تزخر الجزائر بطاقات شبابية اختارت أن تجعل من الابتكار والإبداع طريقًا نحو النجاح وصناعة الأثر، وفي ظل التحول المتسارع الذي يشهده عالم التكنولوجيا، أصبحت المؤسسات الناشئة فضاءً رحبًا لاحتضان هذه الطاقات وتحويل الأفكار الطموحة إلى مشاريع ذات قيمة مضافة.
ومن بين هذه التجارب المتميزة، يبرز مشروع “مشكاة”، أول مؤسسة ناشئة جزائرية متخصصة في مجال التكنولوجيا الدينية، وللتعرف أكثر على هذا المشروع، ومسيرته من الفكرة إلى التجسيد، أجرينا هذا الحوار مع الباحثة أماني العلمي، مؤسسة وصاحبة مشروع “مشكاة”.
بدايةً، حدثينا عن مؤسسة “مشكاة”.. كيف وُلدت فكرة إطلاق أول مؤسسة ناشئة جزائرية متخصصة في التكنولوجيا الدينية؟ وما الرؤية التي تسعون إلى تحقيقها، ومن هي الفئات المستهدفة بخدماتكم؟
مؤسسة «مشكاة» هي ثمرة فكرة نشأت من قناعة راسخة بأن العلوم الشرعية قادرة على مواكبة التحول الرقمي، وأن التكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة فاعلة لخدمة الدين والمعرفة، متى استُخدمت بوعي ومسؤولية.
ولدت فكرة «مشكاة» من محاولة الجمع بين مجالين أراهما في غاية الأهمية: العلوم الشرعية والتكنولوجيا. ومن هنا جاءت رؤيتنا لبناء مؤسسة جزائرية تسعى إلى تطوير حلول رقمية مبتكرة تخدم المجال الديني والعلمي، وتساهم في تقريب العلوم الشرعية من مختلف فئات المجتمع بأساليب عصرية تتناسب مع احتياجات الجيل الجديد.
نطمح إلى أن تصبح «مشكاة» منصة رائدة في مجال التكنولوجيا الدينية، وأن تقدم حلولا رقمية تجمع بين سهولة الاستخدام، والابتكار، والموثوقية العلمية، بما يفتح آفاقا جديدة أمام المؤسسات الدينية، والباحثين، وطلبة العلم، والأئمة، والأساتذة، وكل المهتمين بالعلوم الشرعية والمعرفة الدينية.
ما أبرز الحلول والأدوات التكنولوجية التي تقدمها مؤسسة “مشكاة” للفاعلين في مجال العلوم الشرعية؟ وكيف توازنون بين الاستفادة من التقنيات الحديثة وتوظيفها في تطوير أدائهم، مع الحفاظ على الدقة العلمية والمرجعية الشرعية في الخدمات والمحتوى المقــــــــــدم؟
أعتقد أن التكنولوجيا لم تعد خيارا ثانويا، بل أصبحت جزءا أساسيا من واقع الإنسان المعاصر، ولذلك فإن توظيفها في خدمة الدعوة والعلوم الشرعية أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر.
اليوم، أصبح الوصول إلى المعلومة أسرع من أي وقت مضى، وأصبح الشباب يقضي جزءاً كبيراً من وقته في الفضاء الرقمي، ومن هنا تأتي أهمية تطوير خطاب ديني رقمي قادر على الوصول إلى هذه الفئات بلغتها وأدواتها، دون التفريط في الثوابت أو الدقة العلمية.
التكنولوجيا يمكن أن تساهم في تسهيل الوصول إلى المصادر العلمية، وتنظيم المحتوى الشرعي، وتطوير التعليم عن بُعد، وإنشاء بيئات تفاعلية للتعلم، إضافة إلى توسيع نطاق الاستفادة من جهود العلماء والباحثين والمؤسسات الدينية.
لكنني أؤمن أن التجديد الحقيقي لا يعني تغيير جوهر الرسالة، وإنما تطوير الوسائل التي نصل بها إلى الناس. فالمحتوى الشرعي يبقى قائما على العلم والمرجعية، بينما تأتي التكنولوجيا لتمنحه أدوات جديدة للانتشار والوصول والتفاعل.
في ظل التطور الرقمي المتسارع، كيف ترون دور التكنولوجيا في تجديد أساليب العمل الدعوي وتيسير نشر العلوم الشرعية بما يواكب احتياجات العصر؟
تعمل «مشكاة» على تطوير حلول رقمية تستجيب للاحتياجات المتجددة في مجال العلوم الشرعية، من خلال توظيف التكنولوجيا في التعليم، وإدارة المحتوى، وتسهيل الوصول إلى المعرفة، وتطوير أدوات تساعد الفاعلين في المجال الديني والعلمي على أداء أدوارهم بصورة أكثر تنظيماً وفاعلية.
ومن بين المجالات التي نركز عليها تطوير المنصات والحلول التعليمية الرقمية، وتنظيم المحتوى الشرعي، وتوفير بيئات تفاعلية للتعلم والتكوين، إلى جانب الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، بما يخدم البحث والوصول إلى المعلومات، مع التأكيد على أن التكنولوجيا لا تحل محل العالم أو الباحث المتخصص، وإنما تبقى أداة مساعدة بين يديه.
أما الدقة العلمية والمرجعية الشرعية، فهي بالنسبة لنا ليستا تفصيلاً ثانوياً، بل أساساً تقوم عليه المؤسسة. لذلك نؤمن بأهمية مراجعة المحتوى والتحقق من مصادره، والتمييز بين المعلومة الموثوقة وغير الموثوقة، مع احترام المرجعيات العلمية المعتمدة.
نحن لا نريد أن نصنع تكنولوجيا للدين فحسب، بل نريد أن نصنع تكنولوجيا تحترم خصوصية المجال الديني، وتدرك حساسية المعلومة الشرعية، وتوظف الابتكار لخدمة العلم لا لاستبداله.
بصفتكم باحثة ومؤسسة لهذا المشروع، ما الذي ألهمكم لخوض تجربة ريادة الأعمال في مجال يجمع بين التكنولوجيا والعلــــــــــوم
الشرعية؟ وما أبرز التحديات التي واجهتكم في هذه الرحلة؟
ما ألهمني لخوض هذه التجربة هو إيماني بأن تخصصي في العلوم الإسلامية يمكن أن يكون منطلقاً للابتكار، وليس عائقاً أمامه.
كنت دائماً أؤمن بأن الباحث في العلوم الشرعية يستطيع أن ينفتح على مجالات التكنولوجيا وريادة الأعمال، وأن يقدم حلولاً جديدة تنطلق من فهم حقيقي لاحتياجات المجتمع.
وقد وجدت في ريادة الأعمال مساحة لتحويل الفكرة إلى مشروع، وتحويل المعرفة إلى أثر ملموس. ومن هنا جاءت «مشكاة» كمحاولة لبناء جسر بين الأصالة والتكنولوجيا، وبين العلوم الشرعية ومتطلبات العصر.
أما التحديات، فكانت كثيرة، وأبرزها أن العمل في مجال يجمع بين التكنولوجيا والعلوم الشرعية يتطلب الجمع بين فهم المجالين، وهو أمر ليس سهلاً. كما أن بناء مشروع ناشئ من الصفر يحتاج إلى الصبر، والتعلم المستمر، والقدرة على مواجهة التحديات التقنية والإدارية والمالية، إضافة إلى ضرورة إثبات أن المشاريع التي تنطلق من العلوم الإنسانية والشرعية يمكن أن تكون أيضاً مشاريع مبتكرة وقابلة للتطور.
لكنني تعلمت خلال هذه الرحلة أن الفكرة القوية تحتاج إلى إصرار، وأن التحديات لا ينبغي أن تكون سبباً للتراجع، بل فرصة للتعلم وإعادة البناء والتطوير.
تمثلون نموذجًا شبابيا ناجحًا في ريادة الأعمال والابتكار، فما الرسالة التي تودون توجيهها للشباب الجزائري الذي يطمح إلى إطلاق مشاريع ناشئة ذات أثر مجتمعـــــي؟
رسالتي إلى الشباب الجزائري هي: لا تنتظروا أن تكونوا جاهزين تماماً حتى تبدأوا.
ابدأوا بالفكرة، ثم تعلموا، وطوّروا أنفسكم، واستمعوا إلى النقد، وأعيدوا المحاولة كلما واجهتم الفشل، لا تبحثوا فقط عن مشروع يحقق الربح، بل ابحثوا عن مشكلة حقيقية في مجتمعكم وحاولوا أن تقدموا لها حلاً مبتكراً.
الجزائر تزخر بالكفاءات والأفكار والطاقات الشابة، وما نحتاجه هو أن نؤمن بقدرتنا على تحويل هذه الطاقات إلى مشاريع ذات قيمة وأثر.
وأقول لكل شاب وشابة لديهم حلم: لا تسمحوا للخوف من البدايات أن يمنعكم من الوصول إلى النهايات التي تحلمون بها. قد تبدأون بإمكانات بسيطة، لكن الفكرة التي تحمل رسالة، والإرادة التي لا تستسلم، والعمل المستمر، قادرة على صناعة الفرق.
أنا أؤمن أن ريادة الأعمال الحقيقية ليست مجرد تأسيس مؤسسة، وإنما هي مسؤولية لصناعة أثر، وترك بصمة إيجابية في المجتمع، والمساهمة في بناء مستقبل أفضل للجزائر.
أجرت الحوار سهى مراس






















مناقشة حول هذا المقال