في كل صيف، تعود حرائق الغابات لتتصدر المشهد في الجزائر، لكن ما شهدته البلاد خلال صيف 2026 أعاد طرح تساؤلات ملحة حول أسباب اتساع رقعة النيران وتكرارها، في ظل موجات حر غير مسبوقة وتغيرات مناخية متسارعة.
وبين العوامل الطبيعية والتدخل البشري، يبرز تحدي بناء استراتيجية أكثر نجاعة للوقاية والحد من المخاطر، ولتسليط الضوء على هذه الإشكاليات، حاورت “عالم الأهداف” الدكتور زقعيط رشيد، الأستاذ المحاضر والباحث في ميدان المياه والمناخ بجامعة قاصدي مرباح بورقلة، الذي قدم قراءة علمية لواقع حرائق الغابات في الجزائر، وأبرز تأثير التغيرات المناخية، كما تطرق إلى أبرز الآليات الكفيلة بالانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى مقاربة استباقية تقوم على الوقاية وإدارة المخاطر.

أكد الدكتور زقعيط أن حرائق الغابات في الجزائر لم تعد أحداثًا استثنائية مرتبطة بموجات حر عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة موسمية تتكرر بوتيرة متزايدة، في ظل التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، ما يستدعي الانتقال من الاكتفاء بإخماد الحرائق بعد اندلاعها إلى تبني مقاربة تقوم على الوقاية وإدارة المخاطر قبل وقوعها.
وأوضح أن ما شهدته الجزائر خلال شهر جويلية 2026 يعكس هذا التحول بوضوح، بعدما امتدت الحرائق إلى عشرات الولايات، من بجاية وجيجل وسطيف وقالمة وخنشلة وسوق أهراس، إلى ميلة وباتنة وتيزي وزو والبويرة والمدية وتلمسان وسيدي بلعباس، وصولًا إلى الجلفة، مخلفة خسائر بشرية ومادية وبيئية معتبرة.
وأضاف أن الأرقام الرسمية تؤكد حجم التصاعد، إذ سجلت الجزائر منذ أول ماي 2026 نحو 3719 حريقًا، مقابل 1501 حريقًا خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة تقارب 150 بالمائة، وهو ما يعكس، بحسبه، تغيرًا في طبيعة الظاهرة وليس مجرد موسم استثنائي.
لماذا تتحول الحرائق الصغيرة إلى أزمات واسعة النطاق؟
في هذا السياق، أوضح الدكتور، أن الخطأ الأكثر شيوعًا في تفسير حرائق الغابات يتمثل في إرجاعها إلى سبب واحد، سواء كان الإهمال البشري أو الارتفاع القياسي في درجات الحرارة، بينما تؤكد الدراسات العلمية أن الظاهرة أكثر تعقيدًا.
وأشار إلى ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة، هي: سبب البدء، وسبب الانتشار، وسبب الكارثة، فسبب البدء يكون في الغالب بشريًا، نتيجة سلوكيات غير مقصودة مثل رمي أعقاب السجائر أو حرق النفايات والبقايا الزراعية بالقرب من الغابات، مع عدم استبعاد فرضية الحرائق المتعمدة في بعض المناطق، وهو ما يستوجب تحقيقات ميدانية بالتوازي مع جهود الإخماد.
غير أن الشرارة الأولى، بحسب المتحدث، لا تتحول بمفردها إلى كارثة، إذ إن سبب الانتشار يكمن في تراكم الأعشاب الجافة والحطب داخل الغابات غير المدارة بانتظام، ما يوفر وقودًا طبيعيًا يسمح للنيران بالتمدد بسرعة، خاصة في ظل الرياح المحلية القوية.
أما العامل الحاسم، فيتمثل في الظروف المناخية، حيث يؤدي تزامن موجات الحر الشديدة مع الجفاف المزمن وانخفاض رطوبة الغطاء النباتي إلى خلق بيئة شديدة القابلية للاشتعال. ويصف المختصون هذه الحالة بـ”تفاقم المخاطر المركبة”، حيث تتفاعل الحرارة والجفاف والرياح والوقود النباتي معًا لتنتج حرائق أكثر شدة واتساعًا من تأثير كل عامل على حدة.
موجات الحر والجفاف وقود جديد لحرائق الغابات
وأكد الدكتور زقعيط أن تغير المناخ أصبح المحرك الأساسي لتصاعد حرائق الغابات في الجزائر، موضحًا أن موسم 2026 عرف درجات حرارة قياسية قاربت في بعض الولايات 49 درجة مئوية أو تجاوزتها، وهو ما أدى إلى جفاف الغطاء النباتي وتحوله إلى مخزون قابل للاشتعال.
وأضاف أن هذه الظاهرة ليست محلية، بل تندرج ضمن التحولات المناخية التي يشهدها حوض البحر الأبيض المتوسط، المصنف ضمن أكثر مناطق العالم تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة، حيث تشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن الاحترار العالمي يطيل مواسم الحرائق ويزيد من حدتها وتكرارها في المنطقة.
ولم تكن هذه التطورات مفاجئة بالنسبة للمتخصصين، إذ سبق لعدد من الباحثين الدوليين، من بينهم عالم المناخ ثيودور كيبينغ من كلية “إمبريال كوليدج لندن”، أن حذروا من احتمال تسجيل موسم استثنائي للحرائق خلال سنة 2026، نتيجة تفاعل تغير المناخ مع ظاهرة “إل نينيو”، التي تؤثر في أنماط الطقس على المستوى العالمي.
وعن تداعيات الحرائق، شدد الدكتور زقعيط على أن الخسائر لا تقتصر على احتراق الأشجار، بل تمتد إلى تراجع قدرة الغابات على التجدد الطبيعي، خاصة عندما تتكرر الحرائق في المناطق نفسها قبل اكتمال دورات التعافي البيئي، لافتًا إلى أن بعض الأنواع، مثل البلوط الفليني والصنوبر، تحتاج إلى عقود كاملة لاستعادة توازنها.
كما يؤدي احتراق الغطاء النباتي إلى تعرية التربة وزيادة قابليتها للانجراف، ما يرفع من مخاطر الفيضانات خلال المواسم الممطرة، فضلًا عن المفارقة البيئية المتمثلة في تحول الغابة من مخزن طبيعي للكربون إلى مصدر لانبعاثات الغازات الدفيئة، وهو ما يفاقم بدوره ظاهرة الاحتباس الحراري.
أما على المستوى الإنساني، فقد خلفت حرائق صيف 2026 وفيات وإصابات وعمليات إجلاء واسعة، إضافة إلى تضرر مساكن وممتلكات خاصة، وهو ما يؤكد أن آثار الحرائق لا تمس البيئة فقط، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي، ما يستدعي، حسب الباحث، اعتماد سياسات دائمة لتعويض المتضررين ومرافقتهم بدل الاكتفاء بالتدخلات الظرفية.
التحول الذي تفرضه التحديات المناخية الجديدة
وفيما يتعلق بسبل المواجهة، يرى الدكتور زقعيط أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على إخماد الحرائق بعد اندلاعها، بل يتمثل في الانتقال إلى إدارة المخاطر قبل وقوعها، وهو التوجه الذي تدعو إليه الأطر الدولية الخاصة بالحد من مخاطر الكوارث.
وأوضح أن الجزائر شرعت بالفعل خلال حملة 2026 في تعزيز وسائل التدخل عبر تعبئة الإمكانات البشرية واللوجستية، والاستعانة بطائرات الإطفاء، إلى جانب تكثيف التنسيق بين الحماية المدنية والمديرية العامة للغابات والجيش الوطني الشعبي.
غير أن الوقاية، بحسبه، تتطلب إجراءات أكثر استدامة، تشمل فتح ممرات وشرائط عازلة لمنع انتقال النيران بين الكتل الغابية، وإزالة الأعشاب الجافة والمخلفات الخشبية قبل حلول فصل الصيف، وتعزيز المراقبة عبر أبراج الرصد والدوريات الميدانية، إضافة إلى اعتماد إدارة غابية مستدامة تقوم على التقييم الدوري لمناطق الخطر.
كيف تغير التكنولوجيا قواعد مكافحة الحرائق؟
وأشار الباحث إلى أن التكنولوجيا أصبحت اليوم عنصرًا أساسيًا في مكافحة حرائق الغابات، حيث أسهمت صور الأقمار الصناعية، وعلى رأسها الأقمار الأوروبية “Sentinel-2″، في رصد أعمدة الدخان وتحديد مواقع الحرائق بدقة، مما ساعد فرق التدخل على متابعة تطور النيران بشكل آني.
وأضاف أن التجارب الدولية، خاصة في جنوب أوروبا وكندا، أثبتت فعالية أنظمة الإنذار المبكر التي تعتمد على بيانات الأرصاد الجوية والاستشعار عن بعد والكاميرات الحرارية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، القادرة على التنبؤ بالمناطق الأكثر عرضة للاشتعال انطلاقًا من معطيات الطقس ورطوبة التربة وكثافة الغطاء النباتي، وهو ما يسمح باتخاذ قرارات استباقية قبل اندلاع الحرائق.
المواطن في قلب معادلة الوقاية.. سلوكيات بسيطة قد تمنع اندلاع كارثة بيئية
وفي ختام حديثه، شدد الدكتور زقعيط رشيد على أن المواطن يبقى خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة، موضحًا أن عددًا كبيرًا من الحرائق يبدأ نتيجة ممارسات بسيطة يمكن تجنبها، مثل إشعال النار أو التدخين بالقرب من الغابات الجافة، أو حرق النفايات والبقايا النباتية خلال فترات الحر والرياح، أو ترك مواقد الشواء دون إخماد كامل.
كما دعا إلى تعزيز ثقافة الإبلاغ المبكر عن أي دخان أو بؤر أولية، والالتزام بتعليمات السلطات المختصة، والمشاركة في حملات التشجير والتوعية البيئية، مؤكدًا أن حماية الغابات لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت رهانًا مرتبطًا بالأمن المناخي والغذائي والاجتماعي للجزائر.
وختم الباحث بالتأكيد على أن ما شهدته البلاد خلال صيف 2026 ينبغي أن يُقرأ باعتباره جرس إنذار يدعو إلى مراجعة أساليب التعامل مع حرائق الغابات، والانتقال من منطق الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى ثقافة الوقاية والاستباق، لأن حماية الغابة اليوم هي استثمار في أمن الأجيال القادمة واستدامة الموارد الطبيعية.
ويجمع الدكتور زقعيط رشيد، في هذا الحوار، على أن حرائق الغابات لم تعد مجرد حوادث موسمية عابرة، بل أصبحت تحديًا بيئيًا ومناخيًا يتطلب رؤية شاملة تتكامل فيها جهود الدولة والمؤسسات العلمية والمجتمع المدني والمواطن، فمع استمرار التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، يبقى الاستثمار في الوقاية، والإدارة المستدامة للغابات، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، ونشر الوعي البيئي، السبيل الأمثل للحد من الخسائر وحماية الثروة الغابية، باعتبارها ركيزة أساسية للأمن البيئي والمناخي والغذائي في الجزائر.
بوزيان بلقيس























مناقشة حول هذا المقال