عرض اليوم الأربعاء وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، أمام أعضاء مجلس الأمة، مشروع قانون المتعلق بالتنظيم الاقليمي للبلاد، والذي يقضي بترقية إحدى عشرة مقاطعة إدارية إلى ولايات كاملة الصلاحيات.
ويأتي هذا المشروع في سياق الرؤية الشاملة التي انتهجتها الدولة الجزائرية تحت قيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والهادفة إلى عصرنة الإدارة، وتعزيز اللامركزية، وتحقيق تنمية متوازنة وشاملة عبر مختلف مناطق الوطن، بما يكرّس دولة قوية بمؤسساتها وقريبة من مواطنيها.
مشروع القانون خيار استراتيجي لا إجراء ظرفي
وخلال عرضه، شدد وزير الداخلية على أن ترقية المقاطعات الإدارية الإحدى عشرة لا تندرج ضمن قرارات ظرفية أو معالجات جزئية، بل تمثل خيارًا استراتيجيًا مدروسًا، استند إلى تقييم موضوعي لتجربة المقاطعات الإدارية التي تم استحداثها في السنوات الأخيرة.
وأكد أن هذه التجربة أثبتت نجاعتها في تقريب الإدارة من المواطن، وتحسين نوعية الخدمة العمومية، وتسريع وتيرة التكفل بانشغالات السكان، فضلًا عن تحسين التنسيق بين مختلف المصالح المحلية.
وأوضح سعيود أن هذا المسعى ينسجم مع فلسفة الدولة الرامية إلى تعزيز الحكامة المحلية، ونقل مراكز اتخاذ القرار إلى المستوى الأقرب للمواطن، بما يسمح بتسيير أكثر فعالية للملفات التنموية والإدارية، ويقلّص من البيروقراطية وتعقيد الإجراءات.
ولايات جديدة تعيد رسم الخريطة الإدارية
ويشمل مشروع القانون ترقية المقاطعات الإدارية لكل من: آفلو (الأغواط)، بريكة (باتنة)، القنطرة (بسكرة)، بئر العاتر (تبسة)، العريشة (تلمسان)، قصر الشلالة (تيارت)، عين وسارة ومسعد (الجلفة)، قصر البخاري (المدية)، بوسعادة (المسيلة)، والأبيض سيدي الشيخ (البيض).، وبموجب هذا التقسيم الجديد، سيصبح عدد ولايات البلاد 69 ولاية تضم 1141 بلدية.
وأشار الوزير إلى أن اختيار هذه المقاطعات لم يكن اعتباطيًا، بل استند إلى معايير موضوعية دقيقة، من بينها الامتداد الجغرافي، والكثافة السكانية، والموقع الاستراتيجي، إلى جانب المؤهلات الاقتصادية والاجتماعية التي تزخر بها هذه المناطق، ما يؤهلها للاضطلاع بدور محوري في دفع عجلة التنمية المحلية والجهوية.
خطوة رافعة للتنمية وتقليص الفوارق الجهوية
وأكد وزير الداخلية أن ترقية المقاطعات الإدارية إلى ولايات كاملة الصلاحيات تتجاوز مجرد تغيير إداري شكلي، لتعكس إرادة سياسية حقيقية في الاستجابة لتطلعات المواطنين، وتمكينهم من خدمات عمومية جوارية ونوعية، كما ستمنح الولايات الجديدة صلاحيات أوسع في مجال التخطيط والتنفيذ والمتابعة للبرامج التنموية، بما يضمن نجاعة أكبر في استغلال الموارد المحلية.
وأضاف أن هذه الخطوة ستسهم في تثمين المؤهلات الاقتصادية لهذه المناطق، واستقطاب مشاريع استثمارية مهيكلة، قادرة على خلق الثروة واستحداث مناصب شغل مستدامة، لاسيما في مناطق الهضاب العليا والجنوب، بما يساهم في تقليص الفوارق الجهوية وتحقيق العدالة التنموية.
وفي سياق متصل، كشف سعيود عن مرافقة عملية الترقية بمخطط متكامل يشمل الجوانب التنظيمية والبشرية والمالية، لضمان انتقال سلس دون أي انقطاع في تقديم الخدمة العمومية، مبرزا أن المقاطعات الإدارية المعنية سجلت، خلال أقل من سنتين من تنصيبها، قفزة نوعية في الأداء الإداري والتنموي.
ومن بين الإجراءات المتخذة، تعيين ولاة منتدبين وإطارات إدارية، وإعادة نشر 293 مستخدمًا، وفتح أكثر من 1800 منصب مالي بقطاع الداخلية، إضافة إلى 526 منصبًا بقطاعات أخرى، كما تم تخصيص غلاف مالي يفوق 10 ملايير دينار لتهيئة وتجهيز الهياكل الإدارية، واقتطاع 230 سكنًا وظيفيًا، وتجهيز المقاطعات بأكثر من 160 سيارة إدارية.
مرحلة انتقالية وتكييف الإطار القانوني
وأوضح وزير الداخلية أن ترقية هذه المقاطعات تستوجب مراجعة القانون رقم 84-09 المتعلق بالتنظيم الإقليمي للبلاد، مع إقرار فترة انتقالية مدتها سنة واحدة تمتد إلى غاية 31 ديسمبر 2026، تواصل خلالها الولايات الأم تسيير الصلاحيات والالتزامات إلى حين جاهزية الولايات الجديدة.
وبالموازاة مع ذلك، تم إعداد النصوص التطبيقية ذات الصلة، لاسيما تلك المتعلقة بتحديد الدوائر الانتخابية، وأسماء الولايات ومقراتها، وتشكيل البلديات وحدودها الإقليمية، إضافة إلى تقسيم الأصول والخصوم بين الولايات الأصلية والجديدة.
وفي هذا الإطار، أكد عضو مجلس الأمة، عيسى بورقبة، أن مشروع القانون يعكس تحولًا عميقًا في فلسفة الدولة، ويجسد رؤية استراتيجية لبناء جزائر متوازنة وقوية بمؤسساتها، معتبرًا أن التقسيم الإقليمي الجديد يكرّس حضور الدولة في كل مناطق الوطن، ويحرر الطاقات المحلية، ويعزز العدالة التنموية.
ومن جهته، شدد عضو مجلس الأمة يوسف بوكوشة على أن بناء دولة قوية يمر عبر مؤسسات منتخبة وتنمية مستدامة، داعيًا إلى ترسيخ الديمقراطية التمثيلية وتعزيز المشاركة الشعبية، باعتبارهما شرطين أساسيين لإنجاح هذا المسعى الوطني.
وفي ختام أشغالها، أدخلت لجنة الشؤون القانونية والإدارية بمجلس الأمة جملة من التعديلات على مشروع القانون، تكييفًا له مع دستور 2020 وتحسينًا لصياغته القانونية.
ويُنتظر أن يشكل هذا النص، في حال المصادقة النهائية عليه، محطة جديدة في مسار بناء دولة جزائرية حديثة، متوازنة، وقادرة على مواجهة تحديات التنمية والاستقرار بثقة ومسؤولية.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال