من هو يونس قرار
يونس قرار مهندس دولة في الهندسة الإلكترونية، تحصل على شهادة الماجستير في الإعلام الآلي سنة 1990، تقلد عدة مناصب ومسؤوليات منها مسير لشركة جيكوس المتخصصة في توزيع الأنترنت، كما شغل منصب مستشار لوزير البريد وتكنولوجيا الإعلام في 2008، وفي سنة 2013 أوكلت له مهمة إعداد برنامج الجزائر الإلكترونية، واشتغل في جوان 2015 كمستشار بديوان وزارة البريد وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، وقد اختير كواحد من 50 شخصية وطنية أثرت على الاقتصاد الوطني خلال 50 سنة بعد الاستقلال.
تجربة ثرية ومسيرة طويلة في مجال تكنولوجيات الإعلام والاتصال، وأراء وطروحات ومقترحات في بعث وتطوير هذا القطاع الحيوي والواعد في بلادنا، ومساهمات علمية وعملية من أجل نشر ثقافة الرقمنة وتعميمها في مختلف ، ذلك هو الأستاذ يونس قرار الخبير في تكنولوجيات الإعلام والاتصال، حاولنا من خلال هذا الحوار الذي جمعنا به التطرق لعدة محاور تتعلق بهذا القطاع الحيوي، وماهي المعيقات التي تواجهه، وكيف ينبغي تعميمه في الإدارة والاقتصاد ومختلف الخدمات وغيرها من القطاعات والمؤسسات:
“لا يوجد برنامج واضح عن كيفية إنجاز مشروع الرقمنة وإنجاحه”
في بلادنا ما يزال إدخال الرقمنة في مختلف القطاعات يسير بوتيرة بطيئة، ماهي الأسباب في نظركم؟
صحيح هناك تأخر في استعمال الرقمنة في مختلف القطاعات، لأن هناك جهل بأهميته، حقيقة أن الخطاب الرسمي يؤكد على ضرورة الرقمنة، إلا أن الواقع عكس ذلك، حيث لا يوجد برنامج واضح عن كيفية انجاز هذا المشروع وإنجاحه، كما أن الأمر الذي يطرح نفسه، هو ضعف البنية التحتية كتدفق الانترنت، والخوف من بعض المخاطر كأمن المعلومات وصيانة الأجهزة، ومع هذه التأخيرات صارت الهوة أكثر اتساعا بين الوضع القائم وما يجب عليه أن يكون.
“عوض قطع الأنترنت أثناء الامتحانات علينا استعمال أجهزة التشويش والاستعانة بالخبراء”
تزامنا مع الامتحانات الرسمية ما يزال حجب الانترنت في تلك الأيام، يشكل مشكلا وخسائر بالنسبة للشركات والمؤسسات والأفراد، ماهو الحل في نظركم؟
للأسف هذه الظاهرة تتكرر كل سنة، وهذا ما يسبب قلقا كبيرا للمؤسسات والمواطنين وهو ما يعيق رقمنة القطاعات، فالجزائر البلد الوحيد الذي يشهد قطع الانترنت، فمن غير المعقول أننا لا نزال نطبع أوراق الامتحانات في الجزائر العاصمة لتنقل الى ولايات أخرى، رغم أن هناك شبكات التواصل تسمح بطبعها في مركز الاختبار نفسه، عوض هذا العناء والتعرض لمخاطر التسريب أثناء انتقالها من جهة لأخرى، وفيما يخص صياغة أسئلة الامتحانات يمكن الاستعانة بالأجهزة الذكية عوض الاقتراحات التي يقدمها المفتشون، وهنا يمكننا الحصول على مئات الاقتراحات بدل العشرات، فالاعتماد على الأجهزة الذكية يعدد الاحتمالات، وهنا يمكننا اعتماد عشرات الاختبارات في نفس القسم، وهذا ما يقلل من فرص الغش، ويمكن لمراكز الامتحانات استعمال أجهزة التشويش والاستعانة بالخبراء والمختصين في هذا المجال عوض اللجوء إلى قطع الأنترنت.
” هذه شروط إنجاح التعليم الرقمي الذي أصبح ضروري في هذه الجائحة”
ماهي الخطوات الواجب اتباعها لمواكبة التعليم الرقمي الذي أثبت ضرورته خاصة أثناء الأزمات؟
مع جائحة كورونا ظهر أن التعليم عن بعد صار أكثر من ضروري، لذا يجب أن نحضر أنفسنا للاستعانة به بشكل جدي، ففي بلدان أخرى منصات التعليم عن بعد موجود منذ سنوات كحل تكميلي إلى جانب التعليم الحضوري لتحسين مستوى التعليم، ولكن مع الجائحة صار التعليم عن بعد هو الأصل بسبب تعذر التعليم العادي، وعلينا التفكير في ايجاد حلول ذكية لتحقيق هذا الهدف سواء في التعليم المدرسي أو الجامعي أوالتكوين المهني، ولإنجاح هذا الأمر يجب توفير الشروط الأساسية منها توفير البنية التحتية من أجهزة كمبيوتر، وتوفير تدفق عالي لشبكة الانترنت، وتوفير خدمة جيدة للجميع فلا يمكن أن نقدم على تعميم المشروع ونحن في بعض المناطق نجد التدفق بطيء، ومن الشروط الأخرى توفير منصة إلكترونية سواء باقتنائها من طرف وزارة التربية من الخارج أو الاستعانة بالمؤسسات الناشئة لإيجاد الحلول، وتشكيل لجنة يوكل لها اختيار أحسن منصة لتكون في متناول التلاميذ والمعلمين والأولياء، ولابد من توفير أجهزة إضافية كالسبورة الذكية واللوحات الذكية المصممة للتعليم، وكذلك توفير المحتويات الإلكترونية، وهذا يعود إلى مساهمة المعلمين والأساتذة لرقمنة الدروس والمعلومات، ووضعها في محتوى إلكتروني تفاعلي وهنا يمكن الاستعانة بالفيديو كذلك، وهذا يحتاج لكفاءات فيما يخص هندسة الصوت والصورة وخلق ورشات للتعليم عن بعد، ولإنجاح هذا العمل يجب مرافقة الأساتذة من طرف التقنيين، ولأن هذا العمل سيكون إضافي يجب مكافئة الأساتذة ماديا لتشجيعهم وتقديم جوائز تحفيزية لأحسن من يطور محتوى سواء في الفيزياء أو الرياضيات، وعلى الجامعات والمعاهد المتخصصة تكوين إطارات وكفاءات قادرة على تطوير أدوات في هذا المجال نستعين بها في التكوين عن بعد وتطوير المحتويات.
الإدمان الإلكتروني أصبح حسب منظمة الصحة العالمية كثاني أخطر آفة بعد المخدرات، ماهي الأسباب التي أدت إلى استفحال الظاهرة خاصة لدى الشباب، وماهي الحلول التي تقترحونها؟
فيما يخص الإدمان الإلكتروني، فقد غزت الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية العقول لأنها مصممة بطريقة مغرية ليقضي مستعملها أطول وقت ممكن وهي تستهدف خاصة الشباب، ولأن من يتعود عليها يدخل في دائرة الإدمان، ويقع ضحية عدة أضرار صحية ونفسية، لا يمكننا إيقاف استعمال هذه الوسائل لأنها صارت ضرورية وأصبحت جزءا من حياتنا، ولكن يمكن استعمال برامج لضبط أوقات الاستخدام، ضمن برامج الرقابة الأبوية للأبناء، ليكون استعمال هذه الوسائل في إطار تواصلي وبناء، لا أن يكون وسيلة لهدم الأسر وتراجع القيم ونشر الرذيلة.
كيف يمكننا ترشيد الاستعمال الآمن للأنترنت؟
الهدف الأساسي من الأنترنت هو رفع التحديات وتحسين مستوى التعليم وغيرها، لكن الإفراط في استعمالها بصفة غير عقلانية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لذا فنشر ثقافة حسن استعمال الوسائل الإلكترونية لابد أن نعمل عليها، أولا في الأسرة يجب على الأولياء مرافقة أبنائهم، وتكوينهم على الاستعمال الآمن لهذه الوسائل، وعلى المدرسة أن تلعب دورها في تثقيف التلاميذ بالتنسيق مع جمعية أولياء التلاميذ وجمعيات الأحياء والجمعيات العلمية والمهنية، وكذلك علينا استغلال فضاء المساجد والمدارس القرآنية للتوعية، والإعلام له دور كبير في التوعية والتحسيس، إلى جانب هذا هناك وسائل تقنية كبرامج المرافقة الأبوية وهي موجودة مقابل اشتراك رمزي ومنها ماهو مجاني، وهي تحدد مدة استعمال الأنترنت وطبيعة البرامج المسموح بمشاهدتها، ويتم ذلك بنقاش شفاف مع الأبناء في جلسات عائلية، هذه التقنيات تعمل على ترشيد الاستعمال العقلاني للأنترنت وحجب بعض المواقع والصفحات التي تشكل خطرا على أبنائنا، ففي بعض البلدان متعاملو الهاتف النقال يمنحون برنامج للزبائن لضبط أوقات الاستعمال خاصة للأبناء.
تطرح نوعية خدمات الانترنت المقدمة في الجزائر عدة انتقادات، في رأيكم كيف يمكننا تحسين هذه الخدمات؟
حقيقة أن المشتركين يشتكون من رداءة خدمات الأنترنت منذ سنوات، ولكن في الأشهر القليلة الماضية بدأت الأمور تتحسن، فالأسباب كثيرة منها أن الأنترنت تمر بثلاثة مراحل لتصل إلى المشترك، أولا الارتباط بالشبكة الدولية، وكان هناك خط واحد يرتبط بها وهو ضعيف جدا، ولكن هذه السنة تحسنت وصار هناك ثلاثة خطوط، وكانت السرعة لا تتجاوز 1000 جيغابيت أما الآن تجاوزنا 2500 جيغابيت، والجانب الثاني فيما يخص الشبكة الوطنية فهناك بعض الولايات تشهد نوعية ضعيفة لأن الشبكة رديئة رغم أنها لا تبعد عن الألياف البصرية للشبكة الدولية، ولهذا يجب تحسين الشبكة الوطنية لتحسين الخدمة في كل الولايات، أما الجانب الثالث ما يسمى بالكيلومتر الأخير والذي يربط شبكة الاتصالات بالمواطن، وهنا للأسف الشبكة قديمة مبنية على الكوابل النحاسية وهذه الكوابل لا تمنح النوعية الجيدة على غرار الألياف البصرية التي تعطي ربط جيد وتدفق سريع للأنترنت، فهذا الكيلومتر الأخير هو سبب معاناة المواطنين من خدمة الأنترنت لذا لابد من تحسين المراحل الثلاثة، وهناك حلول تقنية لتمكين موزعي خدمات الأنترنت لتحسين التدفق كاستعمال خوادم محلية إضافية لبعض المواقع كاليوتيوب وقوقل، وتخزين المحتويات التي يكثر الطلب عليها، وهذا ما يسهل التحميل ويحسن الخدمة.
“أقترح أن يكون لشركة اتصالات الجزائر شركاء من القطاع الخاص أو الأجانب لتحسين خدماتها ورفع رقم أعمالها”
يطرح البعض تحرير قطاع الاتصالات كيف تنظرون لهذا الموضوع؟
كل القطاعات حتى تتحسن خدماتها يجب أن تكون فيها منافسة بين المؤسسات، فكل المنظمات الدولية تشجع التنافس للحصول على أحسن الخدمات، في الجزائر تم فتح المجال منذ سنة 2000 إلا أننا في الواقع لا نلمس هذه المنافسة لأن دائما اتصالات الجزائر تحتكر القطاع رغم أن القانون نظمه، لذا يمكن فتح المجال لمؤسسات أخرى لتكون منافسة حقيقية، وقد عشنا إطلاق متعامل في الاتصالات “لاكوم” ولكن في الواقع غياب المنافسة والاحتكار أدى الى إفلاس هذه المؤسسة، وأقترح أن يكون لشركة اتصالات الجزائر شركاء من القطاع الخاص أو الأجانب لتحسين خدماتها ورفع رقم أعمالها، فالشركات الكبرى كسوناطراك مثلا لديها شبكة وطنية للألياف البصرية يمكن استغلالها وكذالك فيما يخص خدمة الكيلومتر الأخير يمكن منحه للمؤسسات الخاصة، خاصة بالنسبة للأحياء التي بنيت حديثا وبهذا نحسن نوعية الخدمة ونخفف الضغط على اتصالات الجزائر.
تتعرض الجزائر لموجة من الجرائم السيبرانية كيف يمكننا التصدي للظاهرة؟
نعيش اليوم في عالم رقمي وخدمات إلكترونية، لذا فمن الطبيعي وجود شبكات تعمل على قرصنة هذه المعلومات واستعمالها لأغراض ابتزاز ومساومة، وهذا ما يدخل في إطار الجرائم السيبرانية، فنحن لا نعيش في مجتمع ملائكي، وفي العالم الافتراضي هناك مجرمون يحاولوا الوقوع بالمواطنين، لذا علينا التوعية وتعليم الاطفال بخطورة هذه الجرائم وإرشادهم لكيفية التعامل مع الصفحات المشبوهة والإمايلات وبعض الروابط، وهذه تربية أمنية علينا أن نعلمها لأبنائنا، لأن التحديات موجودة وعلينا التحسيس، ومن الجانب القانوني علينا تحيين القوانين، ومن الجانب التقني علينا إدراج البرامج والتطبيقات لحماية الأجهزة الذكية من الفيروسات والاختراقات سواء لدى الافراد أو الشركات والمؤسسات، لأن محاربة الظاهرة مسؤولية الجميع، وهناك شركات عالمية متخصصة في الحلول التقنية علينا اقتنائها من مختلف الدول لكي لا نقع ضحية مصالح دولة معينة، ولا يكون مصيرنا مرتبط بجهة معينة، والتعاون مع الكفاءات الجزائرية لنقل المعرفة لبلدنا وتكوين إطارات متخصصة في هذا المجال.
أثير مؤخرا جدل كبير عن برنامج بيغاسوس برنامج تجسس على هواتف المسؤولين، هل يمكنكم إفادتنا ببعض التفاصيل حول الموضوع؟
ظاهرة الجوسسة موجودة في العالم منذ سنين ضمن سعي كل دولة حماية مواطنيها ومؤسستها وأمنها من مخاطر الشبكات الإجرامية، ونحن في الجزائر وإبان الحرب التحريرية كان لنا جهاز خاص بالجوسسة لمعرفة العدو وتواجده .
والآن صارت وسائل التجسس أكثر تطورا منها الأجهزة الالكترونية للتصنت، ومن أشهر برامج التجسس نجد برنامج بيغاسوس التابع لمؤسسة صهيونية متمكنة في هذا المجال وتقوم ببيعه لبعض الحكومات، ففي ظاهره هو موجه لرصد الشبكات الإجرامية والإرهابية، ولكن في الواقع يعمل على التجسس على المواطنين والحكومات وهذا ما حدث مع المغرب والفضيحة الأخيرة، والتجسس على مسؤولين فرنسيين وجزائريين، وهذا ما يتنافى مع أخلاقيات حقوق الانسان واحترام الحياة الخاصة للمواطنين، في الجزائر تم التجسس على 6000 رقم هاتف، لذا يجب التحقق من الأمر ومن ثم متابعة المغرب قضائيا في المحاكم الدولية والمطالبة بتعويضات.
” الكثير من المؤسسات التي أثبتت كفاءتها هي مؤسسات ناشئة يديرها شباب”
بعد استحداث وزارة الاقتصاد الرقمي، في رأيكم كيف يمكن فتح المجال للشباب لولوج عالم المشاريع في تكنولوجيا الاعلام و الاتصال؟
حين نتحدث عن رقمنة القطاعات والمدن الذكية والذكاء الاصطناعي فهو عمل إبداعي يحسنه الجيل الجديد أي الشباب، ففي كثير من البلدان استحدثوا المؤسسات الناشئة للشباب لهم أفكار إبداعية للحلول الذكية، لذا علينا تشجيع الشباب لتحويل أفكارهم إلى مشاريع ومؤسسات ناجحة، فالكثير من المؤسسات التي أثبتت كفاءتها هي مؤسسات ناشئة، والفرق بين المؤسسات الصغيرة والمؤسسات الناشئة، أن الأخيرة نموها سريع جدا وهي تحتاج لدعم لأن وراءها شباب متخرج من فترة وجيزة يفتقد للإمكانيات المادية، ولذا علينا مرافقته قانونيا لحماية أفكاره ومشروعه ومساعدته من حيث دراسة السوق، و وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة هي مبادرة جيدة لتشجيع الشباب، ولكن هذا يحتاج لبرامج من الحكومة لحماية هؤلاء الشباب المبدعين لكي لا يكونوا ضحية بعض المستثمرين، وعلينا وضع اتفاقيات جاهزة مع الإدارات والمؤسسات لتجسيد المشاريع وتسويقها، داخل الوطن وخارجه وهذا ما يعود بالفائدة على البلاد والشباب.
أجرت الحوار زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال