تطرح نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة جملة من التساؤلات حول مستقبل الممارسة السياسية في الجزائر، في ظل بروز حضور شبابي داخل البرلمان الجديد، واستمرار الرهان على استعادة ثقة المواطن وتعزيز المشاركة. في هذا الحوار، يقدم لنا الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي الدكتور” مصطفى بورزامة ” قراءة حول الموضوع .
كيف تقرؤون نسبة تمثيل الشباب في البرلمان الجديد؟
تمثيل الشباب في البرلمان الجديد فاق، تقريبا، 30 بالمائة، أي أن ثلث البرلمان عبارة عن شباب، ومعظمهم من ذوي المستوى الجامعي، وهذا ما سيزيد من قيمة هذا البرلمان. صحيح أن هؤلاء الشباب ربما لا يملكون تجربة في العمل التشريعي والعمل النيابي، إن صح القول، لكنهم سيتأقلمون بسرعة، وبعد عام أو عام ونصف سيتأقلمون مع العمل البرلماني، سواء خلال التشريع أو مساعدة الحكومة، وحتى نقل انشغالات المواطنين، وهو ما سيضفي على المشهد السياسي والعمل البرلماني ضخ دماء جديدة. كما أن هناك شبابا يترأسون اللجان، وأظن أن هذا شيء صحي بالنسبة للبرلمان في دورته العاشرة.
ما أبرز المؤشرات الإيجابية التي حملتها هذه الانتخابات، وما أهم الدروس المستخلصة من نتائجها؟
هناك أشياء إيجابية وأخرى سلبية الإيجابية تتمثل في أنه تم تطهير المال الفاسد بشكل كبير جدا، من خلال المادة 200 والمادة الأولى في قانون الانتخابات، وهذا أمر مستحسن، كما تم ترك المجال لنخبة جديدة تمارس هذا الجانب من الانتخابات من خلال الترشح للعمل البرلماني، وهذا شيء إيجابي.
أما الشيء السلبي، فهو أن الخطاب السياسي لم يرق إلى خطاب سياسي مقنع للمواطن، والدليل على ذلك أن نسبة المشاركة كانت في حدود 21 بالمائة. وهذا الأمر ستتم دراسته من قبل القائمين على البلد، من خلال كيفية استعادة هذه الثقة بين النخب والمترشحين. وأظن أن هذا العمل ليس من جانب السلطة فقط، بل حتى من جانب الأحزاب السياسية، التي يجب أن تتكيف مع خطاب جديد يخاطب شبابا رقميا بامتياز، ويقوم على الواقعية والابتعاد عن الشعبوية واللغة الخشبية. كما يجب على هذه الأحزاب أن تقدم نخبا يضع فيها الناخب ثقته، وأظن أن هذه العملية ستكون مستقبلا أكثر صحة وأكثر جدية، مع تقديم نخب قادرة على كسب ثقة الناخب، بما يرفع نسبة المشاركة إلى 30 أو 40 بالمائة، إن شاء الله.
كيف تقيمون تفاعل الأحزاب السياسية ومختلف فئات المجتمع مع العملية الانتخابية، وما المطلوب لتعزيز المشاركة مستقبلا؟
الأحزاب السياسية كلها تتحمل المسؤولية. فهناك بعض الأحزاب ذهبت إلى مقارنة نسبة المشاركة في الجزائر ببعض الدول الأوروبية التي تمتلك تجربة ديمقراطية عريقة، كما قامت بإصلاحات على مدار أكثر من مائة سنة. أما الجزائر، فالممارسة الديمقراطية فيها لا تزال فتية، ويمكن تطويرها بشكل كبير إذا توفرت النية.
الأحزاب السياسية مطالبة بتطوير خطابها ومؤسساتها، والعمل على مدار السنة في مجال الاتصال السياسي والتنشئة السياسية، وفتح أبوابها أمام فئات المجتمع من أجل النقاش الديمقراطي في إطار الديمقراطية التشاركية. كما أرى أن نظام القائمة الوطنية المفتوحة نظام مهم جدا، لأنه لم يعد يسمح بحشو القوائم، ولذلك يجب على الأحزاب أن تبحث عن خطاب جديد ومتجدد، يبتعد عن الشعبوية وعن سياسة الوعود.
كما ينبغي أن يتمتع رؤساء الأحزاب بالكاريزما والانفتاح أكثر على المواطنين، وأن تستقطب الأحزاب الكفاءات، وليس فقط من تتطابق أيديولوجيتهم معها، لأن كثيرا من الأحزاب في العالم تستقطب حتى من يتعاطفون معها فقط. والأهم هو تقديم نخب قادرة على إقناع المواطن. صحيح أن بعض الأحزاب بدأت تشتغل فعلا، لكن العمل لا يزال مضنيا.
ومن جانب السلطة، فإن الضمانات التي قدمتها تعد مهمة جدا، غير أن العمل ما يزال متواصلا، لأن السلطة التنفيذية مطالبة أيضا بتقديم نخب تقدم عملا جيدا للمواطنين وتفتح لهم المجال للمشاركة. فالعملية متداخلة بين الجميع، كما يجب أن يدرك المواطن أن الذهاب إلى صندوق الاقتراع يعد حماية للأمن القومي من خلال شرعنة المؤسسات.
ما أهم الأدوار المنتظرة من البرلمان القادم في ضوء هذه المعطيات؟
البرلمان القادم لديه مسؤولية كبيرة جدا، لأن الرهانات والتحديات كبيرة، خاصة في ظل وجودنا في إقليم مضطرب، إلى جانب التحولات التي يشهدها النظام الدولي، مثل الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمات الطاقة، والهجرة غير الشرعية، والإرهاب، وغيرها من القضايا المهمة.
كما أن التشريعات، ومناقشة القوانين، واقتراح قوانين جديدة، وحتى مساءلة الحكومة، يجب أن ترتقي إلى مستوى عال، بعيدا عن التجريح والممارسات التي قد تسيء إلى العمل النيابي. وأظن أنه يجب أن تكون هناك نخب كاريزمية تساعد الحكومة من خلال تثمين الإيجابيات، وفي الوقت نفسه تطرح السلبيات بأسلوب راق ورؤية واضحة واقتراحات للحلول، سواء من طرف الكتل البرلمانية أو النواب.
كما ينبغي للنواب أن يكونوا على تواصل دائم مع المواطنين في الدوائر والولايات التي انتخبوا منها، وأن يستعينوا بالمستشارين والخبراء، سواء على مستوى المجلس الشعبي الوطني أو من مختلف النخب الموجودة عبر ربوع الوطن.
يطالب البعض بإشراك المجتمع المدني في العمل والتنمية السياسية، بعيدا عن العمل الحزبي، كيف ترون هذا الدور؟
للمجتمع المدني دور كبير جدا في التنشئة السياسية، وليس الحزبية، لأنه يجب ألا نخلط بين المجتمع المدني والأحزاب السياسية، فلكل منهما مهمة خاصة. غير أن المجتمع المدني يمكنه أن ينتج نخبا قادرة على التسيير، لأن نخب المجتمع المدني تمتلك القدرة على التواصل وتقديم الأفكار، كما يمكن للأحزاب السياسية أن تستقطب بعض هذه النخب وتقدمها للناخبين.
وكان الدليل على ذلك أن بعض النواب الموجودين في هذه الدورة العاشرة كانوا من إنتاج المجتمع المدني والمجلس الأعلى للشباب. ومع ذلك، فما يزال العمل متواصلا، لأن التنشئة السياسية ليست مقتصرة على الأحزاب فقط، بل تشمل المجتمع المدني ومختلف المؤسسات التي تسهم في بناء ثقافة سياسية وإعداد نخب بعقلية رجال الدولة.
وهذا ما نحتاج إليه فعلا، وهو الاستعانة بالنخب الحقيقية التي تقدم المصلحة الوطنية على المصلحة الخاصة. ويجب أن نحسن اختيار هذه النخب، لأن بعض النخب تسيء إلى مؤسسات الدولة، ومن الضروري إزاحتها من المشهد السياسي والذهاب إلى نخب حقيقية، خاصة وأن الجزائر اليوم بحاجة إلى رجال دولة يتمتعون بالكاريزما ويفكرون في مصلحة الوطن. كما أن انخراط الجزائر في المؤسسات الدولية، وانفتاحها على إفريقيا وأوروبا والدول الغربية، يتطلب نخبًا حقيقية لا تقدم مصالحها الشخصية على المصلحة العامة.
اجرت الحوار: اميرة عقون
























مناقشة حول هذا المقال