في ظل التحولات البيئية والاقتصادية التي يشهدها العالم، تتجه الجزائر بخطى ثابتة نحو دعم الصناعات التقليدية الخضراء وتثمين مواردها الطبيعية، إدراكًا لأهميتها في بناء اقتصاد متوازن ومستدام.
فمن الزيوت الأساسية المستخلصة من النباتات الطبية، إلى المنتجات الغذائية المشتقة من التمور، وصولًا إلى مستحضرات التجميل الطبيعية المصنوعة من التين الشوكي والمورينغا، تتجلّى إرادة وطنية في العودة إلى كل ما هو طبيعي، نظيف وصحي، يجمع بين التراث والابتكار، وبين الأصالة والتجديد.
وفي إطار معرض الصناعات التقليدية، بقصر الثقافة مفدي زكرياء، بالجزائر العاصمة، اقتربت جريدة “عالم الأهداف“من ثلاث تجارب جزائرية ملهمة تمثل هذا التوجّه الجديد، حيث نجح أصحابها في تحويل موارد محلية بسيطة إلى مشاريع اقتصادية خضراء تساهم في حماية البيئة وتوفير فرص عمل، وتؤكد أن “الطبيعة الجزائرية كنز اقتصادي ينتظر من يستثمر فيه بذكاء وعلم”.
هندسة الزيوت العطرية وتثمين الثروة النباتية

ومن ولاية البليدة، برز اسم المهندس حميد شيخي في المعرض كأحد أبرز رواد الاستثمار في النباتات الطبية والعطرية، فبفضل شغفه بالنباتات وحرصه على تثمين الثروة الطبيعية، استطاع أن يؤسس مشروعًا رائدًا لاستخلاص الزيوت الأساسية والنباتية باستخدام تقنيات التقطير بالعصر الميكانيكي البارد.
يقول شيخي في حديثه لـ جريدة عالم الأهداف إنّ الزيوت الأساسية تُستخرج من النباتات الطبية والعطرية عبر التقطير بالبخار أو الماء، بينما تُستخلص الزيوت النباتية من البذور الزيتية، وتُستخدم هذه الزيوت في مجالات عديدة تشمل الصحة، التجميل والعلاج النفسي، حيث تُعتبر جزءًا من علم “الأروما” أو العلاج بالزيوت العطرية.
وفي المجال الصحي، حسب محدثنا فقد تُستخدم الزيوت كمضادات طبيعية فعّالة، تدخل في صناعة الأدوية والمكملات الغذائية، أما في التجميل، فهي عنصر أساسي في العطور الراقية ومنتجات العناية بالبشرة والشعر، كما تلعب دورًا في تعزيز الراحة النفسية من خلال العلاج بالاستنشاق أو التدليك بفضل خصائصها المهدئة.
ويضيف شيخي أن النباتات تنتج الزيوت كآلية دفاع طبيعي ضد الظروف القاسية، مما يجعلها مصدرًا مثاليًا لمركّبات بيولوجية فعّالة، وانطلاقًا من ذلك، فتح المهندس أبواب مؤسسته أمام الطلبة والباحثين في مختلف الأطوار الجامعية لمرافقتهم في مشاريعهم العلمية حول تثمين النباتات الطبية والعطرية.
كما يعمل على إدراج الزيوت الأساسية في مكافحة الآفات الزراعية بيولوجيًا، كبديل طبيعي للمبيدات الكيميائية، في خطوة تسهم في دعم الزراعة العضوية وحماية البيئة، ويؤكد أن الوعي البيئي والاستهلاكي في الجزائر يعرف تطورًا ملحوظًا، خاصة بعد مشاركاته في معارض دولية في كوت ديفوار، نواكشوط وميلانو.
وأبرز شيخي أهمية عصرنة الصناعة التقليدية من خلال إدخال التكنولوجيا، مشيرًا إلى استخدامه الرموز الذكية (QR Code) لربط المنتجات بمحتوى رقمي يُعرّف الزائر بخصائص كل زيت ومجالات استعماله، وهي خطوة وصفها بأنها تجسيد للتكامل بين الطبيعة والتكنولوجيا في خدمة الإنسان والبيئة.
من قلب الصحراء… نعيمة بوخالفة تحوّل التمر إلى غذاء وصحة مستدامة

ومن عمق ولاية المغير، حيث يمتد وادي النخيل إلى الأفق، تبرز تجربة الحرفية نعيمة بوخالفة التي استطاعت أن تُحوّل التمر الجزائري من منتوج فلاحي بسيط إلى سلسلة من المنتجات الغذائية الطبيعية ذات قيمة صحية واقتصادية عالية.
وتقول نعيمة إن فكرتها انطلقت من الرغبة في تثمين محصول التمر الذي كان يُسوّق بصعوبة في المناطق الصحراوية، فابتكرت منتجات متنوعة مثل خلّ التمر، سكر التمر، قهوة نواة التمر، والشوكولا الطبيعية المصنوعة من مكونات مستخلصة من التمر، وتوضح أن هذه المنتجات لا تُعتبر مجرد بدائل غذائية، بل هي غنية بالمعادن والفيتامينات، وتفيد في القولون، فقر الدم، ورفع المناعة.
وتؤكد أن التمر “غذاء لكل الأعمار”، نظرا إلى قيمته الغذائية والطبية العالية.
وتشرح الحرفية أن مراحل الإنتاج تبدأ من جمع وفرز التمور، ثم غسلها وتجفيفها، تليها عمليات الغلي والتصفية للحصول على مستخلص نقي يُستخدم في صناعة الخل والسكر الطبيعي، أما نوى التمر، فتحوّله إلى قهوة طبيعية خالية من الكافيين، غنية بالطاقة ومفيدة للهضم.
ورغم التحديات التي تواجهها في التسويق بسبب بُعد الأسواق، تؤمن نعيمة بأن تشجيع المشاريع الصغيرة واستغلال الموارد المحلية يمكن أن يُعيد الحيوية للاقتصاد الصحراوي، داعيةً الجزائريين إلى تذوّق المنتجات المحلية الطبيعية، لأن “الثقة تُبنى بالتجربة، والطبيعي دوماً يثبت تفوقه على الصناعي”.
عبد الحق بوجلاب: “التين الشوكي والمورينغا يكشفان أسرار الجمال الجزائري“

ومن ولاية تيزي وزو، لمع اسم الحرفي عبد الحق بوجلاب الذي اختار خوض غمار صناعة التجميل الطبيعية عبر استخلاص الزيوت والمستحضرات من التين الشوكي والمورينغ “curavitae“ ، مقدّمًا بديلاً صحياً وآمناً عن المستحضرات الكيميائية المنتشرة في الأسواق.
ويوضح بوجلاب أن التين الشوكي أثبت فعاليته في العناية بالبشرة والشعر بفضل خصائصه المرطّبة والمجدّدة للخلايا، وأن منتجاته تخضع لاختبارات دقيقة في مخبر “إيكوس إنترناسيونال” بالجزائر لضمان الجودة والسلامة، ويُحذر من “التقليد العشوائي” لبعض المنتجات المنتشرة على مواقع التواصل، مؤكدًا أن التحليل المخبري ضرورة وليس ترفًا.
من أبرز منتجاته صابون التين الشوكي، وهو الوحيد من نوعه في الجزائر، إضافة إلى كريم طبيعي لعلاج الصدفية والأكزيما، ومزيل رائحة طبيعي فعّال لمدة ثلاثة أيام، كما استثمر بوجلاب في نبات المورينغا، المعروف بـ”شجرة الحياة”، لما يحتويه من عناصر مغذية تُعيد للبشرة توازنها الطبيعي.
وتابع قائلاً: “الطبيعة بين أيدينا، فقط نحتاج أن نحسن استغلالها بعلم وحرفية”، معتبرًا أن منتجاته تمثل نموذجًا لصناعة تجميل جزائرية جديدة تمزج بين التراث النباتي والبحث العلمي الحديث.
الاقتصاد الأخضر… بين الابتكار والحفاظ على التراث
تجمع هذه المشاريع الثلاثة بين هدفين متكاملين: الابتكار الصناعي والحفاظ على التراث البيئي، فهي تسعى لتطوير منتجات طبيعية بوسائل علمية حديثة، مع احترام الأصول التقليدية للزراعة والتصنيع اليدوي، وهذا ما يجعلها نموذجًا حيًّا لما يمكن تسميته بـ“الاقتصاد الأخضر الجزائري”.
فالزيوت العطرية تُسهم في حماية البيئة الزراعية عبر بدائل بيولوجية للمبيدات، ومنتجات التمر تُعزز الأمن الغذائي المحلي، بينما مستحضرات التجميل الطبيعية تدعم الصحة العامة وتحفّز الإقبال على المنتوج الوطني.
ويؤكد المشاركون في المعرض أن الجزائر تمتلك كل المقومات لتصبح قطبًا إقليميًا في الصناعات الطبيعية التقليدية، بفضل تنوعها النباتي والمناخي، وغناها بالخبرات الحرفية، ومع إدماج التكنولوجيا في عمليات الإنتاج والتسويق، تتجسّد رؤية جديدة للصناعة التقليدية تجمع بين الأصالة والتجديد.
هذه المبادرات لا تمثل فقط قصص نجاح فردية، بل تعبّر عن تحوّل ثقافي واقتصادي نحو تبنّي أنماط إنتاج واستهلاك مسؤولة، تراعي البيئة وتثمّن الموارد الوطنية، فهي باختصار رسالة الجزائر النبيلة توحي بأنه من رحم الطبيعة تصنع اقتصادًا أخضرًا مستدامًا، يحترم الإنسان والبيئة.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال