ناقش أعضاء مجلس الأمة، برئاسة عزوز ناصري رئيس المجلس، اليوم الخميس، مشروع القانون المتضمن قانون المرور الجديد، عقب عرض قدّمه ممثل الحكومة حول مضمون النص وأهدافه، وذلك في إطار استكمال مساره التشريعي، حيث عرف النقاش إشادة عامة بمقاصده الرامية إلى تعزيز السلامة المرورية، مقابل تسجيل تحفظات تتعلق ببعض الأحكام، خاصة ما يخص منظومة العقوبات.
وفي هذا السياق، قدّمت لجنة التجهيز والتنمية المحلية تقريرها التمهيدي المتعلق بالمشروع، حيث تطرّق ممثل الحكومة السعيد سعيود، في رده على مداخلات أعضاء المجلس، إلى جملة من التوضيحات المرتبطة بفلسفة القانون وأبعاده الوقائية والردعية، مؤكداً أن مشروع قانون المرور أُعدّ بتكليف من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، وتمت دراسته على مستوى الحكومة قبل المصادقة عليه بالأغلبية من طرف نواب المجلس الشعبي الوطني.
وأوضح ممثل الحكومة أن الغاية الأساسية من هذا النص هي الحفاظ على حياة المواطن وأمنه وممتلكاته، لا سيما السائقين ومستعملي الطريق، مشددًا على أن مصطلح “إرهاب الطرقات” لا يستهدف السائق في حد ذاته، وإنما يعبّر عن خطورة السلوكيات المرورية المهددة للأرواح، مبرزا أن إعداد المشروع تم بمشاركة مختلف الفاعلين المعنيين بقطاع النقل، مع الاستماع إلى كافة الأطراف ذات الصلة.
وفيما يخص المخالفات والعقوبات، أكد ممثل الحكومة أن القانون لا يندرج ضمن قانون العقوبات أو قانون المالية، بل هو نص خاص بالمرور يعاقب المخطئ فقط، مبرزًا أن الهدف من العقوبات ليس الزجر في حد ذاته، وإنما الردع والوقاية من حوادث المرور، لأن أي غرامة أو عقوبة لا يمكن أن تعوض فقدان حياة إنسان.
ومن جهتها، ثمّنت لجنة التجهيز والتنمية المحلية ما تضمنه المشروع من تدابير وإجراءات تهدف إلى الحد من النزيف اليومي الذي تشهده الطرقات، غير أنها اعتبرت أن المقاربة الردعية، رغم أهميتها، تبقى غير كافية لوحدها لمعالجة الإشكالية المركبة لحركة المرور.
وأكدت أن السلامة المرورية مسؤولية جماعية تشمل منظومة متكاملة من الفاعلين، بدءًا بمدارس تعليم السياقة ومهنيي النقل، مرورًا بالبنية التحتية والرقابة، وصولًا إلى دور الأسرة والمدرسة والإعلام، وذلك انسجامًا مع التوجيهات السامية لرئيس الجمهورية الرامية إلى اعتماد مقاربة شمولية ومستدامة.
وسجلت اللجنة، في هذا الإطار، جملة من التحفظات، لا سيما ما تعلق بالعقوبات السالبة للحرية في حالات القتل الخطأ، والارتفاع الملحوظ في الغرامات، معتبرة أن معالجة هذه القضايا تستوجب توازنًا بين الردع والبعد الاجتماعي والإنساني.
وخلال النقاش، اعتبر النائب مراد لكحل أن قانون المرور الجديد يمثل تحولًا تشريعيًا عميقًا في مقاربة الدولة لمسألة السلامة المرورية، حيث انتقل من منطق المخالفات الإدارية المحدودة الأثر إلى منطق الوقاية والردع، أو ما وصفه بـ“الردع اللقاح”، الذي يحمّل المتسبب في الضرر المسؤولية القانونية الكاملة عن أفعاله، مؤكدا أن القانون يبعث برسالة واضحة مفادها أن السياقة ليست حقًا مطلقًا، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية.
وأشاد مراد لكحل بالتعبير الحضاري للسائقين وسلمية احتجاجهم، معربًا عن تفهمه لمخاوفهم المشروعة، خاصة ما تعلق بالعقوبات السالبة للحرية وعدم تناسب بعض العقوبات مع طبيعة المخالفات، داعيًا إلى منح القاضي الجنائي سلطة تقديرية أوسع في تطبيق النص.
وبدوره، اعتبر النائب عادل عناية أن مشروع قانون المرور خطوة إيجابية تعكس حرص الدولة على حماية الأرواح ومواكبة الحداثة في قطاع النقل، غير أنه شدد على ضرورة مراجعة بعض الأحكام لضمان فعاليتها وواقعيتها في التطبيق، داعيًا إلى إشراك أوسع للفاعلين الميدانيين، وتحسين البنية التحتية، وتجديد الحظيرة الوطنية، واعتماد مقاربة شاملة للسلامة المرورية.
وفي ختام، أكد المتدخلون أن إنجاح هذا القانون يبقى مرهونًا بمدى تحقيق التوازن بين الردع والعدالة الاجتماعية، وتعزيز الوعي المروري، وتكامل الأدوار بين مختلف الفاعلين، بما يخدم الهدف الأسمى المتمثل في حماية الأرواح والحفاظ على أمن مستعملي الطريق.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال