في إطار مواصلة الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز الوقاية الصحية وحماية الأطفال من الأمراض المعدية، لاسيما مرض شلل الأطفال، وبمناسبة التحضير لانطلاق المرحلة الثالثة من الحملة الوطنية للتلقيح ضد شلل الأطفال المزمع تنظيمها من 25 إلى 31 جانفي الجاري عبر مختلف ولايات الوطن، نظّمت، أمس، وزارة الصحة يومًا إعلاميًا لفائدة الصحافة الوطنية.
ويهدف هذا اللقاء إلى عرض الحصيلة التقييمية للمرحلتين الأولى والثانية من الحملة، إلى جانب إبراز الدور المحوري لوسائل الإعلام كشريك أساسي في التحسيس بأهمية التلقيح وترسيخ ثقافة الوقاية الصحية لدى المواطنين.
الدولة تضع نجاح البرنامج الموسع للتلقيح ضمن أولوياتها
وبالمناسبة، أكد الدكتور فورار جمال، المدير العام للوقاية وترقية الصحة بوزارة الصحة، أن الدولة الجزائرية تضع توفير كل الوسائل الضرورية في صميم أولوياتها لضمان نجاح البرنامج الموسع للتلقيح، وجعله في مصاف البرامج المعتمدة في الدول المتقدمة، من خلال تحسين التغطية الشاملة لمختلف اللقاحات المعتمدة.
وأوضح المتحدث، في كلمته خلال اليوم الإعلامي، أن الجزائر كانت من بين الدول الرائدة في مجال التلقيح، حيث قامت سنة 2003 بإدراج أحد اللقاحات الأساسية ضمن البرنامج الموسع للتلقيح، في خطوة تعكس التزامها المبكر بحماية صحة الأطفال وتعزيز الوقاية من الأمراض المعدية.
وفي السياق ذاته، واعتبر الدكتور فورار هذا اللقاء محطة هامة لإعطاء إشارة انطلاق الحملة الوطنية الثالثة للتلقيح ضد شلل الأطفال، والمقررة ابتداءً من 25 جانفي 2026، مشددًا على أن هذه المبادرة التحسيسية موجهة خصيصًا لكافة مكونات الصحافة الوطنية، لما لها من دور فاعل في إنجاح الحملات الصحية.
كما قدم الدكتور بعض المعطيات التقنية والمعلومات الضرورية المتعلقة بسير العملية وكيفية تنفيذها ميدانيًا عبر مختلف ولايات الوطن، قصد إيصال رسالة دقيقة وموثوقة للمواطن حول أهمية تلقيح الأطفال، خاصة في هذه الفترة التي تعرف بعض المخاطر الصحية.
وجدّد الدكتور فورار جمال شكره لوسائل الإعلام، معربًا عن ثقته في مساهمتها الفعالة في بلوغ الهدف المسطر، والمتمثل في نجاح الحملة الوطنية ضد شلل الأطفال وتعزيز نجاح البرنامج الموسع للتلقيح بصفة عامة.
تغطية تفوق 95 بالمائة وتلقيح أكثر من 3.8 ملايين طفل
من جانبه، أكد رئيس اللجنة الوطنية لاستئصال مرض شلل الأطفال، الدكتور أحمد ناصر مصمودي، أن قرابة أربعة ملايين طفل استفادوا من التلقيح خلال المرحلتين الأولى والثانية باستعمال اللقاح الفموي.
وأوضح أن المرحلة الثالثة ستُجرى عبر اللقاح المحقون، مبرزًا أن الفيروس الموجود في اللقاح الفموي يمر عبر اللوزتين ويحفّز إفراز خلايا وأجسام مضادة تمنع وصول فيروس شلل الأطفال إلى الجهاز العصبي.
وأشار المتحدث إلى أن هذا الفيروس قد يؤدي، في حال الإصابة، إلى شلل الجهاز العصبي، وقد يتسبب في الوفاة أو إحداث شلل في العضلات العلوية والسفلية، مضيفاً أن المرحلة الثالثة تعتمد على اللقاح المحقون غير الحي، الذي يساهم في تدعيم وتعزيز المناعة ضد شلل الأطفال، بما يسمح بتحقيق مناعة متكاملة وفعالة ضد هذا المرض.
ومن جهتها، أكدت الدكتورة ساعي نسيمة، المختصة في علم الأوبئة والطب الوقائي بالمركز الاستشفائي الجامعي حسين داي، والمكلفة بمتابعة البرنامج الوطني للقضاء على شلل الأطفال، أن اليوم التقييمي المنظم مع الإعلاميين يهدف إلى عرض حصيلة المرحلتين الأولى والثانية من الحملة الوطنية للتلقيح باستعمال اللقاح الفموي ضد شلل الأطفال من النوع الثاني.
وأوضحت المتحدثة أن المرحلة الأولى سجلت نسبة تغطية بلغت 95 بالمائة، بينما بلغت في المرحلة الثانية 96 بالمائة، مشيرة إلى أن عدد الأطفال الذين تم تلقيحهم فاق 3.8 ملايين طفل خلال فترة قصيرة تراوحت بين أسبوع وعشرة أيام، وهو ما وصفته بالإنجاز الصحي الهام.
وأضافت أن العملية لا تقتصر على التلقيح الفموي فقط، بل تتبعها مرحلة تكميلية باستعمال اللقاح القابل للحقن، وهو لقاح غير حي، يتميز بآثار جانبية نادرة وبسيطة، وموجّه للأطفال من عمر شهرين إلى خمس سنوات، بما في ذلك الأطفال الذين استفادوا من التلقيح خلال المراحل السابقة.
وأشارت إلى أن هذه المرحلة التكميلية ستجرى من 25 إلى 31 ديسمبر 2026، لافتة إلى وجود تفاوت نسبي في نسب التغطية بين الولايات، ما استدعى إجراء تقييمات دقيقة شملت المؤسسات العمومية للصحة الجوارية، إلى جانب تحقيقات ميدانية موازية للتأكد من تطابق المعطيات الإدارية مع الواقع الفعلي.
التلقيح السلاح الوحيد للقضاء النهائي على شلل الأطفال
وبدورها، أكدت رئيسة قسم طب الوقاية والتحاليل بمعهد باستور الجزائر، الدكتورة فازية محيوت، أن شلل الأطفال يُعد من الأمراض الفيروسية شديدة العدوى، ويصيب أساسًا الأطفال دون سن الخامسة، مشيرة إلى أن خطورته تكمن في انتشاره الصامت حتى في غياب أعراض واضحة.
وأوضحت أن المرض ينتقل أساسًا عبر الطريق الفموي، سواء من خلال المياه أو الأغذية الملوثة أو الاتصال المباشر بشخص مصاب، مؤكدة أن نسبة من الحالات قد تؤدي إلى شلل رخو حاد غير قابل للعلاج، وقد تفضي في بعض الأحيان إلى الوفاة.
وشددت المتحدثة على أنه لا يوجد أي علاج شافٍ لشلل الأطفال، مؤكدة أن التلقيح يظل الوسيلة الوقائية الوحيدة والفعالة لمكافحة هذا المرض ومنع مضاعفاته، لاسيما في ظل استمرار تداول الفيروس في بعض مناطق العالم، ما يجعل خطر إعادة إدخاله قائمًا.
وأكدت أن المرحلة الجديدة من التلقيح تهدف إلى تثبيت المكاسب المحققة خلال الدورتين السابقتين، من خلال إدراج اللقاح المعطل القابل للحقن، الذي يعزز المناعة الفردية ويضمن حماية دائمة وشاملة، مشيرة إلى أن “كل جرعة تلقيح تُحدث فرقًا، وكل طفل محمي هو خطوة نحو القضاء النهائي على شلل الأطفال”.
وختمت بالتأكيد على أن تلقيح الأطفال لا يحميهم فقط، بل يحمي الأسرة والمجتمع ككل، ويساهم في الحفاظ على مكتسبات الصحة العمومية وضمان أجيال سليمة في المستقبل.

























مناقشة حول هذا المقال