شهدت الفترة التي تلت اندلاع ثورة التحرير الوطني تحوّلًا عميقًا في وعي الجزائريين، خاصة في أوساط الطبقة العاملة، التي أدركت أهمية العمل السياسي والنقابي كوسيلتين أساسيتين لمواجهة الاستعمار الفرنسي.
وقد ساهم هذا الوعي المتنامي في دفع عجلة النضال الوطني وتعزيز مسيرته نحو الاستقلال.
وفي خضم هذه التحولات، برزت الحاجة إلى إطار نقابي وطني يجمع العمال ويوحد صفوفهم، فكان ميلاد الاتحاد العام للعمال الجزائريين حدثًا مفصليًا في تاريخ الحركة الوطنية، حيث جمع بين النضال النقابي والعمل الثوري في آن واحد.
لقد اندرج ميلاد الاتحاد العام للعمال الجزائريين في سياق النضال السياسي من أجل الاستقلال، حيث حُدّدت له منذ البداية معالم وأهداف واضحة، تمثلت في كونه نقابة للدفاع عن حقوق العمال، ومنظمة عمالية تقودهم نحو الانخراط في الكفاح المسلح.
وبذلك، أصبح الاتحاد أحد أعمدة قيادة ثورة الفاتح من نوفمبر 1954، وساهم بشكل فعّال في تحقيق أهدافها المتمثلة في الاستقلال والحرية.
وترجع فكرة إنشاء مركزية نقابية وطنية تمثل العمال الجزائريين، سواء داخل الوطن أو في المهجر، إلى السنوات الأولى التي أعقبت مجازر 08 ماي 1945، التي شكّلت منعطفًا حاسمًا في مسار النضال الوطني، حيث أدت إلى تغيير أساليب الكفاح نحو مزيد من التنظيم والتأطير.
وفي هذا الإطار، برزت البذور الأولى لتأسيس الاتحاد خلال المؤتمر التأسيسي لحركة انتصار الحريات الديمقراطية سنة 1947، حيث تم الاتفاق على إنشاء لجنة مكلفة بالشؤون النقابية والاجتماعية، انبثقت عنها خلايا وفروع داخلية عملت على تجنيد العمال وتنظيمهم داخل المصانع والورشات.
وقد أسفر هذا النشاط عن ظهور عدة تنظيمات نقابية، منها الاتحاد العام للنقابات الجزائرية في جوان 1954، ثم اتحاد النقابات العمالية الجزائرية بتاريخ 16 فيفري 1956، إلى أن تم تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين في 24 فيفري 1956، ليجسد بشكل واضح مسار حركة التحرير الوطني نحو الاستقلال.
وقد حدّد البيان التاريخي الصادر عن الأمانة التنفيذية للاتحاد أهدافه الأساسية، والمتمثلة في توجيه كفاح العمال الجزائريين داخل الوطن وخارجه لدعم حركة الاستقلال، والعمل على إشراك العمال الأوروبيين في هذا المسار,

الاتحاد العام للعمال الجزائريين روح جديدة للثورة المجيدة
ويُعد الاتحاد العام للعمال الجزائريين أول تنظيم نقابي مستقل نشأ خلال حرب التحرير، حيث جاء تأسيسه بتوجيه من جبهة التحرير الوطني، بهدف إعادة بعث روح جديدة في الثورة من خلال تحقيق تكتل شامل لجميع العمال الجزائريين.
وقد تم انتخاب عيسات إيدير كأول أمين عام للاتحاد، الذي سارع إلى الانضمام إلى الاتحاد الدولي للنقابات الحرة، مما مكّن الاتحاد من كسب دعم دولي واسع لنضاله ضد الاستعمار.
كما تميز الاتحاد بكونه منظمة مفتوحة لجميع العمال الجزائريين، بمختلف انتماءاتهم الإيديولوجية والثقافية والسياسية، وكذلك العرقية ، وهو ما شكّل مصدر قوة له، وساهم في تعزيز وحدة الصف العمالي خلال فترة الاستعمار الفرنسي.
وقد انعكس ذلك إيجابًا على مسار النضال النقابي والسياسي، حيث أصبح الاتحاد إطارًا جامعًا لتعبئة العمال وتوجيههم نحو دعم الثورة.
وقد تجسدت أهداف الاتحاد في جملة من المطالب الأساسية، تمحورت حول تدويل القضية النقابية الجزائرية، والعمل على تجنيد عمال العالم لدعمها، وتحقيق تكتل عمالي جزائري مستقل يعمل بالتنسيق مع الحركات السياسية لقيادة الشعب نحو التحرر.
كما سعى إلى تحسين ظروف العمل والمعيشة، وترقية الوعي النقابي والسياسي لدى العمال، وتعريفهم بحقوقهم الدولية، وتمكينهم من مواجهة استغلال أرباب العمل الأوروبيين. بالإضافة إلى ذلك، عمل الاتحاد على تحقيق وحدة العمال الجزائريين داخل الوطن وخارجه، والانضمام إلى المنظمة الدولية للعمل.
تدويل القضية الجزائرية وكسب التأييد الدولي
ومن خلال قراءة البيان التاريخي الصادر في 24 فيفري 1956، يتضح أن ميلاد الاتحاد كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمسار الاستقلال الوطني، حيث كان الهدف الأساسي منه هو تجنيد العمال للمشاركة في النضال الثوري، إلى جانب التعريف بالقضية الجزائرية على الصعيد الدولي.
وقد وضع الاتحاد نفسه منذ البداية في مواجهة مباشرة مع السلطات الاستعمارية الفرنسية، من خلال نشاطه النقابي والسياسي.
وقد لعب الاتحاد دورًا بارزًا في تحقيق التكتل العمالي وتعبئة العمال الجزائريين، سواء داخل البلاد أو في الخارج، ويتجلى هذا الدور بوضوح في مؤتمر الصومام المنعقد بتاريخ 20 أوت 1956، الذي أكد على ضرورة مساهمة الطبقة العاملة بشكل فعال في دعم الثورة وتعزيز قوتها.
كما برز دور العمال الجزائريين في المهجر، خاصة في فرنسا، حيث ساهموا في دعم الثورة ماليًا من خلال الاشتراكات التي كانوا يدفعونها لفروع جبهة التحرير الوطني، والتي بلغت مستويات هامة، مما ساهم في تمويل النشاط الثوري.
كما سعى الاتحاد إلى توسيع نشاطه على المستوى الإقليمي والدولي، من خلال المساهمة في إنشاء فيدرالية المغرب العربي للعمال، والمشاركة في المؤتمرات النقابية الإفريقية، وإقامة علاقات مباشرة مع المنظمات النقابية العالمية، وهو ما ساعد في تدويل القضية الجزائرية وكسب التأييد لها.
الاتحاد العام للعمال الجزائريين: مركزية نقابية رئيسية في الجزائر
تتركّز صلاحيات الاتحاد العام للعمال الجزائريين في الوقت الراهن على جملة من المهام الأساسية التي تعكس دوره كمركزية نقابية رئيسية في الجزائر، حيث يعمل على الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية للعمال من خلال تمثيلهم أمام الهيئات المختصة والسعي إلى تحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية.
كما يضطلع بدور محوري في تعزيز الحوار الاجتماعي عبر إجراء مفاوضات جماعية مع أرباب العمل والتشاور مع السلطات العمومية لمعالجة مختلف القضايا العمالية وضبط الأداء النقابي.
ويتدخل الاتحاد كذلك في معالجة النزاعات العمالية من خلال تشكيل لجان مختصة على المستوى الوطني والولائي، تقوم بدراسة الملفات والاستماع إلى مختلف الأطراف بهدف تسوية الخلافات في آجال محددة.
وفي سياق متصل، يساهم في مراقبة تطبيق تشريعات العمل من خلال رفع وعي النقابيين بضرورة احترام القوانين، مع التركيز على ضمان شروط الصحة والسلامة المهنية داخل أماكن العمل.
كما يولي أهمية خاصة لتكوين الإطارات النقابية وتأهيلها قانونيًا ومهنيًا، بما يعزز من فعالية العمل النقابي ويساهم في ترسيخ ثقافة الشراكة الاجتماعية وتحسين ظروف العمل.
وفي هذا الإطار، يحرص رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في كل مرة، على تسجيل اعتزازه بوفاء العمال والنقابيين الجزائريين لبلادهم ووقوفهم بشجاعة وشموخ دفاعا عن الدولة ومؤسساتها، مؤكدا أن ذكراهم ستبقى مصدرا للاستلهام من قيم الوطنية والشرف، على غرار الشهيد الرمز عيسات إيدير والنقابي المناضل عبد الحق بن حمودة ورفاقهم من شهداء ثورة التحرير المجيدة وشهداء الواجب الوطني.
هذا وتولي الدولة الجزائرية تحت قيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون شدد رئيس الجمهورية على أن “الجزائر المنتصرة تفاخر وتعول على بناتها وأبنائها العاملات والعمال، وهم يساهمون بنفس الالتزام والوفاء للوطن، في هذه المرحلة، ومن مختلف مواقعهم، في وضع ملامح نموذج اقتصادي عصري”.
ويأتي تصريح رئيس الجمهورية هذا في سياق وطني يتسم بمواصلة ترسيخ الطابع الاجتماعي للدولة، حيث تواصل الجزائر، تعزيز هذا الخيار، عبر جملة من القرارات ذات البعد الاجتماعي، الرامية إلى دعم القدرة الشرائية وتحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية.
بهذا التقرير نستحضر هذا المسار النضالي الحافل الذي جسّد وحدة العمل النقابي والسياسي في سبيل تحرير الجزائر، فقد أثبت الاتحاد منذ نشأته قدرته على تنظيم الطبقة العاملة وتوجيهها نحو دعم الثورة، كما ساهم في تعزيز الوعي الوطني وتدويل القضية الجزائرية. ويظل هذا التنظيم شاهدًا على الدور الكبير الذي لعبه العمال الجزائريون في مسيرة التحرر، وعلى أهمية التضامن والعمل الجماعي في تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى.
بوزيان بلقيس























مناقشة حول هذا المقال