أكد مصطفى حيداوي خلال كلمته في ملتقى إفريقيا للاستثمار والتجارة أن الجزائر تعيش حركية اقتصادية متسارعة وغير مسبوقة، مدفوعة بالاستقرار السياسي والإصلاحات الاقتصادية التي جعلت منها وجهة متزايدة للاستثمارات والفعاليات الاقتصادية الإفريقية والدولية.
تعزيز مكانة البلاد كمحور اقتصادي إفريقي
وأشار الوزير ، إلى أن القيادة السياسية في الجزائر تسعى إلى تعزيز مكانة البلاد كمحور اقتصادي إفريقي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وإمكاناتها البشرية، بما يسمح بدفع التنمية الاقتصادية في القارة الإفريقية وتعزيز التعاون بين دولها.
كما شدد على أهمية الشباب الإفريقي باعتباره رأس المال الحقيقي للقارة، مؤكدا أن الجزائر انخرطت بقوة في المبادرات الإفريقية الرامية إلى تمكين الشباب، خاصة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والمقاولاتية، عبر توفير منظومات بيئية داعمة للمؤسسات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وفي حديثه عن الأوضاع الدولية، اعتبر حيداوي أن العالم يشهد تحولات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة تفرض على الدول الإفريقية ضرورة التكتل والتضامن الاقتصادي، من أجل بناء قارة أكثر مناعة وقدرة على مواجهة التحديات العالمية.
وأضاف أن الجزائر وفّرت مناخا استثماريا واعدا من خلال إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وإطلاق عدة آليات لدعم الاستثمار، إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي الإفريقي لتحقيق قيمة مضافة مشتركة.
إشراك الشباب بشكل أكبر في الحراك الاقتصادي الإفريقي
ودعا في ختام كلمته إلى تعزيز التشبيك والتعاون بين الفاعلين الاقتصاديين الأفارقة، والعمل على إشراك الشباب بشكل أكبر في الحراك الاقتصادي الإفريقي، بما يضمن لقارة إفريقيا مزيدا من الاستقرار والازدهار والتنمية المستدامة.
إفريقيا أمام نقطة تحول في ظل إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي
من جهته، أكد الدكتور بينيديكت أوراما، في مداخلة مسجلة خلال فعاليات ملتقى AFIC12، أن إفريقيا تقف اليوم أمام نقطة تحول تاريخية في ظل إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، مشددا على أن القارة باتت تمتلك لأول مرة منذ الاستقلال البنية المؤسساتية الكفيلة بضمان اندماجها الفعلي في الاقتصاد العالمي الجديد.
مشيدا بالدور المتنامي للجزائر في دعم التجارة البينية الإفريقية، مبرزًا أن صادراتها نحو القارة بلغت قرابة 3 مليارات دولار، مع تعزيز علاقاتها التجارية مع عدة دول إفريقية، على غرار تونس، جنوب إفريقيا، كوت ديفوار، نيجيريا والسنغال.
الجزائر تتجه نحو إفريقيا كما تتجه إفريقيا نحو الجزائر
مؤكدًا أن الجزائر تتجه نحو إفريقيا كما تتجه إفريقيا نحو الجزائر ، ويعود ذلك للنجاح الذي حققته الجزائر في احتضان المعرض الإفريقي للتجارة البينية سنة 2025، والذي سجل مشاركة قياسية من حيث عدد العارضين والاستثمارات.
وأوضح المتحدث أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تضم 54 دولة وأكثر من 1.4 مليار نسمة، تمثل أحد أهم محركات التحول الاقتصادي بالقارة، خاصة بعد تجاوز حجم التجارة البينية الإفريقية 220 مليار دولار خلال سنة 2024، بنمو بلغ 12.4 بالمائة، مع توقعات ببلوغ إمكاناتها أكثر من 500 مليار دولار بحلول 2035.
وفي السياق ذاته، أبرز أوراما أهمية تعزيز المؤسسات المالية الإفريقية، مشيرا إلى أن تحالف المؤسسات المالية الإفريقية متعددة الأطراف يضم 12 بنكًا تنمويًا بأصول تناهز 100 مليار دولار، فيما سجل أفريكسيم بنك أصولا وضمانات تجاوزت 50 مليار دولار بنهاية 2025، مع اعتمادات تمويلية بلغت 30 مليار دولار، في خطوة تعكس حسبه قدرة إفريقيا على تمويل تنميتها بنفسها وتقليص فجوة تمويل التجارة المقدرة بـ100 مليار دولار سنويًا.
كما سلط الضوء على التحول المالي الذي تشهده القارة من خلال نظام الدفع والتسوية الإفريقيPAPSS الذي يتيح إجراء المعاملات التجارية بين الدول الإفريقية بالعملات المحلية دون الحاجة إلى العملات الأجنبية الوسيطة، كاشفًا أن حجم المعاملات عبر هذا النظام عرف نموًا تجاوز 1000 بالمائة بين ماي 2024 وماي 2025.
تسريع الإصلاحات الاقتصادية
وفي ختام مداخلته، دعا أوراما الحكومات الإفريقية إلى تسريع الإصلاحات الاقتصادية وتفعيل التزامات منطقة التجارة الحرة القارية، كما حث القطاع الخاص على بناء شراكات استراتيجية مع المؤسسات المالية الإفريقية، مؤكدًا أن الجزائر تمثل نموذجًا إفريقيًا في الصمود الاقتصادي، والحكامة الرشيدة، وتطوير البنى التحتية القارية.
في الشأن ذاته أكدت الدكتورة فرانسيسكا تاتشوب بيلوب محافظة الاتحاد الافريقي، على أهمية هذا الموعد الاقتصادي في تعزيز التكامل الإفريقي ودعم الشراكات الاستثمارية والتجارية بين دول القارة، مشيدة بالدور الذي تضطلع به الجزائر في احتضان المبادرات الاقتصادية القارية.
وأعربت المتحدثة عن اعتزازها بالمشاركة في المنتدى بصفتها ممثلة للاتحاد الإفريقي، معتبرة أن المنتدى يشكل منصة حيوية لتعزيز التعاون القاري وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتنمية المستدامة في إفريقيا.
منوهة بالدور الذي يقوم به المركز العربي الإفريقي للاستثمار والتطوير في دعم التقارب الاقتصادي العربي الإفريقي، موجهة تحية خاصة لرئيس المركز أمين بوطالبي، نظير جهوده في تنظيم هذا الحدث الاقتصادي القاري، الذي يأتي – حسبها – في مرحلة تسعى فيها الدول الإفريقية إلى تسريع تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وتعزيز الابتكار، ودعم المؤسسات الناشئة، وتوسيع المبادلات التجارية البينية داخل القارة.
رهانات التحول الاقتصادي في القارة الإفريقية
عقب ذلك، شهدت مداخلات المشاركين على هامش ملتقى إفريقيا للاستثمار والتجارة AFIC12 نقاشا معمقا حول رهانات التحول الاقتصادي في القارة الإفريقية، في ظل التحديات المرتبطة بالسيادة الاقتصادية، والتحول الطاقوي، والابتكار التكنولوجي، وتمويل التنمية.
حيث أكد المتدخلون أن إفريقيا تمتلك مؤهلات استراتيجية تجعلها قطبًا عالميًا للنمو بفضل ثرواتها الطبيعية، وطاقتها البشرية الشابة، والديناميكية المتزايدة لريادة الأعمال.
في هذا السياق، استعرض ممثل تنزانيا رؤية بلاده التنموية لعام 2050، القائمة على اقتصاد تقوده الاستثمارات الخاصة، مع السعي لبلوغ اقتصاد بقيمة تريليون دولار، عبر تعزيز الشراكات الإفريقية، وتطوير المناطق الصناعية، وتشجيع الاستثمار في الفلاحة، والصناعة الدوائية، والتكنولوجيا.
كما أبرزت وزيرة التخطيط الغانية جهود بلادها في تحقيق التعافي الاقتصادي، من خلال إصلاح مناخ الأعمال، وتثمين الموارد المحلية، خاصة الكاكاو والذهب، وتطوير البنية التحتية عبر برنامج “Big Push” الهادف إلى تعزيز الربط بين الأقاليم ودعم التجارة الداخلية والخارجية.
أهمية الاستثمار في العنصر البشري
من جهة أخرى، ركزت مداخلات الخبراء على أهمية الاستثمار في العنصر البشري باعتباره التحول الصناعي الأثقل الذي ينبغي أن تقوده إفريقيا خلال العقود المقبلة، بالنظر إلى أن أكثر من 60 بالمائة من سكان القارة هم من فئة الشباب.
أين شددوا على ضرورة بناء نموذج اقتصادي إفريقي جديد قائم على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الحديثة، بدل استنساخ النماذج التقليدية، مع الدعوة إلى وضع حوكمة إفريقية مشتركة لتنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي وتحويله إلى رافعة للتنمية والابتكار.
وأكد الخبير الاقتصادي، هواري تيغرسي خلال مداخلته أن التحول الرقمي والاقتصاد الرقمي أصبحا عنصرين أساسيين لتطوير الاقتصاد الإفريقي وتعزيز التكامل بين دول القارة، مع التركيز على عدة محاور رئيسية.
كما شدد على ضرورة تأسيس منظومة رقمية حديثة تعتمد على التكنولوجيا المتطورة، بما يسمح بتحديث البنية الاقتصادية ومواكبة التحولات العالمية في هذا المجال.
انسيابية التبادل التجاري داخل القارة
أين أبرز أهمية الانتقال نحو التجارة الإلكترونية وتعزيز أنظمة الدفع الرقمي داخل إفريقيا، باعتبارها وسيلة لتسهيل التبادل التجاري بين الدول.
مشيرا إلى وجود مشاكل حقيقية في تسوية المدفوعات الرقمية بين الدول الإفريقية، وهو ما يعيق بشكل مباشر انسيابية التبادل التجاري داخل القارة.
كذلك تحدث عن الحاجة إلى تطوير مراكز البيانات (Data Centers) بهدف حماية البيانات والمعلومات الإفريقية وضمان سيادتها الرقمية.
تسريع وتيرة التحول الرقمي بشكل منسق وفعال
مؤكدا على أهمية التكامل بين القطاعات الوزارية المختلفة من أجل تسريع وتيرة التحول الرقمي بشكل منسق وفعال ، داعيا إلى استخدام تكنولوجيا متقدمة في جمع البيانات وتحليلها، باعتبارها أساساً لاتخاذ قرارات اقتصادية دقيقة.
كما أشار إلى أن الجزائر تقترب من استكمال منظومتها الرقمية في مختلف القطاعات، مما يعكس تقدماً في هذا المجال.
وفي السياق ذاته، تناول النقاش سبل ترقية مناخ الاستثمار في إفريقيا، وتوطين الصناعة، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول الإفريقية ضمن إطار التعاون “جنوب-جنوب”.
وختمت المداخلة بالتأكيد على أن الرقمنة، وأنظمة الدفع الإلكتروني، والبنية التحتية الرقمية تمثل مفاتيح أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز التكامل التجاري في إفريقيا.
وفي جلسة حول التمويل والاستثمار وإدارة المخاطر في القارة الأفريقية، تم التأكيد على أهمية تحقيق الاستقلالية الاقتصادية وتعزيز استغلال الموارد الطبيعية بما يخدم مصالح الدول الأفريقية، مع الإشارة إلى أن التمويل التجاري وإدارة المخاطر وبناء الشركات الاستراتيجية أصبحت من الركائز الأساسية لدعم الاستثمارات وتعزيز التجارة البينية داخل القارة، خاصة في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
تمكين الشباب من إنشاء مشاريع ناجحة ومستدامة
كما تناولت الجلسة دور البنوك وشركات التأمين في مرافقة المشاريع الاستثمارية، حيث تم التشديد على ضرورة الجمع بين التمويل والتكوين والتأطير، لتمكين الشباب من إنشاء مشاريع ناجحة ومستدامة. وتم كذلك التطرق إلى آليات تغطية وإدارة المخاطر، مع الدعوة إلى اعتماد حلول أكثر مرونة لتجاوز العراقيل المرتبطة بالضمانات المالية التي تعيق تمويل المشاريع، خاصة لفائدة الشباب ورواد الأعمال.
وعرفت الجلسة حضور عدد من المسؤولين البنكيين والدبلوماسيين وممثلي هيئات تشجيع الاستثمار، كما تم التأكيد على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص باعتبارها عاملًا أساسيًا لتحقيق التنمية الاقتصادية. واختُتمت الجلسة بالإشادة بالمجهودات التنظيمية للملتقى والتنويه بالاتفاقيات الاقتصادية المبرمة بين عدد من الدول الأفريقية في مجالات التحويل الصناعي والزراعي، بما يعكس توجّهًا نحو تعزيز التكامل الاقتصادي داخل القارة.
فرصة مهمة لتعزيز التجارة البينية بين الدول الأفريقية
في تصريح لـ«عالم الأهداف»، صرّح دكتور في العلاقات الدولية بجامعة الجزائر 3، عبد الحميد كرود أن ملتقى أفريقيا للاستثمار والتجارة يشكل فرصة مهمة لتعزيز التجارة البينية بين الدول الأفريقية، في إطار دعم التكامل الاقتصادي وخدمة أهداف أجندة الاتحاد الأفريقي 2063، خاصة ما يتعلق بتجسيد منطقة التبادل الأفريقي الحر.
وأكد أن الجزائر، بثقلها الاقتصادي والتاريخي والسياسي والدبلوماسي، تُعد فاعلًا أساسيًا في تعزيز التكامل التجاري والاستثماري والمالي داخل القارة، مستفيدة من عمقها الاستراتيجي الأفريقي وموقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل بين أفريقيا وأوروبا والعالم العربي والمتوسطي.
دور محوري للجزائر في دعم المبادلات الاقتصادية مع الدول الأفريقية
كما أوضح أن الجزائر تمتلك إمكانيات كبيرة خارج قطاع المحروقات، سواء من حيث القدرات التجارية أو المالية، ما يؤهلها للعب دور محوري في دعم المبادلات الاقتصادية مع الدول الأفريقية، عبر الاستيراد والتصدير وتطوير الصناعات التحويلية بما يخدم التنمية المشتركة داخل القارة.
كما شهد ملتقى إفريقيا للاستثمار والتجارة في طبعته الثانية عشرة توقيع عدد من اتفاقيات الشراكة بين مؤسسات جزائرية وإفريقية، في خطوة تعكس توجهًا عمليًا نحو تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري داخل القارة. وتأتي هذه الاتفاقيات لتعزيز مسار التكامل الإفريقي، وترجمة التوجهات المطروحة خلال الملتقى بشأن دعم الاستثمار، وتطوير المبادلات البينية، وتوسيع مجالات التعاون في مختلف القطاعات الاقتصادية، بما يخدم أهداف التنمية المشتركة في إفريقيا.
تقرير مراس سهى / شيماء منصور بوناب


























مناقشة حول هذا المقال