تعد معركة الجرف الكبرى، التي دارت رحاها في منطقة الجرف بولاية تبسة خلال سبتمبر 1955، واحدة من أبرز المحطات العسكرية في تاريخ الثورة الجزائرية، لما جسدته من بسالة مقاتلي جيش التحرير الوطني وقدرتهم على مواجهة قوات الاحتلال الفرنسي رغم الفارق الكبير في العدد والعتاد.
وجاءت هذه المعركة في سياق الثورة التحريرية التي اندلعت في الفاتح من نوفمبر 1954، بعد أن توحدت إرادة الجزائريين على هدف مواجهة الاستعمار الفرنسي والعمل من أجل استرجاع السيادة الوطنية، عقب عقود من المقاومات الشعبية ونضالات الحركة الوطنية بمختلف توجهاتها.
ودارت معركة الجرف الكبرى في المنطقة التاريخية الأولى أوراس النمامشة، وتحديدا في سفوح الجبل الأبيض بمنطقة الجرف، خلال الفترة الممتدة من ليلة 22 إلى 29 سبتمبر 1955.
وجاء انعقاد اجتماع لقيادة الثورة في منطقة رأس الطرفة القريبة من الجرف في أعقاب هجمات الشمال القسنطيني، بهدف تنسيق الجهود وترتيب صفوف جيش التحرير، في ظل غياب قائد المنطقة مصطفى بن بولعيد الذي كان موجودا في تونس للعمل على تأمين السلاح.
وكان القائد شيحاني بشير في مقدمة قيادة المعركة، بمساعدة عباس لغرور المسؤول السياسي، وعجول عجول المسؤول العسكري، إلى جانب عدد من قادة الأفواج والمجاهدين، من بينهم الوردي قتال وعلي مسعي وعباد الزين ونصر بوعبيدة وغيرهم.
وسرعان ما وصلت أخبار الاجتماع إلى قوات الاحتلال الفرنسي، التي سارعت إلى حشد قواتها والتوجه نحو الجبل الأبيض، قبل أن تفرض حصارا على المنطقة من مختلف الجهات. وأمام هذا الوضع، وجد مقاتلو جيش التحرير أنفسهم أمام مواجهة مباشرة مع القوات الفرنسية، بما توفر لديهم من أسلحة وعتاد ومؤونة.
واعتمدت القوات الفرنسية خلال المعركة على القصف والقنص والرشاشات، إلى جانب المواجهات المباشرة في المراحل الأخيرة، كما استعانت بقوات من اللفيف الأجنبي ومرتزقة من جنسيات مختلفة. ولم تقتصر المواجهة على الجانب العسكري، إذ لجأت القوات الاستعمارية كذلك إلى وسائل الحرب النفسية والدعاية في محاولة لبث الخوف في صفوف السكان والمقاومين.
ومن أبرز الوقائع التي ارتبطت بالمعركة نجاة القائد شيحاني بشير ومجموعة من رفاقه بعد أن اكتشفت القوات الفرنسية مكان اختبائهم داخل أحد الكهوف، فقامت بسد منافذه وإشعال النار عند مداخله. وتمكن شيحاني ورفاقه، بعد أيام طويلة قضوها في ظروف قاسية ودون ماء أو غذاء، من العثور على منفذ صغير مكنهم من الخروج والنجاة.
وتبرز أهمية معركة الجرف كذلك بالنظر إلى حجم القوات التي حشدها الاحتلال الفرنسي، إذ تشير الروايات الواردة حول المعركة إلى مشاركة أكثر من 20 ألف عسكري مدعومين بوسائل عسكرية متطورة، من دبابات وطائرات ومدفعية، في محاولة للقضاء على المقاومة في منطقة أوراس النمامشة التي كانت من أهم مراكز الثورة في بداياتها.
وفي المقابل، لم يكن عدد مقاتلي جيش التحرير سوى بضع مئات وفق الروايات المتداولة، وكان أغلب تسليحهم تقليديا وقديما، وهو ما جعل المواجهة اختبارا صعبا لقدرتهم على الصمود أمام التفوق العسكري الفرنسي.
وأسفرت المعركة، بحسب الروايات التاريخية المتداولة، عن خسائر بشرية ومادية في صفوف القوات الفرنسية، شملت سقوط قتلى وجرحى وتدمير عدد من المعدات العسكرية، إلى جانب استيلاء مقاتلي جيش التحرير على كميات من الأسلحة والعتاد. كما استشهد عدد من مقاتلي جيش التحرير خلال المواجهات دفاعا عن هدف الثورة واستقلال الجزائر.
ولم تقتصر أهمية معركة الجرف على بعدها العسكري، بل امتدت إلى الجانب السياسي والدبلوماسي، إذ ساهمت في إبراز قدرة الثورة الجزائرية على مواجهة القوات الاستعمارية، وتعزيز جهود جبهة التحرير الوطني في إيصال القضية الجزائرية إلى الرأي العام الإقليمي والدولي، خاصة في ظل المساعي الرامية إلى طرح القضية الجزائرية على المستوى الأممي.
كما شكلت المعركة محطة مهمة في تعزيز الثقة بقدرة العمل المسلح على الاستمرار، وأصبحت واحدة من أبرز الشواهد على حجم التضحيات التي قدمها الجزائريون خلال الثورة التحريرية، وعلى الدور الذي لعبته منطقة الأوراس والنمامشة في احتضان الثورة خلال سنواتها الأولى.
وتبقى معركة الجرف الكبرى، التي توصف في عدد من الروايات بأنها من أكبر معارك الثورة التحريرية من حيث مدة المواجهة وحجم القوات المشاركة فيها، محطة بارزة في الذاكرة الوطنية الجزائرية، لما حملته من دلالات عسكرية وسياسية ورمزية، ولما جسدته من صمود وتضحيات في سبيل استرجاع السيادة الوطنية.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال