تشهد قبة مجلس الأمة هذه الأيام ديناميكية سياسية واقتصادية استثنائية، في ظل تواصل مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي يُعدّ أحد أهم المحطات التشريعية في مسار الإصلاحات الكبرى التي تباشرها الجزائر تحت قيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
وتتقاطع مداخلات أعضاء المجلس، من مختلف المجموعات البرلمانية، عند نقاط مركزية أبرزها تعزيز الاستدامة المالية، حماية الطابع الاجتماعي، مواصلة الإصلاحات الاقتصادية، دعم الاستثمار المنتج، وتكريس العدالة الاجتماعية باعتبارها جوهر السياسة الوطنية.
وخلال الجلسات، قدم رؤساء المجموعات البرلمانية مداخلات معمّقة تعكس حجم التحول الذي تعرفه البلاد، والتحديات التي تواجهها، والفرص التي يتيحها مشروع قانون المالية الجديد.
إصلاحات هيكلية كبرى… وبرلمان يثمّن المشاريع الوطنية
وبالمناسبة، أشاد رئيس المجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي، عروس ساعد، خلال الجلسة الختامية للمناقشات، بالأهمية الوطنية لهذه المرحلة التشريعية، مشيراً إلى أن سنة 2025 كانت سنة محورية بفضل إطلاق مشاريع هيكلية كبرى شملت السكن، الصناعة الصيدلانية، توسيع الخارطة الصحية، وتطوير البنى التحتية.
وأكد أن هذه الإنجازات تأتي نتيجة رؤية استراتيجية مدروسة تضع الجزائر على مسار تحديث عميق، لا سيما بعد استكمال مشاريع نقل حيوية، وتمديد الشبكات السككية، وإطلاق شراكات اقتصادية مع دول كقطر وإيطاليا والولايات المتحدة، في مجالات الطاقة والصناعات التحويلية.
كما لفت عروس ساعد إلى أهمية الخطوة التاريخية المتمثلة في ترقية 11 مقاطعة إدارية إلى ولايات كاملة الصلاحيات، معتبراً أنها تعكس إرادة سياسية واضحة في تعزيز التسيير المحلي وتحقيق تنمية عادلة عبر مختلف جهات البلاد.
وفي ملف الموارد المائية، شدّد على أن تحلية مياه البحر أصبحت خياراً استراتيجياً لمواجهة آثار التغيرات المناخية، وأن إنشاء خمس محطات جديدة سنة 2026 يمثل قفزة نوعية في تأمين موارد طويلة المدى للسكان والقطاعات الاقتصادية.
البعد الإفريقي في الاستراتيجية الاقتصادية الجزائرية
وفي محور يتعلق بالدبلوماسية الاقتصادية، أكد رئيس المجموعة البرلمانية أن سنة 2025 شهدت حضوراً جزائرياً قوياً في القارة الإفريقية، من خلال منتديات كبرى ولقاءات اقتصادية أسفرت عن توقيع عشرات الصفقات الاستثمارية.
واعتبر أن استعادة الجزائر لموقعها الطبيعي كجسر اقتصادي بين شمال القارة وعمقها الإفريقي يعزّز قدرتها على بناء شراكات مربحة، ويوسّع مجال نفوذها السياسي والاقتصادي وفق رؤية متوازنة قائمة على المصالح المشتركة.
قانون المالية 2026… ميزانية بحجم 135 مليار دولار وتطلعات اجتماعية واسعة
وخلال عرض تفاصيل الميزانية، التي تتجاوز 135 مليار دولار، شدد عروس ساعد على أن مشروع قانون المالية يكرس خيار الدولة في حماية الأمن الاجتماعي عبر مواصلة دعم الفئات الهشة، تعزيز صناديق التضامن، تمويل منحة البطالة، ومراجعة الأجور والمنح.
وأكد أن هذه التدابير ليست «مجرد إجراءات ظرفية»، بل تمثل ثوابت وطنية راسخة تضع المواطن في صلب السياسات العامة، معتبراً أن الإصلاح الاقتصادي لا يتعارض مع العدالة الاجتماعية بل يخدم استدامتها.
كما أشار إلى أن القطاعات الحساسة مثل الصحة والتربية والتعليم العالي تحافظ على حصص معتبرة من الميزانية، باعتبارها أساس بناء رأس مال بشري قادر على قيادة المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي.
ودعا إلى تسريع إصلاح المنظومة الجبائية والقطاع البنكي عبر الرقمنة، تعميم الدفع الإلكتروني، وتسهيل الاستثمار، مع التأكيد على ضرورة إدماج السوق الموازية لما تمثله من مورد ضخم للاقتصاد الوطني.
جبهة التحرير الوطني: ميزانية واقعية تستجيب لتحديات الداخل والخارج
والنائب محمد الهاشمي دباش، عضو مجموعة جبهة التحرير الوطني، قدّم من جهته قراءة معمقة للنص، مشيداً بالعمل الذي قامت به وزارة المالية ولجنة المالية والميزانية في دراسة المشروع.
وأكد أن مناقشة الميزانية في هذا السياق الدولي المعقد، الذي يتسم بعودة الأزمات العالمية وتصاعد التوترات الإقليمية، يجعل من مشروع قانون المالية وثيقة استراتيجية تهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية وحماية المكاسب الاجتماعية والاقتصادية.
واعتبر دباش أن مشروع القانون يعكس توجهاً واضحاً نحو رفع كفاءة الإنفاق العمومي وتوجيهه نحو القطاعات المنتجة، مؤكداً دعم مجموعته للإجراءات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية خلال اجتماع مجلس الوزراء، وعلى رأسها رفع منحة البطالة وزيادة المعاشات، لما تحمله من انعكاسات مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.
وأشار النائب إلى أن النهضة الفلاحية التي تعرفها البلاد تمثل حجر الزاوية في تحقيق الأمن الغذائي، مؤكداً أهمية استصلاح الأراضي، تعزيز الصناعة الغذائية، وتوسيع الاستثمار في الزراعة الذكية.
كما ثمن المشاريع الوطنية المتعلقة بالسدود ومحطات التحلية وشبكات جرّ المياه، معتبراً أنها ليست مجرد بنى تحتية بل أدوات استراتيجية لاستقرار اقتصادي واجتماعي طويل المدى.
وفي قطاع السكن، أكد دباش أن البرامج المتنوعة الموجهة لمحدودي ومتوسطي الدخل أصبحت ركيزة أساسية في السياسة الاجتماعية للدولة، مشيراً إلى أن قانون المالية يواصل دعم هذه البرامج بمقاربات مبتكرة.
كما أشاد القرار المتعلق بترقية 11 مقاطعة إدارية إلى ولايات، مؤكداً أنه يعزز التسيير المحلي ويمنح الجماعات المحلية قدرة أكبر على تنفيذ مشاريع تنموية فعلية.
وشدد على أن ورشة التحول الرقمي تُعدّ أعمق إصلاح تشهده البلاد حالياً، بما تحمله من أدوار في تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد وجذب الاستثمار ودعم المؤسسات الناشئة.
الأحرار: ضبط الدعم وتوسيع الوعاء الجبائي وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات المنتجة
وفي مداخلة ثالثة، أكد رئيس المجموعة البرلمانية للأحرار، الطاهر لزرق، أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يلتزم بالحفاظ على الاستقرار المالي دون المساس بالطابع الاجتماعي.
وقدم مجموعة من المقترحات أبرزها ضبط نظام دعم مستهدف قائم على قاعدة بيانات دقيقة، إعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية غير المحروقات، وترشيد النفقات الجارية.
كما دعا لزرق إلى تعزيز الشفافية والحوكمة في تنفيذ البرنامج المالي، وتوسيع الوعاء الضريبي عبر إصلاح شامل للنظام الجبائي، مشدداً على ضرورة دعم الفئات الهشة والمناطق المهمشة.
وأكد على أهمية مراجعة شروط الاستفادة من السكن الاجتماعي بما يتماشى مع الأجر الوطني الأدنى المضمون المحدد بـ24 ألف دينار، واقترح اعتماد سقف يعادل مرة ونصف القدر القاعدي.
وفي ختام مداخلته، ثمّن ما جاء في مشروع قانون المالية، وحيّا جهود اللجنة الاقتصادية والمالية، مؤكداً دعم مجموعته لكل الإصلاحات التي تعزز العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
ختام المناقشات وترقب المصادقة الخميس القادم
وفيما تتواصل المناقشات داخل مجلس الأمة، وتعمل اللجان المختصة على دراسة مختلف مواد مشروع قانون المالية واقتراح التعديلات النهائية، على أن يتم التصويت والمصادقة الخميس المقبل.
وتترقب الساحة الوطنية ما ستسفر عنه هذه الجلسات، بالنظر إلى أن المشروع يمثل وثيقة مصيرية تحدد توجهات السياسة المالية للعام المقبل، وتوازن بين ضرورات الاستقرار المالي والحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال