أكد وزير الشؤون الدينية والأوقاف، يوسف بلمهدي، أن الفتوى في ظل التحولات الرقمية المتسارعة أصبحت من أبرز القضايا الاستراتيجية التي تواجه المجتمعات، في عالم سيبراني مفتوح تتقاطع فيه القيم الدينية مع التكنولوجيا الحديثة، وتُستهدف فيه الهوية الوطنية والوعي الجماعي بوسائل جديدة ومعقدة.
وجاء ذلك خلال إشرافه على افتتاح الندوة الوطنية الموسومة بـ “الفتوى في ظل التحديات الرقمية: الآليات والضوابط”، التي نظمتها اللجنة الوزارية للفتوى في إطار لقاءاتها الدورية، بدار الإمام بالمحمدية، تحت الرعاية السامية لوزير الشؤون الدينية والأوقاف، وبحضور نخبة من العلماء والمشايخ وأمناء المجالس العلمية والفاعلين في المجال الديني والإعلامي.
وأوضح الوزير أن اختيار هذا المحور يعكس وعي الوزارة بضرورة مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، مؤكداً أن حماية الفضاء الديني والروحي لم تعد تقتصر على المنابر التقليدية، بل تستوجب حضورًا مؤطرًا ومسؤولًا في المنصات الرقمية، ضمن مرجعية وطنية قائمة على الوسطية والاعتدال.
خطة مدروسة لتحصين الفضاء الديني الرقمي
وأشار بلمهدي إلى أن هذه الندوة تندرج ضمن سلسلة من الأنشطة العلمية والتكوينية التي أطلقتها الوزارة، كان آخرها لقاءات مع الأئمة والناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تحصين المرجعية الدينية الوطنية، وتعزيز الوحدة الوطنية المستمدة من بيان أول نوفمبر وتضحيات الشهداء.
وشدد الوزير على أن العلماء والدعاة الحاضرين، بما يمتلكونه من تأثير واسع على منصات التواصل الاجتماعي، يمثلون “كلمة الجزائر الواحدة”، موضحًا أن بعضهم يتابعه عشرات الآلاف بل الملايين، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة في الخطاب الديني، خاصة في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود، ولا يسمح بتدارك الأخطاء بسهولة.
وأكد أن الوزارة تعمل وفق خطة تدريجية ومدروسة لمواكبة التحول الرقمي، مشيرًا إلى أن الأمر لا يتعلق بحرية التعبير فقط، بل بضبط الخطاب الديني، وتوحيد المرجعيات، والتصدي للتشكيك ونشر المغالطات، من خلال سياسات واضحة تحدد ما يقال وما لا يقال، وكيفية الرد، وتوقيت وصياغة الفتوى العامة.
دورات تكوينية وتكامل بين العلماء والإعلاميين
وفي السياق ذاته، أعلن وزير الشؤون الدينية عن برمجة دورات تكوينية وطنية وجهوية لفائدة القائمين على الفتوى، خاصة في مجالات الإعلام والاتصال الرقمي، مبرزًا أهمية الاستعانة بالخبرات الإعلامية والتقنيين لفهم آليات صناعة المحتوى الديني الناجح، وكيفية إيصال الرسالة بأسلوب مؤثر ومسؤول يحافظ على ثقة الجمهور.
وأوضح بلمهدي أن النجاح في العالم الرقمي لم يعد قائمًا على العلم الشرعي وحده، بل يتطلب مهارات في التواصل، والإخراج، والمتابعة، والتفاعل، مشددًا على ضرورة التكامل بين العلماء، والإعلاميين، والمتخصصين في التكنولوجيا الحديثة، لضمان خطاب ديني راقٍ ومنضبط.
وتوقف الوزير عند خطورة الفتوى الرقمية، التي تبقى مخزنة ومتداولة حتى بعد تصحيحها، مذكّرًا بأن الخطأ في هذا المجال قد يؤدي إلى المساس بالأعراض أو الدماء أو الأموال، في ظل الانتشار السريع للمعلومة، ما يستوجب أقصى درجات التحري والمسؤولية.
الفتوى اختصاص أصيل للوزارة ومؤطر قانونيًا
ومن جهته، أكد مدير التوجيه الديني وإدارة المساجد بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، محمد سايب، أن منظومة الفتوى في الجزائر تُدار ضمن إطار مؤسساتي وقانوني واضح، وتندرج في صميم العمل الحكومي المنظم للمرفق العام، بما يضمن توحيد المرجعية الدينية ومرافقة المجتمع الجزائري في مختلف قضاياه.
وأوضح سايب أن اختصاص الفتوى يُعد اختصاصًا أصيلًا للوزارة، يستند إلى رصيد قانوني متكامل، من بينها المرسوم التنفيذي رقم 20-360 المحدد لصلاحيات وزير الشؤون الدينية، والمرسوم التنفيذي رقم 21-361 المتعلق بتنظيم الإدارة المركزية، والذي شمل استحداث هياكل جديدة، منها المديرية الفرعية للتعليم عن بعد والإقراء.
وأشار المتحدث إلى أن منظومة الفتوى تتجسد عمليًا من خلال اللجنة الوزارية للفتوى التي تجتمع بصفة دورية، والمكتب الوزاري للفتوى الذي يقدم خدمة الإفتاء على مدار الساعة، إضافة إلى الخط الأخضر، و49 إمامًا مفتيًا عبر ولايات الوطن، إلى جانب الدور المحوري للمجالس العلمية الولائية.
حصيلة رقمية وتوصيات لتعزيز الفتوى الرقمية
وكشف سايب عن حصيلة رقمية معتبرة، حيث تم تسجيل 58 طلب فتوى كتابية، و840 استقبالًا حضوريًا، و5.520 فتوى عبر الهاتف، إلى جانب 8.280 إجابة عبر تطبيق “علماء الجزائر”، و4.806 مراسلات إلكترونية، ما يعكس ثقة المواطنين المتزايدة في الإفتاء المؤسساتي.
وفي ختام أشغال الندوة، شدد المشاركون على ضرورة تأهيل القائمين على الفتوى في المجال الرقمي، وتعزيز الحضور المؤطر للمؤسسات الدينية الرسمية في الفضاء الإلكتروني، مع التحذير من مخاطر الفتاوى غير المنضبطة.
كما أوصوا بإعداد مدونة وطنية تضبط معالم الفتوى الرسمية، وتطوير المنصات الرقمية التابعة للوزارة، بما يسمح بالاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وفق ضوابط شرعية وأخلاقية.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال