عرض وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، اليوم الأحد ، أمام لجنة التجهيز والتنمية المحلية بالمجلس الشعبي الوطني، مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، مؤكداً أن هذا النص يندرج في إطار العناية الخاصة التي يوليها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون.
وأبرز سعيود أن هذا القانون يهدف لإعادة تنظيم الممارسة السياسية على أسس دستورية وقانونية ومؤسساتية أكثر فعالية، بما يجعل من الأحزاب السياسية قاطرة حقيقية للتغيير ودعامة أساسية لبناء مؤسسات قوية وذات مصداقية، تسهم في ترسيخ دولة القانون وتعزيز الاستقرار السياسي والمؤسساتي في البلاد.
وأوضح الوزير أن مشروع هذا القانون جاء ثمرة مسار تشاوري معمق، انطلق بتوجيه من رئيس الجمهورية، وشمل دراسات متخصصة واستشارات موسعة مع مختلف الفاعلين السياسيين، والنخب الأكاديمية، والخبراء القانونيين، مضيفاً أن الصيغة النهائية خضعت لمراحل متعددة من الإثراء، بداية على مستوى القطاع الوزاري، ثم من خلال دراسة مشتركة بين القطاعات المعنية، قبل أن تُعرض على استشارة واسعة من طرف مصالح رئاسة الجمهورية، شملت الأحزاب السياسية المعتمدة والممثلة في المجالس المنتخبة.
مشروع منسجم مع دستور 2020 ومسار إصلاحي تشاركي
وأكد سعيود أن المشروع يستند إلى مبادئ التعديل الدستوري لسنة 2020، الذي شكّل محطة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي، من خلال إعادة ضبط منظومة الحقوق والحريات، وتوسيع الضمانات الدستورية الممنوحة للممارسة السياسية، وترسيخ قواعد أوضح للتعددية الحزبية في إطار احترام الثوابت الوطنية ووحدة الدولة.
وفي هذا السياق، أبرز الوزير أن المشروع جاء لتكييف القانون العضوي رقم 12-04 لسنة 2012 مع المستجدات الدستورية، لاسيما أحكام المادتين 57 و58 من الدستور، ومعالجة الإشكالات العملية التي أفرزتها تجربة تطبيقه خلال السنوات الماضية، سواء ما تعلق بالإجراءات الإدارية، أو التنظيم الداخلي للأحزاب، أو علاقتها بالإدارة، أو مستوى التزامها بمبادئ الشفافية والديمقراطية الداخلية.
وأشار المتحدث إلى أن الصيغة النهائية لمشروع القانون أخذت بعين الاعتبار المقترحات المقدمة من مسؤولي الأحزاب السياسية، الذين تمت استشارتهم مباشرة من قبل رئيس الجمهورية أو من طرف مستشاره المكلف بالشؤون السياسية، معتبراً أن هذه المقترحات عكست إدراكاً دقيقاً لتحديات الممارسة السياسية، وأسهمت في بلورة نص متوازن وواقعي.
توسيع دور الأحزاب ورقمنة التسيير ومنع التجوال السياسي
وبيّن وزير الداخلية أن مشروع القانون العضوي يهدف إلى الارتقاء بمكانة الحزب السياسي وتعزيز دوره المحوري داخل المنظومة الديمقراطية، من خلال توسيع مجالات مساهمته في الشأن العام، سواء عبر المشاركة في تنفيذ السياسة العامة للحكومة بواسطة ممثليه المنتخبين، أو تقديم الاقتراحات والآراء بشأن السياسات العمومية، أو المساهمة في العمل البرلماني تشريعاً ورقابة، إضافة إلى تقييم برنامج عمل الحكومة ومتابعة مدى تجسيده ميدانياً.
كما كرس المشروع خيار التحول الرقمي في تسيير الحياة الحزبية، من خلال استحداث منصة رقمية لدى وزارة الداخلية، مخصصة لاستقبال ومعالجة ملفات تأسيس واعتماد الأحزاب السياسية، والتصريح بالتغييرات التنظيمية، بما يضمن تبسيط الإجراءات، وتقليص آجال المعالجة، وتعزيز الشفافية وقابلية التتبع، وتوحيد آليات التعامل بين الإدارة والأحزاب.
وفي سياق ضبط الممارسة الحزبية، توقف سعيود عند ظاهرة تغيير الانتماء الحزبي للمنتخبين خلال العهدة الانتخابية، معتبراً إياها ممارسة تمس بمصداقية العمل السياسي وتخل بتمثيل الإرادة الشعبية، موضحاً أن المشروع، انسجاماً مع المادة 120 من الدستور، يمنع المنتخبين من تغيير انتمائهم الحزبي الذي انتُخبوا على أساسه، مع ترتيب آثار قانونية صارمة تصل إلى تجريد المنتخب من عهدته بقوة القانون.
حوكمة التمويل وتعزيز مشاركة الشباب والمرأة
وأكد الوزير أن مشروع القانون يولي أهمية خاصة لأخلقة العمل السياسي وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، من خلال تشديد الرقابة على مصادر تمويل الأحزاب السياسية، ومنع أي تمويل أجنبي مباشر أو غير مباشر، وإلزام الأحزاب بالتصريح بالهبات والتبرعات، وإخضاع حساباتها لرقابة محافظي الحسابات، فضلاً عن حظر استغلال أماكن العبادة والمؤسسات التربوية والتعليمية لأغراض حزبية.
كما شدد سعيود على أن النص يكرس المشاركة الفعلية للمرأة والشباب في الحياة الحزبية، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في تجديد الطبقة السياسية، من خلال إلزام الأحزاب بتحديد نسب دنيا لتمثيلهما ضمن الأعضاء المؤسسين، لا تقل عن عشرة بالمائة لكل فئة، إلى جانب تمكينهما من تولي مسؤوليات داخل الهياكل القيادية الوطنية والمحلية، بما يضمن إدماجاً مستداماً وتكويناً سياسياً متواصلاً.
وجدد وزير الداخلية التأكيد على أن مشروع هذا القانون العضوي يشكل إطاراً قانونياً وتنظيمياً متكاملاً من شأنه إعادة تنظيم الحياة الحزبية على أسس ديمقراطية شفافة، وتعزيز ثقة المواطن في العمل السياسي، وبعث ديناميكية جديدة داخل الأحزاب، بما يخدم استقرار البلاد ويكرس مصداقية مؤسساتها الديمقراطية.

























مناقشة حول هذا المقال