تعرف الجزائر في الآونة الأخيرة حركة دبلوماسية نشطة على المستوى الافريقي و الأوروبي ، خاصة بعد الخطوات الاستراتيجية في المجال الاقتصادي من ابرام عديد الاتفاقيات من دولة النيجر و قرارات تفتح مجالات الاستثمار و العمل بتنسيق و ديناميكية مع بعض الدول الأوروبية ، و في سياق الحديث عن هذا الموضوع جمعنا حوار مع الخبير الديبلوماسي و المحلل السياسي الجيلالي شقرون هذا هو نصه:
تشهد الدبلوماسية الجزائرية في الفترة الأخيرة نشاطا هاما افريقيا و أوروبيا، خاصة في ظل التصعيد في الشرق الأوسط، كيف تقرؤون هذا الحركية الديبلوماسي و تداعيات التصعيد في المنطقة؟
يشهد العالم في هذه الفترة، وفي هذا الظرف بالذات، حربًا شعواء تشنّها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على إيران، وهذه الحرب في الشرق الأوسط انعكست سلبًا على دول الخليج، خاصة الدول العربية الخليجية، كما امتدت تداعياتها إلى العراق.
وفي هذا السياق، تعرف الجزائر نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا، لأن الحرب في الشرق الأوسط هي في جوهرها حرب على الطاقة، وعلى النفط، ومحاولة للقضاء على النظام الإيراني. ومع إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، نشأت أزمة طاقة خانقة.
لذلك، نلاحظ أن الجزائر كثّفت نشاطها الدبلوماسي من خلال التوجه نحو إفريقيا وأوروبا. فعندما نقول إفريقيا، فلأن الجزائر تُعد بوابة للقارة، وتسعى إلى قيادة قاطرة التنمية والتطور الاقتصادي فيها، كما تعمل على معالجة التحديات الأمنية، مثل الإرهاب والهجرة غير الشرعية.
أما في توجهها نحو أوروبا، فنجد تركيزًا خاصًا على إيطاليا وإسبانيا، باعتبارهما دولتين مؤثرتين في الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الإطار، لا تسعى الجزائر إلى كسب ودّ هذه الدول بقدر ما تسعى الدول الأوروبية إلى التقارب مع الجزائر، خاصة لضمان إمدادات الغاز الطبيعي، في ظل تراجع الإمدادات القادمة من روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا.
وقد أصبحت الجزائر اليوم قبلة للعديد من الدول، سواء في المجال السياسي والدبلوماسي أو الاقتصادي، نظرًا لمكانتها المحورية. كما تتميز دبلوماسيتها بالاعتماد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتركيز على الحوار لإيجاد حلول للأزمات.
وفي هذا الإطار، تبرز إفريقيا كقارة غنية بثرواتها الطبيعية والبشرية، ما يجعلها محل اهتمام عالمي متزايد، والجزائر جزء أساسي من هذا التوجه، نظرًا لاحترامها للمواثيق الدولية، خاصة في إطار هيئة الأمم المتحدة.
الدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-النيجرية للتعاون انعقدت مؤخرا و كانت الجزائر حاضرة بوفد وزاري هام ، كيف تقرؤون توجه الجزائر نحو افريقيا و آفاق التعاون مع دولة النيجر ؟
تفتح الجزائر اليوم أبوابها للنيجر، وتسعى إلى تعزيز علاقاتها معها، خاصة وأنها دولة من دول الساحل. فالنيجر، رغم غناها بالثروات، تعاني من تحديات تنموية، على غرار مالي.
وقد استطاعت الجزائر، من خلال دبلوماسيتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية وحتى الدينية، أن تقيم علاقات طيبة مع النيجر، وأن تفتح آفاقًا اقتصادية واعدة معها.
كما أن النيجر عرفت في السابق نشاطًا إرهابيًا مكثفًا وانتشارًا للجريمة المنظمة، إلا أن الجزائر تسعى اليوم إلى دعمها في مسار التنمية، خاصة في المجال الزراعي، وفتح مجالات اقتصادية واسعة.
وتحاول الجزائر، باعتبارها دولة إفريقية، أن تقود القاطرة نحو التقدم، وتسعى إلى الحد من الخلافات السياسية والانقلابات، مع احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما يميز سياستها الخارجية.
كما تُعتبر الجزائر اليوم دولة آمنة في نظر العديد من الدول الكبرى، بفضل السياسة التي ينتهجها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والتي تقوم على الاعتماد على الذات وتعزيز الاستقرار الداخلي.
وفي هذا السياق، تعمل الجزائر على تكريس مبدأ “جنوب-جنوب”، وهو توجه قديم تم تجسيده مؤخرًا بشكل أكبر، بهدف تمكين القارة الإفريقية من تحقيق استقلالها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
كما تسعى الجزائر إلى مواجهة التحديات الكبرى في القارة، مثل الإرهاب والهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، في ظل تنافس دولي على النفوذ في إفريقيا، خاصة بين القوى الكبرى. ورغم ذلك، تواصل الجزائر العمل وفق رؤية متوازنة تخدم استقرار القارة.
هذه العلاقة بين البلدين أخذت بعدا اقتصاديا و شراكة استراتيجية في ظل أوضاع معقدة بمنطقة الساحل كيف ستساهم هذه العلاقة في تطبيع الوضع في المنطقة ؟
في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، والأزمات المتعددة، مثل الحرب في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا، إضافة إلى الوضع في ليبيا، تسعى الجزائر إلى تعزيز دورها في احتواء القارة الإفريقية.
وفي هذا الإطار، تعمل الجزائر على أن تكون القاطرة التي تقود إفريقيا نحو التقدم، من خلال معالجة مختلف المشكلات، سواء الأمنية أو الاجتماعية أو الصحية.
وتُعد الشراكة بين الجزائر والنيجر شراكة مهمة، كانت منتظرة منذ فترة، إلا أن الجزائر اختارت التوقيت المناسب لتفعيلها. وقد تمكنت، بفضل سياستها الحكيمة، من تعزيز هذه العلاقة وتطويرها في مختلف المجالات.
ورغم أن منطقة الساحل تُعد منطقة حساسة وخطيرة، خاصة في ظل التواجد الأجنبي السابق، إلا أن الجزائر تسعى إلى تحقيق الاستقرار فيها، وتعزيز التعاون الإفريقي-الإفريقي.
كما أن القارة الإفريقية تُعد قارة واعدة، نظرًا لغناها بالموارد الطبيعية والبشرية، مما يؤهلها لتحقيق الاكتفاء الذاتي. وفي هذا السياق، عملت الجزائر على فتح آفاق جديدة في مجالات النقل والتعاون الإقليمي، في إطار رؤية شاملة يقودها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، تقوم على مبدأ “إفريقيا للإفريقيين”.
في ذات السياق عرف النشاط الديبلوماسي الجزائري توجه نحو الضفة الأخرى من خلال زيارة رئيسة مجلس الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني للجزائر، كيف تفسرون هذه الزيارة في هذا التوقيت بالذات، و كيف تقرأون وصف ميلوني للجزائر بـ الشريك الموثوق ؟
جاءت زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الجزائر في ظرف دولي مشحون، يتميز بارتفاع أسعار النفط في العالم نتيجة الأزمات العالمية، خاصة في الشرق الأوسط.
وتُعد إيطاليا من أهم الدول التي تستورد الغاز الجزائري، عبر أنبوب يمر عبر تونس، لذلك هدفت هذه الزيارة إلى تعزيز إمدادات الغاز ورفعها.
ورغم أن ميلوني تنتمي إلى اليمين المتطرف، الا انه ليس كاليمين المتطرف الفرنسي ، اين تعمل في اطار مشروع كبير جدا و نحو الجزائر و نحو افريقيا، ، حيث تسعى إلى بناء شراكة متوازنة مع الجزائر، بعيدًا عن أي خلفيات استعمارية.
كما أظهرت هذه الزيارة توافقًا في عدة ملفات، مثل القضية الفلسطينية وقضية الصحراء الغربية، وهو ما يعكس تقاربًا في المواقف.
وبعد توتر وتأزم العلاقات مع فرنسا، تمكنت الجزائر من تنويع شركائها الأوروبيين، وإقامة علاقات قوية مع إيطاليا، قائمة على المصالح المشتركة، خاصة في المجال الاقتصادي.
كما تسعى إيطاليا إلى الاستثمار في الجزائر، خاصة في مجالات الزراعة والصناعة الميكانيكية، وهو ما يعزز الاقتصاد الوطني.
وقد أصبحت الجزائر اليوم فاعلًا مهمًا في سوق الطاقة، وتتصرف في البترول، حيث تتعامل وفق مصالحها وشروطها، في ظل الطلب المتزايد على الغاز.
ومن المنتظر أن تتطور هذه العلاقات مستقبلًا، خاصة في ظل التعاون مع شركات طاقوية كبرى، مثل شركة “إيني” الطاقوية مع سوناطراك، مما يفتح آفاقًا اقتصادية واسعة.
ومن جانب العلاقات الاستراتيجية بين الجزائر وإسبانيا، رئيس الجمهورية أبلغ وزير الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون لمملكة إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس بقرار إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون التي تربط الجزائر وإسبانيا منذ أكتوبر 2002، كيف ترون هذه الخطوة و مستقبل التعاون بين الجزائر وإسبانيا ؟
بعد زيارة جورجيا ميلوني، استقبلت الجزائر وزير الشؤون الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، في زيارة الى الجزائر.
طبعا العلاقات بين البلدين هي طيبة برغم ما وقع من خلافات سياسية في ملف الصحراء الغربية، إلا أن هناك توجهًا نحو إعادة التوازن.
كما ان أحزاب سياسية اسبانية اثارت في وجه الحكومة الاسبانية من اجل تغيير موقفها تجاه الصحراء الغربية والقضية الفلسطينية ما وقع توافق وإعادة العلاقات الطيبة بين البلدين كما كانت.
وأكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة سنة 2002، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز العلاقات الثنائية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق حاجة إسبانيا إلى تأمين مصادر الطاقة، خاصة بعد تراجع الإمدادات من روسيا، ما دفعها إلى تحرك نحو الجزائر.
وتحاول اسبانيا تحقيق مصالحها الخاصة و كسب ود الجزائر، كما ان الجزائر رحبت بإسبانيا، كما ان هذه العلاقات مرشحة للتطور مستقبلًا، خاصة في مجالات الاقتصاد وتنقل الأشخاص، بما يعزز الشراكة بين البلدين ويخدم مصالحهما المشتركة.
أجرت الحوار يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال