاجتماعية للمفرج عنهم، مضيفاً أن قضايا الأحداث (القُصّر) تحظى بمعالجة خاصة تقوم على التدابير التربوية بدلاً من العقوبات السالبة للحرية، مع توفير بيئة اجتماعية ونفسية مناسبة داخل مراكز متخصصة.
الأمن القانوني مسؤولية مشتركة
وخلال مشاركته في “فوروم الأولى” بالإذاعة الوطنية، شدد وزير العدل على أن تحقيق الأمن القانوني مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وأوضح أن العدالة تواكب التحولات الاجتماعية والأمنية من خلال تحديث القوانين لمواجهة الجرائم المرورية، الاعتداءات، عصابات الأحياء، والجرائم السيبرانية.
وأشار إلى أن القضاء لا يتحرك في قضايا الفساد دون وجود شكوى أو تبليغ قانوني، لأن العدالة لا تستهدف الأشخاص بل تحمي المال العام وتضمن المحاكمة العادلة. كما أعلن عن تفعيل آليات التبليغ الإلكتروني وأرقام خاصة لاستقبال الشكاوى مع حماية هوية المبلِّغين.
واختتم الوزير كلمته بالتأكيد على أن إصلاح قطاع العدالة مسار وطني طويل يتطلب تضافر الجهود، مشدداً على أن الإرادة السياسية واضحة، وأن ما تحقق اليوم يمثل بداية لمشروع أوسع سيظهر أثره الإيجابي في المستقبل القريب، بهدف بناء قضاء عادل، شفاف، وقريب من المواطن.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال