في كل سنة، تستحضر الجزائر ذكرى تأميم المناجم، الموافقة لسادس من ماي من كل سنة، باعتبارها محطة تاريخية بارزة في مسار استرجاع السيادة الوطنية على الثروات الطبيعية، وتجسيدا لإرادة الدولة الجزائرية الفتية في التحكم في مقدراتها الاقتصادية بعد سنوات طويلة من الاستغلال الاستعماري.
وقد جاء قرار تأميم المناجم مباشرة بعد الاستقلال، في سياق سعي الجزائر إلى بناء اقتصاد وطني مستقل يقوم على استرجاع القطاعات الاستراتيجية التي كانت خاضعة للشركات الأجنبية خلال الحقبة الاستعمارية. وشكل هذا القرار خطوة أساسية نحو تمكين الدولة من التحكم في الموارد المنجمية واستغلالها لخدمة التنمية الوطنية، خاصة وأن الجزائر تزخر بثروات معدنية هامة، على غرار الحديد والفوسفات والزنك والذهب والرخام وغيرها من المعادن الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، تم إنشاء الشركة الوطنية للبحث والاستغلال المنجمي “سوناريم” سنة 1967، لتكون الأداة الوطنية المكلفة بتسيير واستغلال الثروات المنجمية الجزائرية، حيث أوكلت لها مهام البحث الجيولوجي والتنقيب والاستغلال وتحويل المواد المنجمية، إلى جانب تطوير الشراكات الصناعية وتكوين الكفاءات الوطنية في المجال المنجمي.
وقد لعبت “سوناريم” دورا محوريا في وضع اللبنات الأولى للصناعة المنجمية الوطنية، من خلال الإشراف على عدد من المشاريع والمناجم عبر مختلف ولايات الوطن، والمساهمة في تكوين إطارات وتقنيين جزائريين تولوا لاحقا تسيير هذا القطاع الحيوي.
كما ساهمت المؤسسة في تعزيز حضور الجزائر في الأسواق الدولية للمواد الأولية المعدنية، خاصة خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات.
ويعتبر تأميم المناجم امتدادا طبيعيا لمسار استكمال السيادة الوطنية، إذ لم يكن الاستقلال السياسي كافيا دون استرجاع التحكم في الثروات الاقتصادية التي كانت تمثل أحد أهم أدوات الهيمنة الاستعمارية.
لذلك، حمل هذا القرار أبعادا سياسية واقتصادية ورمزية كبيرة، عكست توجه الجزائر نحو بناء نموذج اقتصادي قائم على السيادة والاستقلالية.
واليوم، تعود الجزائر إلى إعطاء أهمية متزايدة للقطاع المنجمي، في إطار استراتيجية تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص التبعية للمحروقات، حيث تعمل السلطات العمومية على بعث مشاريع كبرى لاستغلال الحديد والفوسفات والزنك والمعادن النادرة، مستفيدة من الإمكانات الطبيعية الهائلة التي تزخر بها البلاد.
وتبقى ذكرى تأميم المناجم وإنشاء “سوناريم” مناسبة لاستحضار تضحيات جيل الاستقلال وإرادة بناء دولة قوية تتحكم في ثرواتها، كما تشكل فرصة للتأكيد على أهمية القطاع المنجمي في تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز الأمن الاقتصادي للجزائر في ظل التحولات العالمية الراهنة.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال