يأتي قرار رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، القاضي بالشروع في تصدير فوسفات منجم بلاد الحدبة بحلول مارس 2027 على أقصى تقدير، ليؤكد التوجه الاستراتيجي للجزائر نحو تعزيز مكانة قطاع المناجم كأحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني.
ويعكس هذا التوجه إرادة سياسية واضحة لتحويل الثروات الطبيعية إلى مصدر فعلي للثروة والقيمة المضافة، من خلال تطوير سلاسل الإنتاج وربط الاستخراج بعمليات التحويل والتصدير، بما ينسجم مع هدف تقليص الاعتماد على المحروقات وبناء اقتصاد متنوع ومستدام، كما يندرج هذا القرار ضمن رؤية أشمل تشمل تطوير البنية التحتية المنجمية، من موانئ وسكك حديدية ووحدات معالجة، بما يجعل من قطاع المناجم رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية في المرحلة المقبلة.
هذا ويعد مشروع استغلال وتصدير فوسفات منجم بلاد الحدبة أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها الجزائر في مسار إعادة هيكلة اقتصادها الوطني، من خلال تقليص الاعتماد على المحروقات والانتقال نحو اقتصاد أكثر تنوعا قائم على تثمين الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، حاورت يومية “عالم الأهداف” الخبير الاقتصادي هواري تيغيرسي، هذا الأخير قدم لنا الأبعاد الاقتصادية لهذا المشروع، باعتباره ليس مجرد نشاط منجمي، بل حلقة مركزية في بناء سلسلة صناعية متكاملة قادرة على إنتاج قيمة مضافة حقيقية وتعزيز مكانة الجزائر في الأسواق العالمية.
حيث يرى الخبير أن أهمية المشروع لا تكمن فقط في عملية استخراج الفوسفات، بل في كيفية تحويله إلى منتجات صناعية، وربطه بمنظومة نقل وتصدير فعالة، بما يجعل منه مشروعا اقتصاديا متكاملا وليس مجرد مصدر خام للثروة.

مشروع بلاد الحدبة ودوره في تنويع الاقتصاد الوطني
يوضح الخبير الاقتصادي هواري تيغيرسي أن مشروع الفوسفات لا يمكن النظر إليه باعتباره نشاطا منجميا معزولا، بل هو نقطة انطلاق نحو اقتصاد صناعي جديد. فتنويع الاقتصاد، حسب تعبيره، لا يتحقق بمجرد فتح المناجم أو استخراج المواد الأولية، وإنما يتحقق عندما يتم بناء سلسلة إنتاج كاملة تبدأ بالاستخراج وتنتهي بالتصدير الصناعي.
ويشير إلى أن القيمة الحقيقية للمشروع تظهر عندما يتم ربط استخراج الفوسفات بعمليات التحويل الصناعي، خاصة إنتاج الأسمدة، إلى جانب دمجه في شبكة لوجستية تشمل الموانئ والسكك الحديدية، هذا التكامل بين مختلف الحلقات يجعل من القطاع المنجمي رافعة اقتصادية حقيقية قادرة على خلق الثروة وتوسيع قاعدة الصادرات خارج المحروقات، حتى وإن كان ذلك لا يعني، حسبه، الاستغناء الكامل عن عائدات النفط والغاز، بل تقليص الاعتماد عليها تدريجيا.
القيمة المضافة بين الفوسفات الخام والمحول
في توضيحه للفارق بين تصدير الفوسفات الخام وتصدير المنتجات المصنعة، يؤكد الخبير أن الفارق اقتصادي واستراتيجي في آن واحد، فالفوسفات في حالته الخام يبقى مادة أولية ذات قيمة محدودة في السوق الدولية، بينما يتحول إلى منتج عالي القيمة عند معالجته وتحويله إلى أسمدة مثل اليوريا والأمونياك.
ويشرح أن القيمة المضافة لا تأتي من المادة نفسها، بل من عمليات التحويل الكيميائي التي تخضع لها، ومن القدرة على تسويق المنتج النهائي في الأسواق العالمية. فكلما ارتفعت درجة التصنيع، ارتفعت معها القيمة الاقتصادية للطن الواحد من الفوسفات، بما قد يؤدي إلى مضاعفة العائدات مقارنة بالتصدير الخام.
كما يشير إلى أن هذا التحول يساهم أيضا في تقليل تأثر الاقتصاد بتقلبات الأسعار العالمية للمواد الأولية، لأن المنتجات المصنعة غالبا ما تكون أكثر استقرارا من حيث الطلب، خاصة تلك المرتبطة بالأمن الغذائي العالمي.
التحديات الصناعية واللوجستية للمشروع
ورغم أهمية المشروع، يؤكد الخبير أن نجاحه يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية، أول هذه التحديات يتعلق بالجوانب الصناعية والتقنية، حيث يتطلب تحويل الفوسفات إلى أسمدة استخدام تكنولوجيات متقدمة، إضافة إلى استهلاك كبير للطاقة والغاز، وهو ما يستدعي توفير منظومة صناعية متكاملة قادرة على ضمان الاستمرارية.
كما يبرز تحديا آخر مرتبطا بالموارد المائية، نظرا لأن العمليات الصناعية في هذا المجال تحتاج إلى كميات معتبرة من المياه، وهو ما يفرض التفكير في حلول مستدامة لتأمين هذه الموارد.
أما على المستوى الخارجي، فيشير إلى وجود منافسة قوية في سوق الأسمدة العالمية من دول كبرى مثل المغرب وروسيا والصين، ما يجعل من الضروري أن تعتمد الجزائر على استراتيجية تنافسية تقوم على الجودة والتكلفة والالتزام بالعقود طويلة الأمد.
وفي الجانب اللوجستي، يشير الخبير إلى أن تأخر جاهزية الرصيف المنجمي بميناء عنابة يمثل عاملا حاسما، لأن عملية التصدير تعتمد بشكل مباشر على اكتمال البنية التحتية، بما في ذلك الموانئ وشبكات النقل.
خط السكة الحديدية ودوره في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية
يرى الخبير أن مشروع خط السكة الحديدية الرابط بين الشمال والجنوب يمثل أحد أهم المشاريع المرافقة، بل يعتبر شرطا أساسيا لنجاح الاستراتيجية المنجمية ككل. فهذا الخط لا يقتصر على نقل البضائع، بل يعيد ربط مناطق الإنتاج في الجنوب بمراكز التصدير في الشمال.
ويشرح أن هذا الربط سيساهم في خفض تكاليف النقل بشكل كبير، مما يجعل استغلال الموارد المنجمية أكثر جدوى اقتصادية.
كما أنه سيخلق ديناميكية تنموية جديدة على طول مساره، من خلال نشوء أنشطة اقتصادية وخدماتية ومناطق عمرانية مرتبطة بالبنية التحتية.
ويضيف أن التجارب الدولية في مجال التنمية المندمجة تشير إلى أن البنية التحتية للنقل تلعب دورا محوريا في تحفيز النمو الاقتصادي في المناطق الداخلية.
نحو نموذج اقتصادي جديد قائم على تثمين الموارد
في تقييمه العام، يعتبر الخبير أن الجزائر تتجه نحو نموذج اقتصادي جديد يعتمد على تثمين الموارد الطبيعية وربطها بالصناعة والطاقة والبنية التحتية. غير أن هذا التحول لا يزال في مرحلة التأسيس، ويتطلب تكاملا حقيقيا بين مختلف المشاريع الاقتصادية الكبرى.
ويؤكد أن الفرق الجوهري بين النموذج التقليدي والنموذج الجديد يكمن في الانتقال من تصدير المواد الخام إلى إنتاج قيمة مضافة محليا، من خلال التصنيع والتحويل.
استدامة المشروع في ظل تقلبات الأسواق العالمية
وفيما يتعلق باستدامة المشروع، يشدد الخبير على أن ضمان الاستمرارية لا يرتبط فقط بتوفر الموارد الطبيعية، بل بقدرة الاقتصاد على التكيف مع تقلبات الأسواق العالمية.
ويقترح في هذا الإطار عدة عناصر أساسية، من بينها تنويع المنتجات النهائية وعدم الاقتصار على الفوسفات، إلى جانب إبرام عقود طويلة الأجل مع شركاء دوليين لتأمين الطلب المستقر.
كما يؤكد على أهمية تقليص تكاليف الإنتاج من خلال تحسين البنية التحتية، خاصة النقل، إضافة إلى تطوير الكفاءات البشرية والعلمية في مجالات الكيمياء والصناعة التحويلية، باعتبارها عنصرا أساسيا في بناء قطاع تنافسي.
يخلص الخبير الاقتصادي هواري تيغيرسي إلى أن مشروع فوسفات بلاد الحدبة يمثل أكثر من مجرد استثمار منجمي، بل هو رهان استراتيجي لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني على أسس جديدة. غير أن تحقيق هذا التحول يظل مشروطا بمدى قدرة الجزائر على إنجاز التكامل بين الاستخراج والتحويل والنقل والتصدير، إلى جانب مواجهة التحديات الصناعية واللوجستية والاقتصادية المرتبطة به. وبين الطموح الكبير والرهانات الواقعية، يبقى هذا المشروع اختبارا حقيقيا لقدرة الاقتصاد الوطني على الانتقال من منطق الريع إلى منطق الإنتاج والتصنيع والقيمة المضافة المستدامة.
في ضوء المعطيات المطروحة، يتضح أن مشروع بلاد الحدبة لا يندرج فقط ضمن خانة المشاريع المنجمية التقليدية، بل يمثل ركيزة أساسية في مسار التحول الاقتصادي الذي تراهن عليه الجزائر خلال السنوات المقبلة. غير أن نجاح هذا الرهان يظل مرهونا بمدى قدرة الدولة على استكمال حلقات السلسلة الإنتاجية، من الاستخراج إلى التحويل فالتصدير، إلى جانب ضمان الجاهزية اللوجستية والبنية التحتية.
وبين الطموح والتحديات، يبقى هذا المشروع اختبارا حقيقيا لمدى الانتقال نحو اقتصاد متنوع ومستدام قائم على تثمين الموارد الوطنية.
أجرت الحوار بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال