أعادت حرائق الغابات التي مست خلال الأيام الأخيرة عددا من ولايات الوطن، على غرار البويرة وسكيكدة وقالمة وعنابة و جيجل و ولايات اخرى، إلى الواجهة أهمية نشر ثقافة الوقاية باعتبارها خط الدفاع الأول لحماية الثروة الغابية والبيئة، فمع ارتفاع درجات الحرارة واتساع رقعة الغطاء النباتي خلال فصل الصيف، تزداد احتمالات اندلاع الحرائق، غير أن جزءا كبيرا من المخاطر يبقى مرتبطا بالسلوك البشري، ما يجعل الوعي الجماعي و الفردي عاملا أساسيا في الحد من هذه الظاهرة.
كما انه ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها مختلف المصالح المتدخلة لإخماد الحرائق وحماية الأرواح والممتلكات من حماية مدنية و إسعاف و افراد الجيش الوطني و مختلف اطياف المجتمع المدني ، إلا أن الوقاية تظل أكثر فعالية وأقل تكلفة من مواجهة الكارثة بعد وقوعها.
فكل حريق يتم تفاديه بفضل سلوك مسؤول أو تبليغ مبكر، يعني الحفاظ على مساحات غابية وثروة حيوانية ونباتية تحتاج سنوات طويلة لتعويض ما تفقده في ساعات قليلة.
للحرائق اسباب و إدراكها ضرورة لتجنب الكوارث
وتشير التجارب إلى أن كثيرا من الحرائق تبدأ بسبب تصرفات تبدو بسيطة، كإلقاء أعقاب السجائر في الأماكن الطبيعية، أو إشعال النار لإعداد الطعام، أو حرق الأعشاب الجافة والنفايات بالقرب من الغابات، أو ترك مخلفات قابلة للاشتعال دون مراعاة مخاطر ارتفاع درجات الحرارة، وتتحول هذه السلوكيات، في ظل الرياح والجفاف، إلى شرارة تمتد بسرعة كبيرة وتصعب السيطرة عليها.
ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ ثقافة الوقاية باعتبارها سلوكا يوميا وليس مجرد حملة موسمية ترافق فصل الصيف. فالوعي البيئي يبدأ من إدراك المواطن أن حماية الغابات مسؤولية مشتركة، وأن الالتزام بالإرشادات الوقائية، واحترام التعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، والإبلاغ الفوري عن أي دخان أو بداية حريق، كلها ممارسات قد تمنع وقوع خسائر بشرية وبيئية جسيمة.
نشر ثقافة الوقاية عبر مختلف المنابر
ولا يقتصر نشر هذه الثقافة على المؤسسات المختصة، بل يتطلب انخراط مختلف الفاعلين في المجتمع، فالأسرة تعد المدرسة الأولى لترسيخ قيم احترام البيئة، بينما تساهم المدرسة في غرس السلوك البيئي السليم لدى الناشئة، كما يؤدي المجتمع المدني والجمعيات والكشافة الإسلامية الجزائرية دورا مهما في تنظيم حملات تحسيسية ومبادرات ميدانية لترسيخ ثقافة المحافظة على الغابات والمحيط الطبيعي.
وفي المقابل، تضطلع وسائل الإعلام بمسؤولية كبيرة في تحويل الرسائل الوقائية إلى خطاب يرفع مستوى الوعي لدى الافراد
لهذا نقول ان المحافظة على البيئة لا ترتبط فقط بحماية الأشجار، بل تمتد إلى الحفاظ على التوازن البيئي والتنوع البيولوجي وجودة الهواء والموارد الطبيعية التي تمثل إرثا للأجيال القادمة.
كما لابد ان نشير إلى أن كل شجرة تحترق تحتاج سنوات طويلة لتنمو من جديد، بينما قد يكون تجنب خسارتها رهين تصرف بسيط يعكس وعيا ومسؤولية من فرد أو جماعة .
وأمام التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية وتزايد موجات الحر، يصبح الاستثمار في نشر ثقافة الوقاية خيارا استراتيجيا لا يقل أهمية عن توفير وسائل التدخل والإطفاء. فبقدر ما ينجح المجتمع في تحويل الوقاية إلى سلوك يومي، بقدر ما يعزز قدرته على حماية ثروته الغابية وتقليل الخسائر، لتبقى البيئة مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد وتمتد إلى جميع مؤسسات المجتمع.
























مناقشة حول هذا المقال