في ظل تزايد مخاطر حرائق الغابات وتداعيات التغيرات المناخية، بات تعزيز ثقافة الوقاية والتكيف مع المخاطر البيئية ضرورة ملحة، خاصة في مرحلة ما بعد الحرائق التي تتطلب جهوداً متواصلة لاستعادة الغطاء النباتي وحماية التنوع البيولوجي. وفي هذا السياق، يضطلع المعهد الوطني للتكوينات البيئية بوزارة البيئة وجودة الحياة بدور هام في مجال التكوين والتربية والتحسيس البيئي، من خلال برامجه الموجهة لمختلف شرائح المجتمع، لاسيما الأطفال والشباب والجمعيات والفاعلين المحليين.
وفي هذا الحوار، تتحدث السيدة عاشور حياة، المديرة العامة للمعهد الوطني للتكوينات البيئية، عن جهود المعهد في مجال الوقاية من حرائق الغابات، ومرافقة عمليات إعادة تأهيل المناطق المتضررة، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني والسكان المحليين في حماية الغطاء النباتي، إلى جانب البرامج التكوينية الرامية إلى مواجهة التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية، والانتقال من التوعية الظرفية إلى ثقافة بيئية قائمة على الاستباق والوقاية.
بعد موسم الحرائق، كيف يساهم المعهد الوطني للتكوينات البيئية في نشر الوعي بأهمية استعادة الغطاء النباتي وحماية الغابات؟
يشكل الحفاظ على الغطاء النباتي واستعادة المناطق المتضررة من الحرائق مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود مختلف القطاعات والهيئات والمجتمع المدني والمواطنين وفي هذا الإطار يضطلع المعهد الوطني للتكوينات البيئية بدور أساسي في الجانب التربوي والتحسيسي والتكويني، من خلال مرافقة الجهود الوطنية الرامية إلى حماية الغابات وتعزيز الوعي بقيمتها البيئية والاقتصادية والاجتماعية .
ويعمل المعهد عبر برامجه وأنشطته وشبكة دور البيئة على تطوير وتنفيذ مبادرات تحسيسية وتربوية تستهدف مختلف شرائح المجتمع، مع التركيز على الأطفال والشباب والجمعيات والفاعلين المحليين للتعريف بأهمية الغطاء النباتي ودوره في الحفاظ على التوازنات البيئية والتنوع البيولوجي ومكافحة آثار التغيرات المناخية.
كما تحرص على ترسيخ مفهوم مفاده أن استعادة المناطق المتضررة لا تتوقف عند غرس الأشجار، وإنما تستوجب حمايتها ومتابعتها والمحافظة عليها، بما يجعل المواطن شريكاً في عملية الاستعادة وليس مجرد مستفيد منها .
هل يخصص المعهد برامج تكوينية لفائدة الفاعلين في المجال البيئي حول الوقاية من حرائق الغابات والتعامل مع آثارها ؟
يولي المعهد الوطني للتكوينات البيئية أهمية متزايدة لموضوع الوقاية البيئية من مخاطر حرائق الغابات، في إطار مهامه المتعلقة بالتكوين والتربية والتحسيس البيئي، وينصب دور المعهد أساساً على الجانب الوقائي والتوعوي من خلال إعداد مضامين وبرامج تستهدف الفاعلين في المجال البيئي، لاسيما الجمعيات والمجتمع المدني والمتدخلين المحليين بهدف تعزيز معارفهم حول أسباب الحرائق ومخاطرها، والسلوكيات الواجب اعتمادها للحد من مسبباتها، إلى جانب أهمية اليقظة والتبليغ المبكر والمساهمة في حماية المناطق الغابية.
كما يحرص المعهد على تعزيز التعاون مع الهيئات المختصة، بما يسمح بتطوير برامج مشتركة تجمع بين الخبرة التقنية والبعد التربوي والتحسيسي، مع احترام اختصاص كل جهة.
إلى أي مدى يركز التكوين البيئي على مرحلة ما بعد الحرائق، خاصة فيما يتعلق بإعادة تأهيل المناطق المتضررة واستعادة التنوع البيولوجي؟
تمثل مرحلة ما بعد الحرائق مرحلة بالغة الأهمية، لأنها لا تتعلق فقط بإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وإنما باستعادة وظائفها البيئية وحماية ما تبقى من مكوناتها الطبيعية .
ومن هذا المنطلق، يسعى المعهد إلى إدراج البعد المتعلق بما بعد الحرائق ضمن أنشطته التكوينية والتربوية والتحسيسية، من خلال نشر المعارف المتعلقة بأهمية استعادة الغطاء النباتي، وحماية التربة، والمحافظة على التنوع البيولوجي، والتعريف بأهمية اختيار السلوكيات والممارسات الملائمة لحماية المناطق التي تمت إعادة تأهيلها .
ونحن نؤكد دائماً أن إعادة التأهيل عملية مستمرة، وأن غرس الأشجار يمثل مرحلة أولى فقط، بينما يكمن التحدي الحقيقي في ضمان استدامة هذه العمليات من خلال المتابعة والحماية والمرافقة والتوعية المستمرة.
ما أهمية تكوين الجمعيات والمجتمع المدني والسكان المحليين في إنجاح عمليات التشجير وحماية المناطق التي تمت إعادة تأهيلها؟
إن إشراك الجمعيات والمجتمع المدني والسكان المحليين يمثل في تقديرنا، أحد أهم عوامل نجاح عمليات التشجير وإعادة تأهيل المناطق المتضررة. فنجاح أي مشروع بيني لا يقاس فقط بحجم الإمكانيات التي ترصد له، وإنما بمدى انخراط المجتمع المحلي في حمايته والمحافظة على نتائجه.
ولذلك، يحرص المعهد على تعزيز قدرات الفاعلين المحليين من خلال التكوين والتحسيس بما يمكنهم من أداء دورهم كشركاء حقيقيين في حماية الغطاء النباتي .
كما نشجع على ترسيخ ثقافة التطوع والمشاركة المواطنة، وتحويل عمليات التشجير إلى مبادرات جماعية مستدامة، تتجاوز البعد الرمزي لغرس الأشجار نحو المتابعة والحماية والتوعية، لأن الشجرة التي نغرسها تحتاج إلى سلوك جماعي يحميها ويضمن استمراريتها.
هل يعمل المعهد على إعداد برامج تحسيسية موجهة للأطفال والشباب لترسيخ ثقافة حماية الغابات والوقاية من الحرائق؟
بكل تأكيد، فالأطفال والشباب يمثلون محوراً أساسياً في استراتيجية المعهد في مجال التربية البيئية، باعتبار أن بناء السلوك البيئي السليم يبدأ في سن مبكر ويتعزز من خلال الممارسة المستمرة. ومن خلال دور البيئة والأندية البيئية والأنشطة التربوية والتحسيسية، يعمل المعهد على تقديم مضامين مبسطة وتفاعلية حول أهمية الغابات والغطاء النباتي، ومخاطر الحرائق، وسبل الوقاية منها، إلى جانب تعزيز ثقافة التشجير والمحافظة على التنوع البيولوجي.
ونحرص على اعتماد أساليب تربوية متنوعة، من بينها الورشات التطبيقية والألعاب التربوية والمسابقات والأنشطة الميدانية، بما يساعد على تحويل المعارف البيئية إلى سلوكيات يومية راسخة. فالغاية ليست فقط أن يعرف الطفل مخاطر الحرائق، وإنما أن يصبح منذ الصغر حاملاً لرسالة حماية الغابة ومحافظاً عليها، وأن ينقل هذه الثقافة إلى محيطه الأسري والمجتمعي .
هل هناك تنسيق بين المعهد والهيئات والمؤسسات المعنية بالغابات والبيئة لتوحيد الجهود في مجال التكوين والتوعية بعد الحرائق؟
إن حماية الغابات والوقاية من المخاطر البيئية تتطلب بالدرجة الأولى تكاملاً في الأدوار وتنسيقاً مستمراً بين مختلف المتدخلين كل حسب اختصاصه .
وفي هذا الإطار، يعمل المعهد الوطني للتكوينات البيئية على تعزيز التعاون والتنسيق مع القطاعات والهيئات والمؤسسات المعنية، بهدف دعم الجهود المشتركة في مجالات التكوين والتربية والتحسيس البيني، وتطوير رسائل توعوية متكاملة وموجهة إلى مختلف الفئات. ونحن نؤمن بأن التكامل بين الخبرة التقنية للهيئات المختصة والخبرة التربوية والتحسيسية للمعهد يمكن أن يعزز فعالية العمل الوقائي، ويساهم في إيصال رسائل موحدة وواضحة إلى المواطن، خاصة في الفترات التي ترتفع فيها مخاطر الحرائق، كما أن شبكة دور البيئة تشكل رصيداً مهماً يمكن الاعتماد عليه لتعزيز العمل الجواري وتقريب التوعية البيئية من المواطن في مختلف مناطق الوطن.
في ظل التغيرات المناخية وارتفاع مخاطر الحرائق، كيف يمكن للتكوين البيئي أن يواكب التحديات الجديدة ويساهم في الوقاية بدل الاكتفاء بالتوعية بعد وقوع الكارثة؟
أمام التغيرات المناخية وتزايد الظواهر المناخية المتطرفة، لم يعد من الكافي أن تكون التوعية البيئية مرتبطة بحدث أو موسم معين، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى مقاربة استباقية تقوم على الوقاية وبناء القدرة على التكيف. ومن هنا، يعمل المعهد على تطوير مضامينه التكوينية والتربوية والتحسيسية بما يتماشى مع التحديات البيئية الجديدة، مع تعزيز ثقافة الوقاية والاستعداد والتعريف بالمخاطر المرتبطة بالحرائق والتغيرات المناخية والسلوكيات التي يمكن أن تساهم في الحد منها.
في ظل التغيرات المناخية وارتفاع مخاطر الحرائق، أصبح دور التكوين البيئي لا يقتصر على التوعية بعد وقوع الكارثة، بل أصبح يرتكز أساسا على الوقاية والاستباق والتكيف مع المخاطر المناخية .. وفي هذا الإطار، أطلق المعهد الوطني للتكوينات البيئية برنامجا تكوينيا وطنيا حول مخطط التكيف مع التغيرات المناخية لفائدة مختلف القطاعات والفاعلين لاسيما مديريات الصناعة والصحة والفلاحة، إلى جانب الجمعيات البيئية ومختلف المتدخلين.
ويهدف هذا البرنامج إلى تعزيز قدرات الفاعلين في مجال استباق المخاطر المناخية، وتحديد مواطن الهشاشة، ووضع التدابير الوقائية المناسبة، بما يسمح بالتدخل قبل وقوع الكوارث والتقليل من آثارها.
ما هي رسالتكم للمواطنين والجمعيات والمؤسسات مع انطلاق موسم التشجير، كيف يمكن أن ننتقل من مجرد غرس الأشجار إلى بناء سلوك بيئي دائم يحافظ على الغطاء النباتي؟
رسالتي إلى المواطنين والجمعيات والمؤسسات هي أن موسم التشجير يجب ألا يكون مناسبة لغرس الأشجار فحسب، وإنما محطة لترسيخ التزام جماعي طويل الأمد تجاه الطبيعة .
فغرس الشجرة هو البداية، أما التحدي الحقيقي فيكمن في حمايتها ومتابعتها وضمان بقائها.
ولذلك، فإن نجاح عمليات التشجير لا يقاس بعدد الشتلات المغروسة فقط، وإنما بنسبة ما يتم الحفاظ عليه وتنميته على المدى الطويل، ومن هذا المنطلق، ندعو إلى جعل كل عملية تشجير مناسبة للتوعية والتربية البيئية، وإشراك الأطفال والشباب والجمعيات والسكان المحليين في مختلف مراحلها، بما يعزز لديهم الإحساس بالمسؤولية والملكية الجماعية للمساحات الخضراء.
أما المعهد الوطني للتكوينات البيئية، فسيواصل أداء دوره في مرافقة هذه الجهود من خلال التكوين والتربية والتحسيس، والعمل على تحويل المبادرات الظرفية إلى سلوكيات بيئية مستدامة .. وأود أن أختتم برسالة بسيطة لا يكفي أن نغرس شجرة، بل علينا أن نغرس معها سلوكا يحميها، ووعيا يحافظ عليها، ومسؤولية تضمن بقاءها للأجيال القادمة.
حاورتها نزيهة سعودي


















مناقشة حول هذا المقال