في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها الجزائر، وسعيها المتواصل لبناء نموذج تنموي جديد يقوم على تنويع مصادر الدخل وتثمين الثروات الطبيعية، يبرز مشروع بلاد الحدبة للفوسفات كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية ذات البعد الوطني والجهوي. فهذا المشروع المدمج، الذي يقع بشرق البلاد، لا يندرج فقط ضمن إطار استغلال الموارد المنجمية، بل يعكس توجها سياديا واضحا نحو الانتقال من تصدير المواد الخام إلى خلق قيمة مضافة حقيقية، وتعزيز مكانة الجزائر في سلاسل الإنتاج العالمية، خاصة في مجال الأسمدة والفوسفات.
ومن خلال هذا المشروع، تراهن الدولة على إحداث قفزة نوعية في الاقتصاد الوطني، وفتح آفاق واسعة للتشغيل والتنمية، لاسيما لفائدة الشباب.
يشكل مشروع بلاد الحدبة لاستخراج وتحويل الفوسفات بولاية تبسة أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها الجزائر في المرحلة الراهنة، في ظل تحولات اقتصادية عميقة تهدف إلى تقليص التبعية للمحروقات وبناء اقتصاد متنوع ومستدام.
فهذا المشروع المدمج، الذي يحظى بمتابعة مباشرة من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، لا يندرج فقط ضمن خانة المشاريع المنجمية الكبرى، بل يعد جزءا من رؤية وطنية شاملة لإعادة بعث القطاعات الإنتاجية وتعزيز القيمة المضافة محليا.
من الاستخراج إلى التحويل: خلق قيمة مضافة محليا

في هذا السياق، يؤكد المحلل الاقتصادي لعالم الأهداف أحمد الحيدوسي أن مشروع بلاد الحدبة يمثل ركيزة حقيقية لتنويع الاقتصاد الوطني، باعتباره يتجاوز منطق استخراج المادة الخام نحو مشروع متكامل يشمل الاستخراج والنقل والتحويل والتسويق.
ويشير الخبير إلى أن الظرف الاقتصادي الحالي يتميز بإرادة سياسية واضحة من أعلى هرم السلطة، تجسدت في إصلاحات تشريعية عميقة وفرت وضوحا واستقرارا في القوانين، إلى جانب رؤية استراتيجية تستهدف تنويع الاقتصاد خارج قطاع المحروقات.
ويرى المتحدث أن القيمة المضافة الأساسية للمشروع تكمن في توسيع سلسلة الإنتاج محليا، إذ لا يقتصر دوره على تصدير الفوسفات الخام، بل يشمل تحويله إلى أسمدة ومخصبات زراعية ذات قيمة عالية، ما يعزز الأمن الغذائي ويدعم القطاع الفلاحي.
كما أن استغلال مكامن الفوسفات ببلاد الحدبة، التي تعد من بين الأهم على المستوى الإقليمي والعالمي باحتياطات تفوق 2.8 مليار طن، يتيح للجزائر استخراج ما يقارب 6 ملايين طن سنويا في مرحلة أولى، مع آفاق توسع أكبر مستقبلا.
تعزيز الصادرات ورفع القدرة التنافسية للجزائر عالميا
ويبرز الحيدوسي أن المشروع المدمج يمتد أثره إلى أربع ولايات هي تبسة وسوق أهراس وعنابة وسكيكدة، ما يجعله محركا حقيقيا للتنمية الجهوية بشرق البلاد.
فإلى جانب مناصب الشغل المباشرة في قطاع التعدين، يخلق المشروع فرص عمل غير مباشرة في مجالات النقل والأشغال العمومية والمناولة والخدمات اللوجستية، فضلا عن القطاعات المرتبطة به، وهو ما يساهم في خفض معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات ومراكز التكوين المهني.
أما على مستوى الصادرات، فإن رفع إنتاج الفوسفات إلى أكثر من 10 ملايين طن سنويا سيكون له تأثير مباشر وإيجابي على ميزان التجارة الخارجية.
ويوضح المحلل أن الجزائر ستنتقل من إنتاج يناهز 2 مليون طن سنويا إلى مستويات أعلى بفضل البنية التحتية الجاري إنجازها، بما في ذلك ازدواجية خطوط السكة الحديدية وتوسعة ميناء عنابة، ما يسمح بتدفق الصادرات بسلاسة أكبر وبتكلفة أقل. كما أن تحويل الفوسفات محليا قبل تصديره سيضاعف من عائداته مقارنة بتصدير المادة الخام فقط.
وفيما يتعلق بالمكانة الدولية، يشير لقدوسي أحمد إلى أن الطلب العالمي على الأسمدة والفوسفات يشهد نموا سنويا يفوق 5 بالمائة، ما يوفر فرصا حقيقية للجزائر لاقتحام الأسواق العالمية بقوة.
ويؤكد أن التركيز على هذا القطاع يمنح الجزائر ميزة تنافسية مهمة، ويعزز موقعها كلاعب أساسي في سوق الأسمدة والفوسفات، خاصة في ظل امتلاكها احتياطات ضخمة وقدرات إنتاجية متنامية.
وفي ختام حديثه أكد الخبير الاقتصادي أن مشروع بلاد الحدبة لا يمثل مجرد استثمار منجمي، بل يشكل دعامة استراتيجية لتنويع الاقتصاد الوطني وبناء نموذج تنموي قائم على خلق القيمة المضافة وتوسيع قاعدة الصادرات خارج المحروقات، كما أنه يفتح آفاقا واعدة للتشغيل والتنمية الجهوية، ويضع الجزائر على مسار جديد يعزز حضورها الاقتصادي إقليميا ودوليا، في خطوة تعكس تحولا نوعيا في
يؤكد مشروع بلاد الحدبة أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة في مقاربتها للتنمية الاقتصادية، قوامها المشاريع الكبرى ذات الآفاق طويلة المدى، والمرتكزة على الاستغلال العقلاني للثروات الوطنية.
فإلى جانب مساهمته في تنويع الصادرات وتقليص التبعية للمحروقات، يمثل هذا المشروع رافعة حقيقية للتنمية المحلية والجهوية، ومحركا لخلق مناصب الشغل وبعث الديناميكية الاقتصادية بشرق البلاد. ومع تزايد الطلب العالمي على الفوسفات والأسمدة، تملك الجزائر اليوم فرصة تاريخية لترسيخ موقعها كفاعل مؤثر في هذا السوق الاستراتيجي، شريطة مواصلة الاستثمار في التحويل الصناعي، وتطوير البنية التحتية، وتثمين الكفاءات الوطنية. وبذلك، لا يكون مشروع بلاد الحدبة مجرد منجم فوسفات، بل لبنة أساسية في بناء اقتصاد وطني متنوع، متوازن، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية الرؤية الاقتصادية للبلاد.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال