تشهد قضية حوادث المرور تصاعدا خطيرا مخلفة معها ضحايا ومعاناة متعدية، وهي حوادث غالبا ما تنتج عن أخطاء بشرية، مما تسبب في وفاة الأشخاص وإصابة آخرين وهذا راجع خاصة لنقص الوعي بخطورة الظاهرة التي تشهد تفاقما سنة بعد أخرى.
في هذا السياق ومن اجل تحليل الظاهرة والوقوف على مسبباتها قصد التحسيس والمعالجة جمعنا حوار مع الإعلامي والمختص في السلامة المرورية ومنشط حصة “سير في لمان” التي تبث كل خميس على قناة الشروق، الأستاذ ياسين حابي، وذلك من أجل الحديث عن مساره في هذا المجال والخوض في مناقشة التحديات التي يواجهها في الميدان، على اعتبار أنه يتبنى أسلوب توعوي مباشر لتعزيز التربية المرورية داخل المجتمع.
ياسين حابي إعلامي مختص في السلامة المرورية في البداية قدم نفسك و متى انطلقتم في هذا المجال الحيوي ؟
ياسين حابي، صحفي مختص في السلامة المرورية وأمن الطرقات. بدأت مسيرتي في هذا المجال منذ عام 2005، حين أصدرت أول كتاب لي في قانون المرور، لتتوالى بعدها عدة مؤلفات متخصصة، منها “تعلم السياقة”، “قانون المرور لجميع الأصناف”، و”التربية المرورية للأطفال”. وغيرها…
انطلقت من ميدان التكوين، حيث كنت ممرنًا للسياقة في مدرسة والدي، ثم صاحب مدرسة لتعليم السياقة، مما منحني فهماً عميقاً لواقع الطرقات والممارسات اليومية.
بما أنكم مهتمين بهذا المجال، ما الهدف الذي تسعون إليه ؟
بما أنني من خريجي كلية الإعلام والاتصال، متحصل على شهادة ليسانس في الإعلام ثم ماستر في السمعي البصري، وهو ما مكنني من الدمج بين التكوين الميداني والدراسة الأكاديمية، لأنتقل إلى توعية أوسع عبر وسائل الإعلام.
كانت البداية مع برنامج “سير مهني” على قناة “بور تيفي”، كتتمة لمسار أستاذي المرحوم محمد العزوني صاحب برنامج “طريق السلامة”، والذي كان أستاذي سنة 2003 في نيل شهادة الكفاءة المهنية لممرني السياقة والذي جمعتني به تجربة تأليف مشتركة سنة 2010.
وفي 2019، التحقت بقناة الشروق، وبطلب من المرحوم علي فضيل، غيّرتُ اسم البرنامج إلى “سير في لمان”، وكان ذلك بمثابة انطلاقة جديدة نحو تحقيق الهدف الأسمى: نشر ثقافة مرورية واعية، والحد من ضحايا حوادث المرور عبر الإعلام والتوعية.
تقدمون في حصة “سير في لمان” على قناة الشروق نصائح و إرشادات مرورية، ما هي استنتاجاتكم التي تم استيعابها من خلال احتكاككم و تواصلكم مع المواطنين عبر الطرقات ؟
من خلال تجربتي في برنامج “سير في لمان” على قناة الشروق، ومن خلال الجولات الميدانية والاحتكاك المباشر مع المواطنين في الطرقات، استنتجت أن هناك فجوة حقيقية بين ما يُدرَّس نظريًا وما يُطبَّق عمليًا على أرض الواقع.
فالكثير من مستعملي الطريق – سواء سائقين أو راجلين – يفتقرون للوعي الكافي بقواعد السلامة المرورية، رغم أنهم قد يكونون حاصلين على رخص سياقة.
لاحظت أيضًا أن السلوكيات الخاطئة غالبًا ما تكون ناتجة عن التسرع، أو غياب ثقافة مرورية، وليس بالضرورة الجهل بالقانون. فمثلًا، هناك من يعلم أن الهاتف النقال خطر أثناء القيادة، لكنه لا يدرك حجم الخطر إلا بعد وقوع الحادث.
في المقابل، وجدت تعطشًا كبيرًا للمعلومة المبسطة، وللإرشاد العملي الذي يخاطب المواطن بلغة واقعية قريبة منه، وهو ما دفعني إلى تبني أسلوب توعوي مباشر، من الميدان، يتحدث مع الناس بلغتهم ومن واقعهم.
وهنا تبرز أهمية الإعلام الهادف كوسيلة لتغيير العقليات، فليس القانون وحده كافياً، بل نحتاج إلى تربية مرورية تبدأ من البيت والمدرسة وتُعزز عبر الإعلام والمجتمع.
نشهد في الآونة الأخيرة ارتفاع نسب ضحايا الدراجات النارية خاصة لدى فئة الشباب و هذا راجع لأسباب عديدة ما هي في رأيكم؟
فعلاً، ارتفاع حوادث الدراجات النارية في أوساط الشباب أصبح مقلقًا، ويرجع ذلك لعدة أسباب، أبرزها: غياب الوعي المروري وعدم احترام قوانين المرور، قيادة دون رخصة ودون أدنى تكوين، التعديلات الخطيرة على المحرك وغياب الخوذة الواقية، التهور والسرعة لأغراض الاستعراض.
فالمشكلة أصبحت مركبة، والحل يتطلب توعية مستمرة، تشديد الرقابة، وربط الحصول على الدراجة بشروط واضحة كما هو معمول به مع السيارات.
ما هي أبرز التحديات التي تواجهونها في مجال الإعلام و التحسيس و التوعوية بمخاطر القيادة السريعة و المناورات الخطيرة ؟
من أبرز التحديات التي نواجهها في الإعلام التحسيسي المروري هي غياب التفاعل الجاد من فئة الشباب، خاصة من يمارسون السياقة الخطيرة ولا يرون في الرسائل التوعوية أولوية، طغيان المحتوى الترفيهي على المنصات الرقمية، ما يصعب إيصال الرسائل الهادفة، نقص الدعم اللوجستي والإشهاري، رغم أهمية الرسالة، ضعف التنسيق بين الفاعلين في الميدان: الإعلام، التربية، الشباب والرياضة.
ومع ذلك، نواصل العمل بإصرار، لأن كل وعي نخلقه قد يعني حياة تُنقذ.
كيف يمكن للمجتمع المدني باعتباره جهاز مساند للأجهزة الأمنية في رفع مستوى وعي الأفراد بالسلامة المرورية ؟
المجتمع المدني يلعب دورًا محوريًا في دعم جهود الأمن وتكريس ثقافة السلامة المرورية، وذلك من خلال تنظيم حملات توعوية ميدانية في الأحياء، المدارس، وأماكن التجمع، إشراك الشباب في أنشطة تحسيسية بلغة قريبة منهم، الضغط الإيجابي من أجل تحسين البنية التحتية والتشريعات المرورية، التنسيق مع الإعلام لنشر رسائل موجهة بشكل دوري.
حين يتحول المواطن من متفرج إلى فاعل، يصبح الأمن المروري مسؤولية جماعية، لا أمنية فقط.
ما هي استراتيجيتكم للتحسيس و التوعية من مخاطر حوادث المرور ؟
استراتيجيتنا تقوم على ثلاث محاور رئيسية، أولها: التحسيس الميداني المباشر عبر التواصل مع المواطنين في الطرقات، ونقل صوتهم ومعاناتهم، ثانياً الإعلام الهادف من خلال برنامج “سير في لمان” الذي يبسط المفاهيم ويوصل الرسائل بلغة قريبة من الناس، بالإضافة إلى الشراكة مع المؤسسات التربوية والأمنية لنشر الوعي منذ الصغر، وتعزيز التربية المرورية في المجتمع.
نعتمد على لغة بسيطة، أمثلة واقعية، وشهادات حية، لأننا نؤمن أن التغيير يبدأ من الوعي، لا من العقوبة فقط.
كلمتكم الأخيرة للجمهور و المواطنين ؟
في كلمتي الأخيرة، أقول أن الطريق ملك للجميع، والوعي مسؤولية كل واحد فينا، حوادث المرور لا تميز بين صغير وكبير، والغفلة لحظة… قد تكلّف حياة. فلنجعل من ثقافة السلامة المرورية سلوكًا يوميًا، لا مجرد شعار و”سير في لمان” سيظل دائمًا صوتًا لكل من يريد التغيير نحو طرقات أكثر أمانًا.
حاورته : نزيهة سعودي

























مناقشة حول هذا المقال