لم تكن مواجهة حرائق الغابات التي شهدتها ولايات الوطن خلال الأسابيع الأخيرة مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها، بل تحولت إلى ملحمة وطنية شاركت فيها مختلف مكونات المجتمع المدني، حيث تجندت الكشافة الإسلامية الجزائرية، والهلال الأحمر الجزائري، والجمعيات الخيرية والإنسانية، إلى جانب آلاف المواطنين والمتطوعين، في صورة عكست روح التضامن والتلاحم التي لطالما ميز المجتمع الجزائري في أوقات الأزمات.
فمنذ الساعات الأولى لاندلاع الحرائق، سارعت الكشافة الإسلامية الجزائرية إلى تسخير أفواجها عبر مختلف الولايات، للمساهمة في دعم جهود الحماية المدنية ومصالح الغابات والجيش الوطني الشعبي. وتنوعت مساهمات الكشافة بين توفير المياه والمواد الغذائية ووسائل الإسناد اللوجستي لفرق التدخل، وتنظيم حملات للتبرع وجمع المساعدات، فضلاً عن المشاركة في توجيه المواطنين وإسناد عمليات الإجلاء ومرافقة العائلات المتضررة، بما يعكس الدور المجتمعي الذي تضطلع به الحركة الكشفية في مختلف الظروف.
كما سجل الهلال الأحمر الجزائري حضوراً ميدانياً واسعاً من خلال تسخير متطوعيه وفرق الإسعاف والتكفل الاجتماعي، حيث تولى تقديم الإسعافات الأولية للمصابين، وتنظيم عمليات إيواء العائلات التي غادرت مساكنها، إضافة إلى توزيع المواد الغذائية والمياه والأغطية والأدوية والاحتياجات الأساسية، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين، خاصة الأطفال وكبار السن.
وفي السياق ذاته، انخرطت الجمعيات الخيرية والإنسانية ومنظمات المجتمع المدني في حملات تضامن واسعة، شملت جمع التبرعات العينية والمالية، وتجهيز قوافل للمساعدات الإنسانية، وتوفير مستلزمات الإيواء والإعاشة، مع الحرص على إيصالها إلى العائلات المتضررة بالتنسيق مع السلطات المحلية والهيئات المختصة، كما ساهمت العديد من الجمعيات في تنظيم حملات توعوية حول الوقاية من الحرائق وأهمية المحافظة على الغابات والبيئة.
ولم يغب المواطنون عن هذه التعبئة الوطنية، حيث شهدت مختلف الولايات مبادرات تلقائية عكست حساً عالياً بالمسؤولية وروح المواطنة.
فقد بادر متطوعون إلى مساندة فرق الإطفاء في حدود ما تسمح به إجراءات السلامة، وساهم آخرون في نقل المياه والمواد التموينية، وفتح منازلهم لاستقبال العائلات التي اضطرت إلى مغادرة مساكنها، فيما أطلق عدد من المحسنين ورجال الأعمال حملات لدعم المتضررين وتوفير الاحتياجات الضرورية لهم.
كما برزت مساهمة المؤسسات الاقتصادية والمتعاملين الخواص، الذين قدموا تجهيزات ومواد لوجستية، وساهموا في تمويل المبادرات التضامنية، في إطار المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، وهو ما عزز من فعالية الاستجابة الإنسانية وسرعة إيصال المساعدات إلى مستحقيها.
وبعد السيطرة على الحرائق وإخمادها، انتقلت جهود المجتمع المدني إلى مرحلة مرافقة المتضررين والتخفيف من آثار الكارثة، من خلال مواصلة حملات جمع التبرعات، وتوفير الأثاث والأجهزة المنزلية والملابس واللوازم المدرسية، إلى جانب تنظيم مبادرات لإعادة تأهيل المرافق المتضررة، ومرافقة الأسر إلى غاية استقرار أوضاعها، بالتوازي مع مباشرة الجهات المختصة عمليات إحصاء الخسائر تمهيداً لتعويض المتضررين.
وتؤكد هذه التعبئة الواسعة أن المجتمع المدني أصبح شريكاً محورياً في منظومة إدارة الكوارث، ليس فقط من خلال التدخل أثناء الأزمات، وإنما أيضاً عبر المساهمة في التعافي وإعادة البناء، وترسيخ ثقافة التطوع والعمل الجماعي.
وقد أثبتت التجربة أن تكامل جهود مؤسسات الدولة مع الكشافة الإسلامية الجزائرية والهلال الأحمر والجمعيات والمواطنين والمتطوعين يمثل نموذجاً ناجحاً للاستجابة السريعة للكوارث، ويعكس قوة التلاحم الوطني الذي يبرز في أحلك الظروف، ويجسد قيم التكافل والتضامن التي طالما ميزت المجتمع الجزائري.
بوزيان بلقيس




















مناقشة حول هذا المقال