أعادت الحرائق المهولة التي اندلعت بالجزائر مؤخرا، وامتدت إلى 16 ولاية، طرح ملف الكوارث الطبيعية والمخاطر الكبرى في الجزائر من زاوية تتجاوز المعالجة الظرفية والموسمية.
فحجم الخسائر واتساع رقعة الحرائق وسرعة انتشارها، بحسب الدكتور بشير مصيطفى، تفرض التعامل معها باعتبارها “ظاهرة تستدعي قراءة علمية واستشرافية شاملة”، وليس مجرد أحداث متفرقة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.
ويرى الوزير السابق، في حوار مع يومية عالم الأهداف، أن ما شهدته الجزائر يستوجب الوقوف عند مجموعة من المؤشرات، من بينها حجم الحرائق وسرعة انتشارها وتزامنها مع ظروف مناخية قاسية، مع ضرورة انتظار نتائج التحقيقات الرسمية لتحديد طبيعة وأسباب كل حريق وعدم استباقها باستنتاجات قطعية.
ظاهرة متعددة الأبعاد
يعتبر بشير مصيطفى أن حرائق الجزائر الأخيرة تستحق الدراسة باعتبارها ظاهرة ذات أبعاد متعددة، بالنظر إلى اتساع رقعتها الجغرافية وشمولها أنماطاً مختلفة من التضاريس والمجالات، من الغابات والأحراش إلى الغطاء النباتي والمساحات الزراعية وحتى المناطق الحضرية.
كما ساهمت الظروف المناخية القاسية، من ارتفاع درجات الحرارة إلى قوة الرياح، في زيادة قابلية انتشار النيران وصعوبة التحكم فيها، وهو ما يكشف، حسب المتحدث، عن الحاجة إلى تطوير منظومة وطنية أكثر تقدماً في مجال “الرصد المبكر والتنبؤ بالمخاطر والاستجابة للكوارث”.
وفي هذا السياق، يشدد مصيطفى على أهمية التمييز بين الأسباب الطبيعية والبشرية وبين فرضية الإشعال المتعمد، مؤكداً أن تحديد المسؤوليات والدوافع يظل من اختصاص التحقيقات والجهات المختصة.
خمسة عوامل وراء هشاشة المنظومة
لا يحصر الوزير السابق أسباب انتشار الحرائق في عامل واحد، بل يقسمها إلى مجموعات مترابطة، تبدأ بالسلوك البشري وما يرتبط به من إهمال لشروط سلامة المحيط، ولا تنتهي عند الجوانب العلمية والتشريعية.
ويبرز أولاً “العامل البشري”، من خلال بعض السلوكيات التي قد تزيد من احتمالات اندلاع الحرائق أو انتشارها.
أما العامل الثاني فيتعلق بـ”طبيعة الغطاء الغابي والبيئي”، بما في ذلك نوعية الغابات، وطرق اقتناء الشتلات وغرسها، وأساليب صيانة الأحراش والمساحات الجبلية، إلى جانب ضرورة تطوير البحث العلمي المتخصص في المجال الغابي.
ويأتي بعد ذلك “العامل الإداري”، المرتبط بطرق تسيير وصيانة الغابات، وتدابير حماية المحيط، وفعالية آليات التدخل والاستجابة عند اندلاع الحرائق.
كما يطرح مصيطفى العامل العلمي، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية للوقاية، من خلال تطوير دراسات استشراف الكوارث الطبيعية والمخاطر الكبرى، وتعزيز أنظمة اليقظة والإنذار المبكر، والقدرة على قراءة المؤشرات التي تسمح بتوقع السيناريوهات المحتملة.
أما العامل الخامس فيتعلق بـ”الإطار التشريعي”، وضرورة ملاءمة قوانين حماية الطبيعة والغابات مع حجم التحديات والمخاطر التي تواجهها الجزائر.
من إدارة الكارثة إلى استباقها
ويرى الدكتور بشير مصيطفى أن تكرار حرائق الغابات في الجزائر يفرض الانتقال من سياسة التعامل مع الكارثة بعد وقوعها إلى سياسة “استباق المخاطر قبل تحولها إلى كوارث”.
ويقترح في هذا الإطار استحداث “خلية لليقظة الاستراتيجية خاصة باستباق الكوارث الطبيعية”، تكون مهمتها تشخيص الوضع، وجمع وتحليل المعطيات، وبناء السيناريوهات المستقبلية، واقتراح الحلول الفنية وفق الإمكانيات العلمية والمادية والمالية واللوجستية والبشرية المتاحة.
ولا تقتصر مهمة هذه الخلية، وفق التصور المطروح، على متابعة الحرائق، وإنما تشمل تطوير منظومة متكاملة للرصد والتوقع والتدريب والإنذار المبكر، بما يسمح بالتدخل في الوقت المناسب وتقليص حجم الخسائر.
العمران داخل المناطق الحساسة.. معركة أخرى
ومن بين الحلول التي يطرحها الوزير السابق، فرض “ضوابط قانونية صارمة على البناء داخل الغابات والأحراش والمناطق المعرضة للخطر”، إلى جانب تنظيم التوسع العمراني وتوفير مساكن تتوفر فيها شروط السلامة والحماية.
وتبرز هذه النقطة أهمية التخطيط العمراني في منظومة الوقاية من الكوارث، خصوصاً أن وجود تجمعات سكانية بالقرب من المناطق الغابية يرفع من حجم المخاطر ويعقد عمليات الإجلاء والتدخل أثناء الحرائق.
مركز وطني لأبحاث الكوارث
ولا يتوقف التصور عند الجانب الإداري، إذ يقترح مصيطفى إنشاء “مركز لأبحاث الكوارث الطبيعية” بميزانية معتبرة، بمساهمة الدولة والقطاع المصرفي والمؤسسات الخاصة وغيرها من الفاعلين الاقتصاديين.
ويتمثل الهدف في بناء قاعدة علمية متخصصة تتولى دراسة المخاطر الكبرى، وتحليل البيانات، وإنتاج الدراسات والسيناريوهات، مع إنشاء هيكل إقليمي يغطي المناطق الأكثر تعرضاً للكوارث.
فالمعركة، وفق هذا الطرح، لا يمكن أن تكون أمنية أو ميدانية فقط، وإنما تحتاج أيضاً إلى “جامعة ومراكز بحث وخبراء وبيانات وتكنولوجيا” قادرة على تحويل المعطيات إلى قرارات استباقية.
الذكاء الاصطناعي.. فرصة لتعزيز الإنذار المبكر
وفي ظل التطور التكنولوجي المتسارع، يمكن أن تستفيد منظومة مكافحة الحرائق من تقنيات حديثة مثل صور الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وأجهزة الاستشعار الحراري، ونظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي، بهدف رصد البؤر الساخنة وتحليل سرعة انتشار النيران والتنبؤ باتجاهاتها وفق معطيات الرياح والحرارة والتضاريس.
وبذلك يمكن أن تتحول التكنولوجيا من مجرد وسيلة لرصد الحريق بعد اندلاعه إلى “أداة للتنبؤ بالخطر قبل تحوله إلى كارثة”.
العلم.. الرهان على المستقبل
ويخلص الدكتور بشير مصيطفى إلى أن مواجهة المخاطر المستقبلية لا يمكن أن تقوم فقط على ردود الفعل، لأن السلوك البشري يظل متغيراً، بينما تتزايد المخاطر المناخية والبيئية تعقيداً.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي، حسب رؤيته، يتمثل في “العلم والدراسة والاستشراف”، وبناء منظومة وطنية متكاملة قادرة على فهم المخاطر قبل وقوعها، وتوقع تطورها، ثم تحويل هذه المعرفة إلى خطط عملية قابلة للتنفيذ.
فحرائق الغابات لم تعد مجرد موسم عابر ينتهي بانتهاء الصيف، بل أصبحت تحدياً يتطلب “سياسة دائمة للوقاية والاستشراف وإدارة المخاطر”، يكون فيها الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا بمثابة خط الدفاع الأول عن الإنسان والطبيعة والاقتصاد الوطني.
بوزيان بلقيس























مناقشة حول هذا المقال