لقد مثل حراك 22 فيفري أحد أبرز المحطات السياسية في تاريخ الجزائر المعاصر، لما حمله من دلالات عميقة تجاوزت منطق الاحتجاج الظرفي إلى إعادة طرح سؤال العلاقة بين الدولة والمجتمع ضمن إطار وطني جامع.
فقد أفرز هذا الحدث قراءة جديدة لمسار التحول السياسي، قوامها السلمية والتشبث باستمرارية الدولة، في سياق إقليمي اتسم بالاضطراب وعدم الاستقرار.
حيث أعاد حراك 22 فيفري تشكيل النقاش السياسي في الجزائر ضمن مقاربة مغايرة لمسارات الاحتجاج التي عرفتها المنطقة خلال العقد الأخير، حيث برز كحالة خاصة جسّدت تفاعلا مجتمعيا واسعا دون القطيعة مع الدولة أو تفكيك مؤسساتها.
وفي خضم هذا السياق، برزت السلمية والتلاحم الوطني كعاملين حاسمين في توجيه المسار العام للحراك ومنع انزلاقه نحو منطق الصدام أو الفوضى. ومن هذا المنطلق، ومن خلال مقاربة تحليلية تستند إلى البعد التاريخي والاستراتيجي، يقدم الخبير السياسي أحمد ميزاب رؤية تفسر الحراك بوصفه آلية داخلية لتصحيح التوازنات، وتسلط الضوء على مركزية التلاحم الوطني كأحد مرتكزات حماية الدولة وضمان استقرارها في مواجهة التحديات المركبة.

كما يقدم فهما معمقا للحراك بوصفه لحظة تصحيح تاريخية أعادت تنشيط العلاقة بين الشرعية الشعبية والشرعية الدستورية، وكشفت عن مستوى متقدم من الوعي الجمعي القادر على إدارة التغيير ضمن حدود الاستقرار. وتندرج هذه القراءة ضمن رؤية أوسع تعتبر التلاحم بين الجيش والشعب امتدادا لبنية تاريخية تأسست مع الحركة الوطنية، وتواصل دورها اليوم كرافعة أساسية لصون الدولة ومواجهة التحديات المركبة.
يرى الخبير السياسي أحمد ميزاب أن حراك 22 فيفري مثّل محطة تاريخية مفصلية في مسار الجمهورية الجزائرية، ليس بوصفه قطيعة مع الدولة أو مؤسساتها، بل باعتباره لحظة تصحيح توازني أعادت تنشيط الحيوية السياسية داخل الإطار الوطني. فقد شكّل الحراك، في تقديره، تعبيرا مجتمعيا واسعا أسهم في إعادة ضبط العلاقة بين الشرعية الشعبية والشرعية الدستورية، بما سمح بامتصاص ضغط سياسي متراكم داخل بنية الدولة نفسها، دون الانزلاق نحو سيناريوهات الفراغ أو التفكك التي عرفتها بيئات إقليمية أخرى خلال العقد الأخير.
ويؤكد أحمد ميزاب أن الحراك كشف عن مستوى متقدم من النضج السياسي الجمعي، حيث عبّر الشارع الجزائري عن مطالبه ضمن سقف وطني واضح يحافظ على استمرارية الدولة ومؤسساتها. هذا الوعي، بحسبه، منح المسار الانتقالي طابعا منظما نسبيا مقارنة بتجارب إقليمية اتسمت بحدة القطيعة والصدام، ما يجعل من حراك 22 فيفري محطة إنقاذ للجمهورية عبر آليات داخلية، أكثر منه لحظة انهيار أو مواجهة صفرية بين المجتمع والدولة.
وفي تحليله لدور السلمية، يرى الخبير السياسي أن هذا الخيار لم يكن مجرد سلوك أخلاقي عفوي، بل تحوّل إلى آلية ضبط مجتمعي ذات أثر استراتيجي عميق. فقد أظهرت الكتلة الشعبية قدرة لافتة على إدارة التعبئة في الشارع ضمن منطق الانضباط المدني، وهو ما حرم الفاعلين الساعين إلى دفع البلاد نحو الفوضى من أي ذريعة موضوعية يمكن توظيفها لتبرير الانزلاق الأمني. كما ساهم هذا السلوك السلمي في الحفاظ على وحدة المجال الداخلي، ومنح المؤسسات هامشا كافيا لمعالجة الضغوط السياسية ضمن الإطار الدستوري بدل منطق المواجهة المفتوحة.
ويضيف ميزاب أن هذا الوعي الجماعي ارتبط بإدراك عميق لطبيعة البيئة الإقليمية المحيطة، خاصة في ظل التحولات الحادة التي شهدتها المنطقة منذ سنة 2011. فقد أدرك الجزائريون، بحسبه، مخاطر الانزلاق نحو مسارات عدم الاستقرار، ما عزز تمسكهم بمرجعية الدولة الوطنية وبخيار السلمية، وهو ما أسهم في حماية صورة الجزائر كدولة قادرة على امتصاص الصدمات السياسية بأدوات داخلية عقلانية.
وفي سياق الذاكرة الوطنية، يعرّف أحمد ميزاب اليوم الوطني للتلاحم بين الجيش والشعب باعتباره امتدادا تاريخيا لبنية تشكّلت خلال مرحلة التحرير الوطني، حين تداخلت الوظيفة القتالية مع الحاضنة الشعبية في إطار المشروع الوطني. ويؤكد أن هذا التلاحم ليس شعارا ظرفيا، بل مكوّنا بنيويا في تشكل الدولة الجزائرية الحديثة، يعكس وعيا جمعيا بأن صلابة الجبهة الداخلية كانت ولا تزال أحد الأعمدة المركزية للأمن الوطني.
ويعتبر أن إقرار هذا اليوم يحمل وظيفة رمزية عميقة، تتمثل في استدعاء الذاكرة التأسيسية وتعزيز معادلة التكامل بين مؤسسات الدولة والمجتمع. فحماية الاستقرار، في نظره، ليست مسؤولية قطاع بعينه، بل مسؤولية جماعية متعددة المستويات، تتطلب انسجاما دائما بين الإرادة الشعبية والمؤسسات السيادية.
أما بخصوص الحفاظ على التلاحم الوطني في ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة، فيشدد الخبير على ضرورة الانتقال من منطق الاستدعاء الرمزي إلى منطق البناء الاستراتيجي المستدام. فطبيعة التهديدات المعاصرة لم تعد تقليدية أو أحادية المصدر، بل أصبحت هجينة ومتعددة الأبعاد، تمتد إلى المجالين الاجتماعي والإدراكي بقدر امتدادها إلى المجال الأمني الصلب.
وفي هذا الإطار، يبرز ميزاب أهمية تعميق الثقة المؤسسية عبر تحسين الأداء العمومي، وتعزيز الشفافية، وتوسيع قنوات الوساطة المجتمعية، معتبرا أن الثقة رصيد متحرك يتطلب تجديدا مستمرا. كما يشدد على تحصين الجبهة الاجتماعية، باعتبار أن الهشاشة الاقتصادية تشكل أحد أهم مداخل الاختراق غير المباشر، ما يفرض مواصلة الجهود الرامية إلى تقليص الفوارق وتحسين ديناميات التشغيل وحماية القدرة الشرائية.
ويولي الخبير أهمية خاصة للفضاء المعلوماتي، مؤكدا أن الحروب الحديثة تبدأ في المجال الإدراكي قبل أي مجال آخر، وهو ما يستدعي تطوير مقاربة وطنية متكاملة لمواجهة التضليل وبناء وعي رقمي مجتمعي قادر على التمييز بين المعلومة والتشويه.
ويخلص أحمد ميزاب إلى أن صيانة التلاحم الوطني في المرحلة المقبلة تظل رهانا استراتيجيا يرتبط بقدرة الدولة والمجتمع معا على إدارة التوازن الدقيق بين متطلبات الاستقرار ومقتضيات التحديث، مؤكدا أن التجربة الجزائرية تمتلك رصيدا تاريخيا وسياسيا معتبرا يسمح بتعزيز هذا التلاحم بشكل تدريجي ومدروس، بما يحفظ الدولة ويحصّن مستقبلها.
إن مقاربة أحمد ميزاب لحراك 22 فيفري والتلاحم الوطني تضع التجربة الجزائرية في إطار تحليلي يتجاوز التفسير الظرفي إلى استشراف رهانات المستقبل.
حيث تخلص قراءة ميزاب للحراك الجزائري إلى أن التجربة الجزائرية كشفت عن قدرة المجتمع والدولة على إدارة التحولات السياسية بأدوات داخلية عقلانية، قوامها السلمية والوعي الجماعي والتشبث بالمرجعية الوطنية.
فالتلاحم بين الجيش والشعب لا يختزل في بعد رمزي أو احتفالي، بل يشكل رصيدا بنيويا يتعين صيانته عبر بناء الثقة المؤسسية، وتحسين الأداء العمومي، وتحصين الجبهة الاجتماعية والإدراكية. وفي ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، يبقى هذا التلاحم رهانا استراتيجيا يفرض الانتقال من منطق الاستدعاء التاريخي إلى منطق الفعل المستدام، بما يضمن التوازن بين متطلبات الاستقرار وآفاق التحديث، ويحفظ للدولة الجزائرية تماسكها وقدرتها على مواجهة تحديات المستقبل بثقة ووعي
فالحراك، وفق هذا التصور، لم يكن مجرد تعبير احتجاجي عابر، بل شكّل تمرينا مجتمعيا على إدارة التوازن بين المطالب الشعبية ومتطلبات الاستقرار، وأعاد التأكيد على مركزية الدولة الوطنية كإطار جامع لا غنى عنه.
غير أن صيانة هذا التلاحم تظل رهينة القدرة على تحويل الوعي الجماعي إلى سياسات عمومية ناجعة تعزز الثقة المؤسسية، وتحصّن الجبهة الاجتماعية، وتواكب التحولات في الفضاء المعلوماتي والإدراكي. وفي ظل بيئة دولية وإقليمية تتسم بتعقّد التهديدات وتداخلها، يبقى الرهان الأساسي أمام الجزائر هو ترسيخ منطق البناء الاستراتيجي المستدام، بما يضمن استمرارية الدولة ويؤسس لمرحلة انتقالية متوازنة تجمع بين الاستقرار والتحديث، وتمنح التلاحم الوطني بعده العملي والدائم.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال