تعرف العلاقات الجزائرية الفرنسية في الآونة الأخيرة توترًا على خلفية تطورات سياسية وإعلامية ، كان أبرزها بث قناة “فرانس 2” لفيلم وثائقي نسج أكاذيب و افتراءات تنطوي على إساءات عميقة و استفزازات لا مبرر لها ، وفي ظل هذا السياق الحساس، تطرح تساؤلات حول خلفيات هذا التصعيد، وأبعاده السياسية، وانعكاساته على مستقبل العلاقات بين البلدين، و من هذا المنطلق و لفهم أعمق لهذه التطورات جمعنا حوار من المحلل السياسي والاستراتيجي البروفيسور الجيلالي شقرون هذا هو نصه .
كيف تقرأون توقيت ومضمون ما بثته قناة فرانس 2 حول ما اطلقته عليه بالفلم الوثائقي ؟
فرنسا اليوم تعيش حالة هستيرية نفسية شديدة جدًا، هذه الحالة نتجت عن فقدانها للجزائر، وكذلك فقدانها لكثير من المصالح في الجزائر بعد أن فقدت أيضًا الكثير من المصالح في قارة إفريقيا، وهذه المصالح بطبيعة الحال هي مصالح مادية واقتصادية، وبسبب ما تعيشه من أزمات خانقة سياسية واقتصادية واجتماعية، فهي تتخبط، وهذا التخبط أدى بها إلى تصدير أزماتها نحو الخارج، ومنها تجاه الجزائر، من خلال الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة “فرانس 2”.
الحقيقة أن توقيت بث هذا الفيلم، الذي أساء إلى الجزائر رئاسةً وحكومةً وشعبًا، جاء مباشرة بعد خطاب السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الموجَّه إلى الجالية الجزائرية المقيمة بفرنسا، خاصة الشباب الذين ليست لديهم وثائق إقامة، حيث دعاهم إلى العودة إلى وطنهم واحتضانهم من جديد، مؤكدًا أن الجزائر في انتظارهم وستوفر لهم ما يحتاجونه.
هذا الخطاب هزّ كيان بعض الأطراف في فرنسا، لأنهم كانوا يعتقدون أن الجزائر ستترك أبناءها هناك دون دعم، لذلك جاء هذا الفيلم ليصوّر الجزائريين وكأنهم عصابات تحمل السكاكين والسيوف وتطارد الفرنسيين في وسائل النقل والطرقات والأماكن العامة، وهي إساءة كبيرة جدًا.
إذن، السبب الأول يتمثل في خطاب الرئيس تبون الذي كان راقيًا وحضاريًا، حيث شبّه الجزائر بالأم التي تدعو أبناءها للعودة إلى البيت واحتضانهم من جديد.
أما السبب الثاني فهو اقتراب الانتخابات الرئاسية، حيث يحاول بعض التيارات تقديم صورة سيئة عن المهاجرين والجالية الجزائرية لخدمة أجندات انتخابية.
والحقيقة أن الفرنسيين يعرفون مكانة الجزائريين، فكثير منهم يشغلون مناصب حساسة، ومنهم أطباء كبار وأساتذة جامعيون وباحثون في مراكز علمية مرموقة، لكن اليمين المتطرف يواصل ادعاءاته ضد الجزائريين، ويحاول تزييف الواقع، خاصة في ظل الأزمات التي تعيشها فرنسا، من ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم بعض الظواهر الاجتماعية، حيث يحاولون إلصاق هذه المشاكل بالجالية الجزائرية واستعمالها كورقة سياسية.
تصرف القناة يمثل مرحلة جديدة في تصعيد الممارسات المعادية للجزائر تشرف عليها اوساط فرنسية رسمية حسب ما جاء في بيان وزارة الخارجية ، قرأتكم في هذا الأمر ؟
البيان الذي صدر عن وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية كان بيانًا قويًا، وأشار بوضوح إلى أن هناك من يسعى لتشويه صورة الجزائر.
فالجزائر اليوم، من الناحية الداخلية، تسير في مسار اقتصادي مستقل، بعد أن كانت فرنسا تظن أن قطع العلاقات الاقتصادية سيؤدي إلى أزمات خانقة تنعكس على الدولة والشعب. لكن العكس هو الذي حدث، فالجزائر تمضي بخطى ثابتة، وتقيم مصانعها وتطور اقتصادها، مستندة إلى سيادتها وثرواتها الطبيعية الكبيرة، خاصة النفط والغاز، إضافة إلى مشاريع استراتيجية كبرى مثل منجم الحديد الضخم غار اجبيلات .
فرنسا كانت تعتقد أنها ستبقى تملي توجهاتها السياسية والاقتصادية والثقافية على الجزائر، لكن الجزائر دولة مستقلة منذ سنة 1962، ولها مؤسساتها السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية.
كما أصبحت الجزائر قوة مؤثرة في سياستها الخارجية، وأقامت شراكات اقتصادية كبرى، من بينها شراكات مهمة مع إيطاليا، وهو ما أثار انزعاج بعض الأوساط السياسية والاقتصادية في فرنسا، التي اعتبرت أن مشاريع كانت موجهة لفرنسا تحولت إلى إيطاليا، في حين أن الجزائر حرة في اختيار شركائها.
من جانب أخر الضغوطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها فرنسا جعلتها تعود إلى أساليب قديمة خلال الفترة الاستعمارية ، عندما حاول لويس العاشر ان يلفت انتباه الفرنسيين الى الجزائر و ذلك لتغطية مشاكله الداخلية خاصة منها الاقتصادية و السياسية .
اليوم الجزائر أصبحت طرفًا فاعلًا في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، مثل ليبيا واليمن وسوريا، وحتى في الأزمة الروسية الأوكرانية، بحكم علاقاتها الدولية المتوازنة.
وعندما تدافع وزارة الخارجية عن الجزائر، فهذا أمر طبيعي، لأن الجزائر ترفض أي دولة التدخل في شؤونها الداخلية، و هي تحترم الأعراف و القوانين الدولية ، والجزائر في دستورها تنص على عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وهو مبدأ ثابت في سياستها الخارجية.
أما فرنسا، فقد فقدت اخلاقها الدبلوماسي، في حين تنتهج الجزائر دبلوماسية متعددة الأبعاد: سياسية، اقتصادية، إنسانية، ثقافية، علمية ورياضية، وهي ماضية في مسارها رغم كل الضغوطات.
رئيسة جمعية فرنسا–الجزائر سيغولان روايال في زيارتها للجزائر اشادة بالتطور في مختلف المجالات و قالت ان فرنسا اذا أرادت الاستمرار في الشراكة فعليها أن تتحرك، كيف تفسرون تصريحاتها و زيارتها إلى الجزائر ؟
زيارة رئيسة جمعية التعاون الفرنسي الجزائري جاءت في سياق محاولة ترميم العلاقات. وهي شخصية ذات توجه اشتراكي، وكان لها سابقًا تصريحات قوية و إيجابية تجاه الجزائر، اين كان لها في احدى القنوات الفرنسية ، دعت فيها فرنسا إلى التوقف عن التدخل في الشأن الجزائري والتركيز على معالجة أزماتها الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فرنسا اليوم تعيش أزمات سياسية واضحة، وانقسامًا حزبيًا، كما تعاني من ارتفاع الديون التي بلغت مستويات كبيرة، وهو ما ينعكس مباشرة على المواطن الفرنسي و يدفع الفتورة لذلك، جاءت هذه الزيارة الى الجزائر و استقبلها رئيس الجمهورية، و بين لها ان فرنسا تسببة في هذه الازمة و أن الجزائر تحافظ على الدبلوماسية الأخلاقية والحوار المتبادل.
و بهذه الزيارة حاولت ان تلملم هذه الازمة و تسعى جاهدة لكن هذا ما اغضب الفرنسيين خاصة التيار اليميني المتطرف، الذي أصدر بيانات حول الزيارة هذه ، و الحقيقة جاءت في هذه المرحلة محاولة لتقريب وجهات النظر بين فرنسا و الجزائر .
كما أن الأوضاع الاقتصادية في فرنسا، من ارتفاع فواتير الكهرباء الماء و الغاز وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، تجعل الوضع الاجتماعي قابلًا للتوتر.
وبالتالي، سعت روايال من خلال هذه الجمعية إلى تقريب وجهات النظر بين البلدين لاعادة بعض العلاقات السياسية و الاقتصادية من جديد .
كيف تقرؤون مستقبل التعاون الاقتصادي بين الجزائر و فرنسا ؟
مستقبل التعاون بين الجزائر وفرنسا مرتبط بما ستقوم به فرنسا، خاصة في ملف الذاكرة الذي تعتبره الجزائر خطًا أحمر.
و روايال قالت في هذا المجال على فرنسا ان تعترف بالجرائم الاستعمارية ، و لكن الجزائر لا تطلب تصريحا شفهيا ، بل تطلب تصريح خطي و رسمي ومكتوب بالجرائم الاستعمارية، غير أن هذا المطلب يواجه رفضًا من بعض التيارات السياسية، خاصة اليمين المتطرف.
العلاقات بين البلدين تبقى بين مدّ وجزر، لكن الجزائر لم يصدر عنها أي تصريح مسيء لفرنسا أو لشعبها، في حين أن التاريخ يشهد على جرائم استعمارية و المجازر البشعة بالصور الموثقة و الموجودة ، بما فيها الجماجم الموجودة في المتاحف الفرنسية، والتي تطالب الجزائر باسترجاعها، كما وجب على فرنسا ان تقدم الاعتذار و تسعى ان تُقِيم العلاقة و الجزائر هي دائما ترضى بالحوار البناء .
للإشارة ، فان الفلم الذي صدر عن القناة الفرنسية جاء بعد القانون الجديد الذي أصدرته الجزائر حول قانون تجريم الاستعمار ، و بتالي فان كل هذه الأمور متزامنة بالإضافة الى خطاب رئيس الجمهورية الموجه الى شباب الجزائر للعودة من فرنسا.
في المقابل، الجزائر لم تفقد فرنسا بلعكس وسعت شراكاتها الدولية مع دول مثل الصين وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت فاعلًا مهمًا في إفريقيا والمنظمات الدولية.
حاورته يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال