في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها الجزائر، أصبح موضوع دعم الاقتصاد الوطني من خلال تنويع مصادر الدخل، خاصة عبر تشجيع التصدير خارج قطاع المحروقات، من أبرز الرهانات المطروحة، كما يبرز في هذا السياق دور الجامعة باعتبارها شريكا أساسيًا في المساهمة في الدفع بعجلة التنمية من خلال ربط التكوين الأكاديمي بالواقع الاقتصادي ومتطلبات السوق.
و من هذا الباب، كان لنا هذا الحوار مع الأستاذ و الخبير الاقتصادي عبد الرحمان عية الذي قدم جملة من الأفكار والتصورات حول سبل تعزيز الاقتصاد الوطني، وتفعيل الصادرات، وكذا آليات إدماج الجامعة في الحركية الاقتصادية.
تعمل الجزائر على تنويع الاقتصاد والانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج قائم على الاستثمار والإبداع وخلق الثروة، من هذا المنطلق استاذ ماذا نقصد بالاقتصاد الريعي و كيف يمكن تحقيق هذا التحول الاقتصادي و خلق التنوع ؟
يُعد مفهوم الريع في الاقتصاد من المفاهيم الواسعة، إذ قد يُقصد به عمومًا الأرباح المحققة من الأصول. غير أنه، وفي سياق الحالة الجزائرية، يُفهم الريع على أنه العوائد المتأتية من بيع الثروات الطبيعية في حالتها الخام. فالجزائر تعتمد أساسًا على تصدير البترول والغاز وبعض المواد الأولية الأخرى، وحتى في الحالات التي يتم فيها إدخال بعض التحويلات أو إنتاج مشتقات، فإن هذه الأخيرة تُستهلك غالبًا محليًا أو تبقى ضمن المراحل الأولية من المعالجة، مثل تصفية الغاز وتكريره. وبالتالي، يبقى النشاط الاقتصادي في مجمله قائمًا على تصدير المواد الأولية، وهو ما يندرج ضمن مفهوم الاقتصاد الريعي.
أما التحول الاقتصادي، فيتمثل في استغلال المداخيل المحققة من بيع هذه المواد الأولية لتمويل مشاريع إنتاجية حقيقية، تقوم على سلسلة إنتاج متكاملة، تبدأ بتحويل المواد الخام إلى مواد نصف مصنعة، ثم إلى منتجات نهائية قابلة للاستهلاك. ويستدعي ذلك أيضًا تطوير القدرات التسييرية، وتعزيز البعد التسويقي، سواء من الناحية التجارية أو حتى الدبلوماسية، من خلال دراسة الأسواق واستغلال العلاقات السياسية في الترويج للمنتجات خارج السوق المحلية. مع التأكيد على أن الأولوية تبقى لتلبية الطلب المحلي لتفادي الاستيراد.
وفي إطار التنويع الاقتصادي، فإن إنتاج المواد الغذائية كالخضر والفواكه، رغم أهميته، يبقى في كثير من الأحيان مدعّمًا من طرف الدولة. غير أن التحول الحقيقي يقتضي أن تتحمل المؤسسات تكاليفها بشكل كامل، دون الاعتماد على الإعانات، لأن المؤسسة التي تحقق خسائر وتعتمد على دعم الدولة لا يمكن اعتبارها في وضع نشاط اقتصادي حقيقي، بل نشاط ذو بعد اجتماعي. والاستثناء في ذلك يكون في حالات ظرفية كالأزمات، مثل جائحة كورونا. وعليه، فإن المؤسسة مطالبة بتغطية كافة تكاليفها من خلال بيع المنتج النهائي، وهو ما يساهم في تنويع مصادر تمويل الخزينة العمومية عبر الجباية العادية، بدل الاعتماد على الجباية البترولية.
قامت الجزائر بإنشاء الوكالة الوطنية لترقية التجارة الخارجية (ALGEX) بالإضافة إلى الانخراط في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وفتح خطوط نحو إفريقيا، حدثنا أكثر عن الإجراءات العملية التي اتخذتها الدولة الجزائرية لدعم الصادرات خارج المحروقات؟
وفيما يخص إنشاء الوكالة الوطنية لترقية التجارة الخارجية والانخراط في مناطق التبادل الحر، سواء العربية أو الإفريقية أو الدولية، فهي خطوات إيجابية على المستوى السياسي. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تفعيل هذه الاتفاقيات ميدانيًا، من خلال الاستفادة الفعلية منها في تصدير المنتجات، خاصة نحو الأسواق الإفريقية. وهنا يبرز عائق أساسي يتمثل في البيروقراطية الإدارية، حيث لا تزال الإدارة تُعلي من شأن الإجراءات والملفات على حساب الفعالية الاقتصادية. ورغم وجود إرادة سياسية واضحة، إلا أنها تصطدم في كثير من الأحيان بهذه الذهنية البيروقراطية، ما يستدعي إدخال إصلاحات هيكلية تجعل الإدارة أكثر انسجامًا مع متطلبات الاقتصاد، وتُدرك أن الهدف الأساسي هو التصدير وجلب المداخيل خارج المحروقات، وليس مجرد استكمال الملفات الإدارية.
ما هي أهم التسهيلات التي يجب تقديمها لدعم الاستثمار، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة و حتى الناشئة ليكون لها دور في التنويع الاقتصادي؟ و دور القطاع الخاص في ذلك؟
أما فيما يتعلق بالتسهيلات، فقد تم اتخاذ بعض الإجراءات، مثل تخفيف العبء الضريبي، غير أن ذلك يبقى مصحوبًا بإجراءات إدارية معقدة، كالتصريحات المتكررة، مما يشكل عبئًا إضافيًا على المستثمر. كما أن مسألة التمويل لا تزال تواجه صعوبات، إذ يجد أصحاب المشاريع أنفسهم أمام ملفات إدارية ثقيلة تعيق حصولهم على التمويل. لذلك، فإن المرافقة الحقيقية لا ينبغي أن تكون إدارية فقط، بل اقتصادية شاملة، تقوم على مساعدة المؤسسة في تطوير إنتاجها، ودخول الأسواق، والتعامل بفعالية، بدل الاكتفاء بتوجيهها نحو الإدارات. كما أن دراسة السوق، سواء الداخلي أو الخارجي، تُعد عنصرًا أساسيًا، بالنظر إلى اختلاف خصوصيات الأسواق حتى داخل الوطن في الشرق و الغرب .
بالحديث عن الابتكار و البحث العلمي تعمل السلطات على الربط بين الجامعة بألمؤسسات الاقتصادية ليكون لها دور في تنويع الاقتصاد الوطني و المساهمة في التنمية ماذا تقولون في هذا المجال ؟
وفيما يخص ربط الجامعة بالمؤسسة الاقتصادية وإدماج البحث العلمي، فنحن نسعى إلى تجسيد هذا التوجه، سواء بصفتي أستاذًا أو كعضو في المجلس العلمي للوكالة الموضوعاتية للبحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية التابعة لمديرية البحث العلمي بوزارة التعليم العالي. نسعى إلى إقامة شراكات مع المؤسسات الاقتصادية، غير أن الواقع يبيّن وجود صعوبات، من بينها أن أغلب المؤسسات الجزائرية ذات طابع اجتماعي وتعتمد على دعم الدولة، وتُسيَّر بعقلية إدارية أكثر من كونها اقتصادية ” بيزنس”
كما أن معظم الجامعيين ينتمون إلى الطابع الأكاديمي، ولا يملكون خبرة ميدانية كافية، وهو ما يجعل فهم الجانب العملي داخل المؤسسة أمرًا صعبًا. لذلك، أرى من الضروري التوجه نحو نموذج “الأستاذ المحترف”، الذي يملك تجربة مهنية سابقة داخل مؤسسات اقتصادية، كأن يكون قد عمل في بنك أو في شركات كبرى، مما يمنحه رؤية مزدوجة تجمع بين الجانب الأكاديمي والتطبيقي. أما الأستاذ ذو التكوين الأكاديمي البحت، فبإمكانه أيضًا الاندماج تدريجيًا في هذا المسار، وهذا ليس عيبًا.
رغم الجهود المبذولة، ما هي التحديات التي لا تزال تعيق تنويع الاقتصاد الجزائري؟ وكيف يمكن تجاوزها؟
وفي الأخير، تبقى البيروقراطية من أبرز التحديات المطروحة، حيث لا تزال الذهنية الإدارية تُعطّل تنفيذ التوجهات السياسية، رغم تأكيد السلطات العليا على ضرورة الإصلاح. إذ كثيرًا ما يُرفض الملف لعدم اكتماله شكليًا، حتى في تفاصيل بسيطة، وهو ما يعكس ضرورة تحديث الذهنية الإدارية لتتماشى مع متطلبات التنمية الاقتصادية.
أجرت الحوار يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال