تحت شعار “ضرورة تبني تقنيات اقتصاد الماء في قطاع السكن”، احتضنت وكالة الحوض الهيدروغرافي الجزائر–الحضنة–الصومام، أمس الثلاثاء، يوما دراسيا وإعلاميا حول “اقتصاد المياه والتسيير المستدام في قطاع السكن والتعمير”، بمشاركة إطارات ومختصين في مجال الموارد المائية والبناء، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات الناشطة في المجال التكنولوجي، بهدف بحث سبل ترشيد استهلاك المياه وتطوير آليات تسييرها، في ظل التحديات المناخية وتزايد الطلب على هذا المورد الحيوي.
وشكل اللقاء فرصة لتسليط الضوء على أهمية إدماج البعد المائي في مختلف مراحل إنجاز المشاريع السكنية واستغلالها، من خلال اعتماد حلول تقنية حديثة من شأنها الحد من التبذير وتحسين كفاءة استخدام المياه، فضلا عن تعزيز التنسيق بين القطاعات المعنية وتبادل التجارب والخبرات بشأن الممارسات المستدامة في مجال البناء والتعمير.
إدماج البعد المائي في مشاريع السكن ضرورة مستدامة
وفي هذا السياق، أكد عقاد المهدي، مدير وكالة الحوض الهيدروغرافي الجزائر–الحضنة–الصومام، أن هذا اليوم التحسيسي يندرج ضمن البرنامج الوطني للوكالة الوطنية للتسيير المدمج للموارد المائية، الرامي إلى نشر الوعي بأهمية ترشيد الاستهلاك وضمان الاستغلال العقلاني للمياه في مختلف القطاعات.
وأوضح أن اختيار قطاع البناء والسكن موضوعا لهذا اللقاء يعود إلى ارتباطه المباشر باستهلاك المياه، سواء خلال مرحلة إنجاز المشاريع السكنية التي تتطلب كميات معتبرة من هذه المادة في مختلف الأشغال، أو خلال مرحلة استغلال السكنات واستقرار المواطنين بها، الأمر الذي يستدعي تبني ممارسات مستدامة تراعي ضرورة المحافظة على الموارد المائية.
وأشار المتحدث إلى أن اللقاء يهدف إلى تعزيز التعاون بين إطارات قطاع الموارد المائية ونظرائهم في قطاعي البناء والسكن، من خلال تبادل الآراء والخبرات حول التحديات المرتبطة بتوفير المياه وحسن استغلالها، لاسيما في ظل الضغوط الناجمة عن التغيرات المناخية والطبيعية وارتفاع الطلب عليها نتيجة تعدد الاستعمالات.
وأضاف أن اللقاء تضمن مداخلات علمية وتقنية لعرض حلول وابتكارات حديثة تساعد على الاقتصاد في استهلاك المياه، إلى جانب تقديم تجارب ميدانية يمكن الاستفادة منها وتوسيع تطبيقها في مشاريع البناء والسكن، بما يساهم في ترسيخ ثقافة الاستهلاك المسؤول ودعم الجهود الرامية إلى ضمان استدامة الموارد المائية.
حلول عملية وتكنولوجية للحد من الهدر
ومن جهته، شدد جمال لطرش، مدير الملك العمومي على مستوى المديرية العامة لتسيير الموارد المائية، على أن التحسيس بأهمية ترشيد استهلاك المياه يعد من المهام الأساسية في مواجهة التحديات التي يعرفها القطاع، خاصة مع تراجع التساقطات المطرية وانخفاض منسوب المياه الجوفية وجفاف العديد من مصادر المياه.
وأوضح في تصريحه لـ “عالم الأهداف” أن الجزائر تواجه ضغطا متزايدا على مواردها المائية، بفعل تراجع الكميات المتاحة وتعرضها للتلوث، بالتزامن مع ارتفاع الطلب عليها في قطاعات حيوية، على غرار الفلاحة والصناعة والسكن، وهو ما يفرض تكثيف الجهود الرامية إلى تحسين التسيير وضمان الاستغلال المستدام لهذا المورد.
وفي هذا الإطار، أبرز لطرش أهمية إدماج الاعتبارات المائية منذ المراحل الأولى لإعداد مشاريع التهيئة والتوسع العمراني، مع مراعاة طبيعة المواقع المختارة لإنجاز التجمعات السكنية والأقطاب الحضرية، وتفادي المناطق المعرضة للفيضانات، فضلا عن إعطاء الأولوية للمواقع التي تتوفر فيها الموارد المائية وتسمح بربط السكنات بشبكات التزويد بالمياه في ظروف ملائمة.
كما دعا إلى اعتماد حلول عملية، من بينها جمع مياه الأمطار وإعادة استعمالها، خاصة في سقي المساحات الخضراء والأغراض التي لا تستدعي استعمال المياه الصالحة للشرب، بما يخفف الضغط على الموارد التقليدية.
وشدد، في المقابل، على ضرورة تحسين أنظمة تصريف مياه الأمطار وتفادي ربطها العشوائي بشبكات الصرف الصحي، للحد من مخاطر الفيضانات التي تتزايد مع التقلبات الجوية.
ولفت المتحدث إلى أهمية الاقتصاد في المياه خلال أشغال البناء، من خلال استعمال المياه غير الصالحة للشرب، متى كانت ملائمة من الناحية التقنية، في الأشغال التي لا تتطلب جودة مياه مخصصة للاستهلاك البشري، مع تجنب توجيه المياه الصالحة للشرب نحو استخدامات يمكن الاستغناء فيها عنها.
وأكد أن ترشيد الاستهلاك ينبغي أن يستمر بعد تسليم السكنات، عبر تجهيز المنازل بمعدات اقتصادية، على غرار الحنفيات التي تحد من تدفق المياه، إلى جانب الكشف السريع عن التسربات وإصلاحها، ونشر سلوكيات يومية مسؤولة تساهم في الحد من التبذير وحماية الموارد من التلوث.
التكنولوجيا لتعزيز كفاءة التوزيع وعدالته
وفي سياق البحث عن حلول مبتكرة، أكد عبد القادر مبريش، ممثل شركة «IPE Système Technologie»، أن تحسين تسيير المياه يقتضي تطوير أنظمة التوزيع والاستفادة من التقنيات الحديثة التي تسمح بالتحكم في الكميات الموجهة للمستهلكين، بما يساهم في تقليص الهدر وتحقيق توزيع أكثر نجاعة وعدالة.
وأوضح أن التطور التكنولوجي يتيح الانتقال من أنظمة التوزيع التقليدية المعتمدة على الجاذبية إلى أنظمة تعتمد على ضخ المياه بالحقن، وهي تقنية تسمح، حسب شرحه، بالتحكم في الكميات المخصصة لكل مستهلك وتنظيم توزيعها وفقا للاحتياجات.
وأشار إلى أن اعتماد هذه الحلول من شأنه تحسين التحكم في الموارد المتاحة والحد من ضياع المياه، خاصة في ظل تزايد الطلب عليها، مؤكدا أن التحدي لا يرتبط بتوفير المياه فحسب، بل يشمل أيضا ضمان توزيعها بكفاءة وإنصاف بين المستهلكين.
كما كشف عن العمل على توطين هذه التكنولوجيا في الجزائر، بما يتيح الاستفادة من إمكاناتها في تطوير أنظمة التوزيع وتحسين تسيير الموارد المائية، في خطوة تندرج ضمن التوجه نحو توظيف الابتكار لدعم الاستدامة.
ويبرز هذا اليوم الدراسي حسب المتدخلين، أهمية الانتقال من التحسيس بأزمة المياه إلى تجسيد حلول عملية داخل مشاريع السكن والتعمير، من خلال تكامل جهود القطاعات المعنية، وتطوير التجهيزات، وتعميم التقنيات المقتصدة، بما يجعل المحافظة على المياه مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمواطنين، وركيزة أساسية لضمان استدامة هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة.
بثينة ناصري


























مناقشة حول هذا المقال