في أجواء احتفالية تعبق بروح التاريخ والهوية، وتحتفي بالذاكرة الجماعية للشعب الجزائري، أحيت دار الشباب إدريس بلال بعين النعجة مناسبة رأس السنة الأمازيغية يناير 2976، من خلال برنامج ثقافي وفني متنوع، جمع بين الأصالة والإبداع، وسلط الضوء على الدور المتزايد للحرفيات الشابات في الحفاظ على التراث اللامادي وتطويره داخل فضاءات مؤسسات الشباب.
هذه التظاهرة لم تكن مجرد احتفال رمزي، بل تحولت إلى فضاء حيّ لتلاقي الأجيال، وإبراز طاقات نسوية شابة جعلت من الحرف التقليدية وسيلة للتعبير عن الهوية، ومصدرًا للتمكين الاقتصادي والاجتماعي، في ظل دعم مؤسساتي متواصل.
تنظيم محكم وبرنامج متنوع لإحياء يناير
وفي هذا السياق، أكدت عباسي أمينة، مديرة دار الشباب إدريس بلال بعين النعجة، أن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية جاء ثمرة تنسيق داخلي بين دار الشباب وجمعية ترقية نشاطات الشباب، بهدف إحياء هذه المناسبة الوطنية من خلال الإمكانيات المتوفرة داخل المؤسسة، والاعتماد على منخرطيها ومنشطاتها دون إشراك جمعيات خارجية.
وأوضحت أن البرنامج شمل تنظيم معرض ثقافي على مدار يومين، ضم نشاطات حرفية متنوعة، من بينها صناعة الشموع، الإكسسوارات، الأواني المنزلية التقليدية، إلى جانب معروضات تعكس الخصوصية الثقافية الأمازيغية، كما تم تخصيص فضاءات للتعريف بالعادات والتقاليد المرتبطة بيناير.
وأضافت المتحدثة أن اختتام الاحتفالات تميز بحفل فني احتضنته دار الشباب، تخللته عروض موسيقية من التراث الأمازيغي المتنوع، خاصة القبائلي، إلى جانب عرض مسرحي من أداء أطفال دار الشباب، في إطار نشاط “مسرح الطفل”، بهدف ترسيخ هذه المناسبة في ذاكرة الناشئة بأسلوب تربوي مبسط.
الحرفيات… الإبداع في خدمة الهوية
من جهة أخرى، اقتربت جريدة عالم الأهداف من الحرفيات المشاركات في هذه التظاهرة، أين أبرزوا حرفهن وما تبدعه أيديهن من حرف تقليدية أصيلة تعبر عن شساعة التراث الجزائري ومن بينه “يناير“.
ومن خلال ذلك، أكدت لنا الحرفية شامي عتيقة، أستاذة في تعليم صناعة الإكسسوارات التقليدية، أن مشاركتها في تظاهرة يناير تندرج ضمن مساعي الحفاظ على التراث الأمازيغي وتشجيع الشابات على تعلم الحرف اليدوية، مشيرة إلى أن عملها يركز على صناعة الإكسسوارات القبائلية التقليدية وتحضير بعض الأطباق المرتبطة بالمناسبة.
وأوضحت أن الإقبال الجماهيري على هذه التظاهرة كان معتبرًا، حيث يحرص الزوار سنويًا على زيارة المعارض والاطلاع على المنتوجات التقليدية، معتبرة أن هذا الإقبال يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية التراث الثقافي وضرورة الحفاظ عليه.
كما أشادت شامي عتيقة بإقبال الشابات على تعلم هذه الحرف، مؤكدة أن دار الشباب وفرت لهن فضاءً ملائمًا للتكوين والتأطير، ما ساهم في بروز مواهب حقيقية، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها السوق، وظهور التجارة الإلكترونية كوسيلة حديثة لتسويق المنتوجات الحرفية.
الشابات والعمل الحرفي… بين الشغف والاستقلالية
وفي السياق ذاته، عبرت الحرفية الشابة بوقير ياسمين، المتخصصة في صناعة الشموع والإكسسوارات، عن اعتزازها بالمشاركة في هذه التظاهرة رفقة والدتها، معتبرة أن دار الشباب شكلت فضاءً داعمًا ومشجعًا على التعلم والتجربة.
وأوضحت أنها شاركت هذه السنة بمنتوجات جديدة، من بينها الصابون الطبيعي، بعد تجربة ناجحة في السنة الماضية، مشيرة إلى أن الإقبال على منتوجاتها كان مشجعًا، خاصة وأن الجمهور أصبح أكثر اهتمامًا بالحرف التقليدية مقارنة بالسنوات السابقة.
وأضافت المتحدثة أن العمل الحرفي، بالنسبة لها، ليس مجرد هواية، بل حرفة حقيقية يمكن أن تشكل مصدر دخل، مؤكدة أن “صنعة اليد تبقى ذهبًا لصاحبها” متى اقترنت بالحب والإرادة، مشددة على أن الشابات اليوم أكثر انفتاحًا على تعلم هذه المهن، خاصة مع توفر فضاءات تكوين حقيقية وأساتذة مؤهلين.
ونوهت بوقير ياسمين بالدور الذي تلعبه دار الشباب في مرافقة النساء، حتى ربات البيوت، وتمكينهن من استغلال أوقاتهن وتطوير قدراتهن، مؤكدة أن المرأة الجزائرية قادرة على التوفيق بين مسؤولياتها العائلية وتحقيق ذاتها، رغم التحديات.
وتعكس تظاهرة الاحتفال برأس السنة الأمازيغية يناير 2976 بدار الشباب إدريس بلال بعين النعجة صورة مشرقة عن الدور الحيوي الذي تلعبه مؤسسات الشباب في صون التراث الثقافي الوطني، واحتضان الطاقات النسوية الشابة، وتحويل الحرف التقليدية من مجرد موروث إلى أداة للتمكين والإبداع.
وبين التنظيم المحكم، والتفاعل الجماهيري، وإبداعات الحرفيات، تتأكد مرة أخرى أهمية هذه الفضاءات في ربط الماضي بالحاضر، وضمان استمرارية الهوية الثقافية الجزائرية، عبر أيدٍ شابة تصنع الذاكرة وتبني المستقبل.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال