في زمن تتزايد فيه التحديات البيئية، ويشتد فيه خطر حرائق الغابات على النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي، من قلب جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا، حيث تنصهر المعرفة بالطموح، خطت ثلاث طالبات شابات خطوة لافتة نحو ابتكار علمي واعد، قد يشكّل نقطة تحوّل في مكافحة حرائق الغابات، في الجزائر ولما لا في العالم.
عجرود ألفة، حجاب ديهية، وأورحمون ليزة طالبات في طور الماستر بتخصص كيمياء الجزيئات الكبيرة تمكنّ، تحت إشراف الأستاذة الدكتورة حياة بريكي، في تطوير مركّب طبيعي مضاد للاحتراق، صديق للبيئة وخالٍ من التأثيرات السامة على التربة أو المياه، في سابقة قد تمهّد لحلول مستدامة لمعضلة لطالما أرّقت الجزائر: حرائق الغابات.
لقد استطاع الفريق البحثي إثبات فعالية المركب في التجارب المخبرية، ما أكسبه إشادة من اللجنة العلمية وفتح له آفاقًا واعدة للتطوير والتسجيل كبراءة اختراع.
في حوارنا هذا، نقترب أكثر من تفاصيل هذا المشروع الطموح، نكتشف بدايات الفكرة، التحديات التي رافقت البحث، والآفاق المستقبلية التي يأمل الفريق العلمي في بلوغها، على أمل أن يرى هذا الابتكار النور خارج أسوار الجامعة، كبراءة اختراع ذات أثر بيئي حقيقي.
كما نتحاور مع المؤطرة التي رافقت هذا المسار العلمي، حول أهمية احتضان الجامعات لمثل هذه المبادرات البحثية، ودورها في خلق جيل قادر على إنتاج الحلول لا استهلاكها فقط.
من “كلمة” إلى مشروع مبتكر
أكدت الطالبة حجاب ديهية، إن فكرة المشروع لم تكن وليدة الصدفة، بل ثمرة تفكير جماعي عميق، حيث تقول ” عند انطلاق مشروع التخرج، أردنا اختيار موضوع ذي جدوى مجتمعية واضحة وحل لمعضلة معينة”، “ومع تكرار لفظ ’ الحرائق‘في حياتنا اليومية، علِقَت الكلمة في أذهاننا، وقررنا التوجّه نحو هذا التحدي البيئي”.
حيث أكدن أنه بعد دراسة موسّعة للمواد المستعملة محليًا ودوليًا في مكافحة الحرائق، تبيّن أن أغلبها يركّز على الإخماد بعد اندلاع النار، فضلًا عن كونها مواد كيميائية سامة لها أثر سلبي واضح على التربة، النباتات، وحتى الحشرات النافعة.
حيث أكدت الباحثات، “لم يكن الهدف من هذا المشروع مجرّد إنتاج مادة مضادة للحريق، بل التأسيس لفكرة جديدة في التعامل مع الكوارث البيئية، فبدلًا من الركض خلف اللهب بعد اشتعاله، فكرت الطالبات خارج الصندوق: “ماذا لو منعنا اندلاع الحريق من الأصل؟ أو أخرنا وصول النيران بعض الشئ؟”.
“ما ينقصنا فعليًا هو منتج وقائي، يُستعمل قبل الحريق، لا بعده”، توضح الطالبات.

تركيبة طبيعية مئة بالمئة من المخلفات الزراعية
انطلاقًا من هذا المعطى، ركّز الفريق على تصميم مركّب يعمل كـحاجز وقائي يُذاب في الما ثم يرشّ على الغطاء النباتي أو التربة ليمنع وصول النار إليها.
اللافت في هذا الابتكار أن تركيبته تعتمد كليًا على نفايات او مخلفات غذائية وزراعية، ما يمنحه بعدًا بيئيًا مزدوجًا: أولًا باعتباره آمنًا وغير ملوّث، وثانيًا كونه يعيد توظيف فضلات كان يمكن أن تتحول إلى عبء.
بفضل تركيزهن على الاستدامة والفعالية، اختارت الطالبات العمل على مواد بسيطة ومتوفرة، مثل بقايا المنتجات الزراعية التي عادةً ما تُرمى أو تُحرق، ليُعدن توجيهها نحو إنتاج مركب ذكي وفعّال.
هذه الفكرة لوحدها، تفتح بابًا واسعًا أمام اقتصاد دائري أخضر، قائم على إعادة تدوير النفايات وتحويلها إلى حلول عملية ذات منفعة بيئية واقتصادية.
الطالبات اشتغلن على أربع تركيبات مختلفة، وتم تقديم واحدة فقط للاختبار وقد نجحت في اجتياز الاختبارات، مثبتة فعاليتها في صد الحريق وتأخير تمدده.
لقد أكدت الأستاذة بريكي حياة “مشروع مثل هذا لا يجب أن يبقى في أدراج الجامعة، بل يجب أن يُحتضن ويدعم من طرف المؤسسات العمومية والخاصة ذات العلاقة، على غرار المديرية العامة للغابات، وزارة البيئة، وهيئات البحث العلمي.”
اعتراف علمي ومهني
النتائج المخبرية أثارت اهتمام اللجنة العلمية المشرفة على المشروع، التي اعتبرت المنتج “تركيبة مبتكرة وأولى من نوعها محليًا”، كما حظيت المبادرة بإشادة من المديرية العامة للغابات، التي رأت فيها مشروعًا واعدًا يستحق المتابعة والدعم.
ويأتي هذا الاعتراف من الهيئات العلمية والغابية ليعزّز الثقة في قدرة الطلبة والبحث الجامعي على لعب دور فاعل في السياسات البيئية.
خطوة نحو التصنيع
تؤكد الطالبات أن المركب في صيغته الحالية جاهز تقنيًا للتحوّل إلى منتج صناعي قابل للتسويق، ويأملن في احتضانه من قبل الجهات المعنية، سواء عبر دعم مالي أو شراكة مع مؤسسات ناشئة أو هيئات حماية الغابات.
من جانبها، لم تُخفِ المؤطرة فخرها بما أنجزته الطالبات، مثمنةً التزامهن، وأخلاقهن العلمية العالية طوال فترة البحث، مؤكدة أن الإرادة الحقيقية وروح الفريق التي تمعتن بها الطالبات طيلة فترة العمل هي من ساهمت في إنجاح العمل.
لأن الحلم يستحق واجهن الصعوبات
لم يكن إنجاز هذا المشروع مجرد مسار أكاديمي تقليدي، بل تجربة حقيقية واجهت فيها الطالبات اختبارات قاسية على المستويين العلمي والإنساني. فمنذ انطلاقة الفكرة، أدركن أن التحدي لن يكون في صياغة نظرية جديدة فقط، بل في ثباتها عمليًا وسط ظروف بحثية محدودة.
أولى العقبات كانت غياب المخابر المجهّزة لإجراء تجارب خاصة بالمركبات المقاومة للحرائق، وهي تجارب دقيقة تتطلب شروط سلامة خاصة ومعدات غير متوفرة بسهولة داخل فضاء الجامعة.
وهنا، كان لتدخل المؤطرة، الأستاذة الدكتورة حياة بريكي، دور أساسي، حيث ساعدتهن في تأمين فضاء بحث وتجريب بالتنسيق مع مركز متخصص.
تطلّب ذلك جهودًا إضافية في التواصل والتنسيق مع مؤسسات خارجية، وهو ما لم يكن سهلًا بالنسبة لطالبات في طور الماستر.
كما حاولت الطالبات تطوير أربع تركيبات مختلفة، وهو ما تطلب ساعات طويلة من العمل والتحليل، والكثير من المحاولات.
لكن الأهم، كما تؤكد الأستاذة حياة بريكي، هو أنهن لم يستسلمن، بل واجهن كل ما اعترض طريقهن بـانضباط، أخلاق علمية عالية، وروح جماعية قوية، ما حول الصعوبات إلى حوافز، والتحديات إلى وقود دفع نحو النجاح.
في ختام هذا اللقاء، وجّهت الطالبات رسالة صادقة ومؤثرة إلى كل الطلبة الجزائريين والشباب الطامحين إلى ترك بصمة خاصة في مجالاتهم. دعوتهن كانت أكثر من مجرد نصيحة، بل كانت شهادة حيّة من تجربة واقعية تقول: “لا تنتظروا الظروف المثالية، بل اصنعوها بأنفسكم. “
“اتعبوا على أفكاركم، آمنوا بها، وطاردوها بشغف”، تقول الطالبات، مؤكدات أن الخوف من الفشل لا يجب أن يكون سببًا للجمود، بل دافعًا للمحاولة والتعلّم. فالعقبات — وإن كانت حتمية — ليست سوى محطات مؤقتة في طريق من يسير بخطى ثابتة نحو هدفه.
وأضفن: “نحن لسنا استثناءً، نحن فقط صدّقنا أن الفكرة تستحق أن تُمنح فرصة”، داعيات زملاءهم الطلبة إلى أن يخرجوا بأفكارهم من الورق إلى الواقع، وأن يتجاوزوا التردد، لأن الجرأة على البدء هي أول خطوة في طريق النجاح.
في ظل ما يشهده التعليم العالي من تحديات، يأتي هذا الإنجاز كرسالة واضحة بأن الجامعة الجزائرية قادرة على إنتاج المعرفة النافعة، متى توفرت الشروط الحقيقية للبحث، من تأطير ومرافقة وتجهيزات.
تؤمن الطالبات أن هذا المشروع، رغم بساطته، يمكن أن يتحوّل إلى نموذج لجيل جديد من الباحثين، الذين لا يكتفون بتشخيص المشكلات، بل يصنعون الحلول.
هو مشروع بيئي في ظاهره، لكن في جوهره هو درس في الإصرار، والابتكار، والثقة بالذات، قصة هذا الابتكار تمثل نموذجًا لما يمكن أن تُنجزه الجامعة الجزائرية عندما تُمنح الموارد والتوجيه، مشروع بسيط في بدايته، انطلق من فكرة عفوية، وبدافع إنساني وبيئي، تحوّل اليوم إلى حل علمي قابل للتطبيق، بفضل إرادة الطالبات ومرافقة الأستاذة.
في بلد يشهد سنويًا مئات الحرائق وخسارة آلاف الهكتارات من الثروة الغابية، قد تكون مثل هذه المشاريع خط الدفاع الأول، لا فقط ضد النيران، بل ضد النظرة النمطية لمخرجات الجامعة، الجزائرية.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال