أحيت الجزائر الذكرى الـ64 لعيد النصر، الموافق لـ19 مارس 1962، هذه الذكرى أين نستحضر فيها محطة هامة في مسار استرجاع السيادة الوطنية، بعد ثورة تحريرية خاضها الشعب الجزائري، وقدم فيها الشهداء تضحيات جسام. وتبقى هذه الذكرى رمزًا للبطولة والصمود، ودليلًا على انتصار إرادة شعب آمن بحقه في الحرية والاستقلال على الاستعمار الفرنسي الغاشم .
19 مارس 1962 تاريخا لوقف إطلاق النار مثل مرحلة انتقالية نحو استقلال الجزائر من الاستعمار و بناء الدولة و كرس انتصار الإرادة الشعبية و الاعتراف الفعلي بحق الشعب الجزائري في تقرير المصير .
و عن دلالات ورمزية هذه الذكرى يرى البروفيسور محفوظ عاشور استاذ التاريخ بجامعة البليدة 2 أن عيد النصر الموافق لـ 19 مارس 1962 يحمل دلالات كبرى في مسار تاريخ الجزائر. فالدلالة الأولى تتعلق بكونه يوم الانتصار، انتصار إرادة الشعب الجزائري وتضحياته من أجل الحرية والاستقلال. ويؤكد أنه لا بد من التذكير بأن الشعب الجزائري قاوم الاستعمار منذ سنة 1830 بشتى الوسائل والطرق، سواء من خلال المقاومة الشعبية المسلحة أو المقاومة السياسية، وصولًا إلى الثورة التحريرية التي دامت سبع سنوات ونصف. وقد بلغ عدد تضحيات الجزائر، من سنة 1830 إلى غاية 1962، أكثر من خمسة ملايين شهيد، فيما وصل عدد الشهداء خلال الثورة التحريرية وحدها إلى مليون ونصف مليون شهيد. وهذه الدلالة تؤكد أن هذا النصر هو ثمرة تضحيات جسيمة قدمها الشعب الجزائري.
أما الدلالة الثانية، فتتجسد في صمود الشعب الجزائري وإصراره على تحقيق الحرية والاستقلال، حيث يمثل هذا التاريخ كذلك رمزًا لفشل المخططات الاستعمارية، وفشل القوة الاستعمارية الفرنسية التي اضطرت مرغمة للجلوس إلى طاولة المفاوضات. ومن هذا المنطلق، يعد هذا اليوم رمزًا للبطولة والانتصار، كما يمثل في الوقت ذاته رمزًا لانكسار الاستعمار الفرنسي.
وفي هذا السياق، يبرز الأستاذ أن لهذا اليوم أبعادًا وطنية عميقة، إذ حاول الاستعمار الفرنسي خلال مختلف المفاوضات، خاصة في مفاوضات إيفيان، المناورة على جبهتين: الأولى ضرب وحدة الشعب الجزائري، والثانية فصل الصحراء عن باقي التراب الوطني. غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل أمام حنكة وقوة المفاوض الجزائري، ما منح هذا الحدث بعدًا وطنيًا شاملاً، وجعله نصرًا لكل الجزائريين من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، ومكونًا أساسيًا في الذاكرة الوطنية.
19 مارس انتصار للدبلوماسية الجزائرية و تتويج كفاح الشعب الجزائري
وفي جانب آخر، أكد البروفيسور أن الذاكرة الوطنية تحمل بدورها دلالات سياسية، تعكس قوة وحنكة الدبلوماسية الجزائرية التي كانت امتدادًا لدبلوماسية الثورة التحريرية، فقد استطاعت هذه الدبلوماسية أن تفشل مخططات الاستعمار، وأن تجبره على الرضوخ لمطالب الشعب الجزائري الذي كانت تمثله كل من جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني. كما يشير إلى أن اتفاقيات ايفيان تحمل بعدًا استراتيجيًا، حيث سعى الاستعمار من خلالها إلى ربح الوقت وتشتيت الشعب الجزائري ومحاولة تجزئة التراب الوطني، غير أن استراتيجية الوفد الجزائري كانت بالمرصاد لهذه المناورات. وقد حددت هذه الاتفاقيات، الموقعة في 18 مارس 1962، يوم 19 مارس كتاريخ لوقف إطلاق النار، وهو ما يعد نصرًا للدبلوماسية الجزائرية وتتويجًا لكفاح الشعب الجزائري.
الاعتراف بالسيادة الوطنية وحق الشعب في تقرير المصير
وحول اتفاقيات إيفيان، لم تكن انتقالًا من الكفاح المسلح إلى الكفاح السياسي بقدر ما كانت تتويجًا لتكامل المسارين، حيث سارا معًا طيلة الثورة التحريرية. فالقضية الجزائرية حسب محدثنا طُرحت في المحافل الدولية، خاصة في الأمم المتحدة منذ سنة 1955، وبقيت مطروحة إلى غاية تحقيق الاستقلال سنة 1962، وهذا يدل على أن الثورة خاضت حربين متوازيتين: حربًا عسكرية وأخرى دبلوماسية، انتهت بتتويج الثورة عبر اتفاقيات إيفيان التي أجبرت الاستعمار على الاعتراف بالسيادة الجزائرية.
الذاكرة الوطنية حصن التمسك بالقيم الوطنية للمواصلة في بناء الوطن
وفيما يتعلق بالذاكرة الوطنية ودور المؤسسات في الحفاظ عليها، يرى الأستاذ أن هذه الذاكرة تُجسد في البرامج التربوية والأنشطة الثقافية داخل المؤسسات التعليمية، التي تعمل على تكوين مواطن معتز بتاريخه ومرتبط بذاكرته الوطنية. كما أن إحياء المناسبات الوطنية يلعب دورًا كبيرًا في ترسيخ هذا الارتباط، من خلال تعريف الأجيال بأن الاستقلال لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تضحيات جسام وكفاح طويل. أما في المجال الإعلامي، فيؤكد الأستاذ أن وسائل الإعلام، بمختلف أنواعها، تسهم في تذكير المجتمع بهذه المحطات التاريخية، وبالتالي الحفاظ على الذاكرة الوطنية وتعزيز الوعي الجماعي.
وفي هذا الإطار، يشير الأستاذ إلى اهتمام السلطات العليا للبلاد بملف الذاكرة الوطنية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، حيث تحققت إنجازات مهمة في هذا المجال، من بينها إطلاق قناة الذاكرة، التي تسهم في ربط الشباب بتاريخهم وتعزيز وعيهم الوطني،” فقناة الذاكرة التي تشرفت انا شخصيا بالمساهمة في برنامج موجه للشباب وهو برنامج “اعرف تاريخك” الذي هو عبارة عن مسابقة بين شباب الجزائر حول تاريخ الجزائر في معرفة تاريخ الجزائر، والبرنامج هذا كان تحت عنوان اعرف تاريخك كما يدوم قرابة ساعة، 60 دقيقة او خمسون دقيقة. وبرامج اخرى التي كانت في قناة الذاكرة ولا زالت قناة الذاكرة اليوم وهي قناة ثامنة للتلفزيون الجزائري تؤدي دورا كبيرا في إحياء الذاكرة الوطنية وربط الشعب الجزائري بماضيه و توعية الشباب وكذلك إبلاغهم بكل ما يمكن ان يدعم الوحدة الوطنية والوحدة الترابية للشعب الجزائري “و بالتالي يبرز هذا الاهتمام إدراكًا عميقًا لأهمية الذاكرة في الحفاظ على تماسك الشعب الجزائري، خاصة في ظل التحديات الراهنة التي يشهدها العالم.
وفي هذا الجانب، يؤكد الأستاذ أن الذاكرة الوطنية تمثل حصنًا منيعًا في مواجهة محاولات تفكيك الشعوب والدول، إذ تساهم في الحفاظ على مقومات الأمة ووحدتها الترابية. كما أن لها دورًا أساسيًا في محاربة النسيان، لأن أخطر ما يمكن أن يواجه المجتمع هو فقدان الارتباط بتاريخه، الذي يمثل قدوة للأجيال ورمزًا للبطولة.
كما أكد البروفيسور أن الحفاظ على الذاكرة الوطنية ليس مسؤولية السلطات العمومية فقط، بل هو مسؤولية المجتمع بأكمله، بمختلف فئاته وشرائحه، من خلال استحضار المحطات التاريخية، واستخلاص العبر منها، وتربية النشء على حب الوطن، لأن حب الوطن من الإيمان.
يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال