احتضنت دار الإمام بالمحمدية، اليوم، أشغال الدورة العادية للجنة الوزارية للفتوى للسداسي الأول لسنة 2026، برئاسة وزير الشؤون الدينية والأوقاف، يوسف بلمهدي، وبحضور الأمين العام للوزارة، وإطارات القطاع، وأعضاء اللجنة الوزارية للفتوى، إلى جانب نخبة من العلماء والباحثين والأئمة.
وشكل اللقاء محطة علمية لتدارس جملة من النوازل والقضايا الفقهية المستجدة، لاسيما ما تعلق بأحكام الزكاة، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية، بما يعزز المرجعية الدينية الوطنية ويرسخ منهج الفتوى المؤسسية القائمة على الاجتهاد الجماعي.
مركز وطني للبحث في الفقه المالكي ومجلة علمية للإفتاء
وفي كلمته الافتتاحية، أكد وزير الشؤون الدينية والأوقاف، الدكتور يوسف بلمهدي، أن الوزارة ماضية في دعم المؤسسات العلمية التي تخدم المرجعية الدينية الوطنية، مشددا على أن الفتوى والاجتهاد لا يتوقفان، بل يتجددان مع تجدد الوقائع، وهو ما يفرض توفير فضاءات علمية قادرة على استيعاب القضايا المعاصرة ومعالجتها وفق أصول الشريعة الإسلامية والمذهب المالكي.
وكشف الوزير عن العمل على إنشاء مركز وطني للبحث في الفقه المالكي، معتبرا أنه سيكون مكسبا علميا جديدا يضاف إلى المؤسسات البحثية في الجزائر، وسيسهم في ترقية الدراسات الفقهية المتخصصة وإنتاج المعرفة الشرعية، فضلا عن كونه فضاء يجمع العلماء والباحثين ويحتضن المشاريع العلمية المرتبطة بالفقه المالكي، بما يعزز المرجعية الدينية الوطنية ويواكب احتياجات المجتمع.
وأوضح بلمهدي أن هذا المركز لن يقتصر على البحث الأكاديمي فحسب، بل سيكون منبرا لتبادل الخبرات بين الجامعات والمعاهد الشرعية والزوايا والباحثين، داعيا الجميع إلى الإسهام في إثرائه بالبحوث والدراسات والمخطوطات المحققة، حتى يصبح مرجعا وطنيا وعلميا في الفقه المالكي.
وفي السياق ذاته، دعا الوزير إلى تشجيع الباحثين على التعريف برسائلهم الجامعية وأعمالهم العلمية، وتنظيم ملتقيات وأيام دراسية وندوات علمية تخصص لمناقشة القضايا الفقهية المستجدة، مؤكدا أن الوزارة مستعدة لاحتضان هذه المبادرات وتوفير فضاءات للحوار العلمي وتبادل الخبرات بين المختصين.
كما أعلن موافقته على مقترح إنشاء مجلة علمية متخصصة في الإفتاء، تكون منبرا لنشر البحوث والدراسات الفقهية والاجتهادات العلمية، إلى جانب العمل على إنشاء بنك معلومات علمي يضم الرسائل الجامعية والأبحاث والمداخلات، بما يسمح للباحثين والطلبة والأئمة بالاستفادة منها في إعداد الدراسات والبحوث والفتاوى.
وتوقف الوزير عند التحديات التي فرضها الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية على مجال الإفتاء، موضحا أن هذه الوسائل أصبحت قادرة على جمع المعلومات وتحليلها، غير أنها لا يمكن أن تعوض دور العالم أو المفتي، لأن الفتوى تحتاج إلى إدراك الواقع، وفهم مقاصد الشريعة، والنظر في مآلات الأحكام، ومراعاة خصوصية كل نازلة. ودعا في هذا الإطار إلى تكوين أعضاء هيئات الإفتاء في التقنيات الرقمية، مع وضع آليات لمتابعة المحتوى الإفتائي المنشور عبر المنصات الإلكترونية، حفاظا على مصداقية الفتوى وصونا للمرجعية الدينية الوطنية.
اللجنة الوزارية للفتوى فضاء للاجتهاد الجماعي
من جهته، أكد المدير العام للتوجيه الديني والتعليم القرآني والثقافة الإسلامية، مراد معيزة، أن انعقاد الدورة العادية للجنة الوزارية للفتوى يجسد اهتمام وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بتفعيل دور هذه الهيئة العلمية، وتعزيز مساهمتها في دراسة النوازل والقضايا الفقهية المستجدة، لاسيما تلك المرتبطة بأحكام الزكاة، وما يشهده الواقع الاقتصادي والاجتماعي من تطورات تستوجب الاجتهاد الجماعي.
وأوضح أن اجتماع هذه النخبة من العلماء والخبراء يعكس حرص الوزارة على ترسيخ منهج الفتوى المؤسسية، القائمة على البحث العلمي والتشاور واستحضار مقاصد الشريعة الإسلامية، بما يحقق المصلحة العامة ويستجيب لحاجات المجتمع في إطار المرجعية الدينية الوطنية.
وثمن معيزة الدعم المتواصل الذي يقدمه وزير الشؤون الدينية والأوقاف لأعمال اللجنة، مؤكدا أن هذا الدعم مكنها من أداء رسالتها العلمية والوطنية في أحسن الظروف، كما أشاد بالجهود التي يبذلها أعضاء اللجنة من علماء وخبراء، وما يقدمونه من آراء واجتهادات تسهم في إثراء أعمالها وتعزيز مكانتها العلمية.
وأشار إلى أن الوزارة تراهن على مواصلة تطوير عمل اللجنة، وتوسيع مجالات البحث والتنسيق مع مختلف المؤسسات العلمية والجامعات، بما يسمح بإيجاد حلول فقهية رصينة للقضايا المستجدة، ويكرس ثقافة الاجتهاد الجماعي في خدمة المجتمع.
واختتمت أشغال الدورة بعدد من المحاضرات والمداخلات العلمية المتخصصة، تناولت أحكام الزكاة والقضايا الفقهية المعاصرة، ومستجدات الفتوى في ظل التحولات الاقتصادية والرقمية، إضافة إلى مناقشة سبل تطوير منظومة الإفتاء في الجزائر، وتعزيز التنسيق بين اللجنة الوزارية للفتوى، ومكاتب الإفتاء بالولايات، والمجالس العلمية، بما يضمن توحيد الرؤية والاجتهاد، وترسيخ المرجعية الدينية الوطنية، والإسهام في خدمة الحياة الروحية للمجتمع الجزائري، ومواكبة المستجدات وفق منهج علمي رصين يقوم على الوسطية والاعتدال والاجتهاد الجماعي.
بثينة ناصري























مناقشة حول هذا المقال