يشهد العالم اليوم تحوّلًا عميقًا في معادلات الطاقة، مع تسارع الانتقال من الوقود الأحفوري نحو الطاقات النظيفة كخيار استراتيجي لمواجهة تحديات المناخ وضمان أمن الطاقة على المدى الطويل، وفي قلب هذا التحول، يبرز الهيدروجين الأخضر كأحد أهم البدائل المستقبلية وأكثرها وعودًا، نظرًا لقدرته على تقليل الانبعاثات الكربونية وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والصناعي بين الدول.
في هذا السياق العالمي المتغير، تسعى الجزائر إلى تثبيت موقعها كفاعل رئيسي في سوق الطاقة المستدامة، مستفيدة من إمكاناتها الطبيعية الكبيرة، سواء من حيث الموارد الطاقوية التقليدية أو الطاقات المتجددة، إضافة إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي القريب من الأسواق الأوروبية. وقد جعلت من مشروع الهيدروجين الأخضر خيارًا استراتيجيًا طويل المدى، يرتبط بإعادة تموقعها في سلاسل التوريد الطاقوية العالمية، وتعزيز مكانتها كمورد موثوق للطاقة النظيفة نحو أوروبا.
ولا يقتصر هذا الرهان على الجانب الوطني فقط، بل يتعزز عبر شراكات دولية متنامية، خصوصًا مع الاتحاد الأوروبي وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، التي أبدت اهتمامًا متزايدًا بهذا المجال، سواء من خلال الدعم التقني أو التمويل أو بناء مسارات نقل مستقبلية مثل “الممر الجنوبي” الذي يُرتقب أن يربط شمال إفريقيا بأوروبا الوسطى.
ومن هذا المنطلق، يقدّم الخبير الطاقوي أحمد طرطار قراءة تحليلية معمقة حول واقعية هذه المشاريع، مدى جاهزية الجزائر، حجم التحديات المطروحة، وفرصها الحقيقية في المنافسة داخل سوق عالمي يتجه بسرعة نحو الطاقات النظيفة، حيث تتقاطع الطموحات الاقتصادية مع التحولات الجيوسياسية الكبرى في قطاع الطاقة.
واقعية هدف إنتاج 2 مليون طن من الهيدروجين الأخضر
يرى الخبير أن الجزائر منذ سنتين تقريبًا وهي مكرسة كل جهودها للشروع في إنتاج الهيدروجين الأخضر، وقد راهنت على أن تكون سنتا 2025 و2026 مرحلة حاسمة في هذا المسار، خاصة بعد تلقيها إشارات إيجابية من شركائها الأوروبيين التقليديين الذين يرغبون في الاستحواذ على هذا المنتوج، ويدفعون الجزائر بكل قوة لتحقيق هذا الهدف.
ويشير إلى أن هذا الزخم الأوروبي تجسد أيضًا في ما يسمى اصطلاحًا بـ”الممر الجنوبي”، الذي يربط إيطاليا بالنمسا وألمانيا، حيث جرى توفير نوع من حسن النية لشراء المنتوج في حال توفره.
جاهزية البنية التحتية الطاقوية في الجزائر
وبخصوص جاهزية البنية التحتية، يؤكد الخبير أن الاتحاد الأوروبي أبدى كل الاستعداد منذ سنة 2023، من خلال زيارات ومبادرات رسمية، للمساهمة في إنجاح هذا المشروع، سواء من حيث توفير التكنولوجيا اللازمة أو الدعم المالي.
كما أن ألمانيا أبدت انفتاحًا كبيرًا على هذا الملف، مع استعداد لتقديم دعم خاص في المجال التكنولوجي والتقنيات المستجدة المرتبطة بإنتاج الهيدروجين الأخضر.
ويضيف أن الجزائر تمتلك قدرات وإمكانات طاقوية هائلة، سواء المرتبطة بإنتاج الهيدروجين أو من خلال الموارد المائية والغازية، ما يجعلها في موقع طاقوي قوي. كما تراهن الجزائر على تتويج هذا المشروع في أقصى تقدير سنة 2032، بما يمكنها من احتلال مكانة مهمة كمورد أساسي للدول الأوروبية، خاصة ألمانيا والنمسا وإيطاليا، في إطار ما يعرف بالممر الجنوبي، إضافة إلى الشريك الإسباني الذي أبدى استعداده لاستيعاب هذا المنتوج.
وفي هذا السياق، يبرز وجود خط يربط الجزائر بإسبانيا، مع إمكانية توسيعه أو إنشاء خط إضافي لضمان تدفق أكبر لهذا المورد. كما أن الخط الرابط مع إيطاليا يمكن أن يستوعب نقل هذا المنتوج نحو أوروبا عبر الممر الجنوبي. وهناك أيضًا مشروع واعد بين الجزائر وإيطاليا يتمثل في إنشاء خط بحري مخصص للطاقة النظيفة، بحيث يُخصص لتصدير الكهرباء، بينما يوجه الأنبوب لتصدير الأمونيا والهيدروجين الأخضر والغاز المنقى.
ويخلص الخبير إلى أن هناك في الحقيقة جاهزية أولية على الأقل من حيث بداية تشكيل البنية التحتية، بما يضمن انطلاق المشروع، مع وجود تطمينات بخصوص التمويل، سواء من الدولة الجزائرية أو من خلال الشراكات الدولية، لاسيما الاتحاد الأوروبي وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا. وبذلك فإن كل الظروف مهيأة، وكل القدرات موجهة نحو هذا المنتوج البكر لتحقيق الهدف المنشود.
قدرة الجزائر على المنافسة في سوق الهيدروجين الأخضر
وفي ما يتعلق بإمكانية منافسة الجزائر لدول أخرى في سوق الهيدروجين الأخضر مثل المغرب أو السعودية أو أستراليا وغيرها، يوضح الخبير أن هذا الأمر مرتبط أساسًا بمرحلة التنفيذ الفعلي للمشروع، وبداية إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر.
ويؤكد أن الصورة ستتضح بشكل جلي حول قدرة الجزائر على إنتاج كميات كبيرة تلبي طلب الدول الأوروبية، وإمكانية منافسة الدول الرائدة في هذا المجال، سواء من حيث جودة المنتوج أو تكلفته أو بنيته التحتية.
كما يشير إلى أن الجزائر تمتلك ميزة تنافسية مهمة تتمثل في وجود خطوط نقل مباشرة نحو إيطاليا، ومنها إلى النمسا وألمانيا، إضافة إلى خط باتجاه إسبانيا يمكن أن يمتد حتى البرتغال، وهي ميزة لا تتوفر بنفس الشكل لدى باقي الدول المنافسة، ما يجعل بداية المنافسة تنطلق من هذه الأفضلية الجغرافية والبنية التحتية، قبل الانتقال إلى عناصر أخرى مثل التكلفة والجودة وحجم التدفق.
الإطار القانوني وجاذبية الاستثمار
أما بخصوص الإطار القانوني والتنظيمي، فيؤكد الخبير أن الجزائر حققت تقدّمًا مهمًا في هذا المجال، خاصة بعد تعديل قانون المحروقات في نهاية 2019، وتعديل قانون الاستثمار، وما تبعه من تنظيمات جديدة خلال سبتمبر 2022، والتي شملت حوالي تسعة نصوص تنظيمية.
وقد ساهم هذا الإطار في توفير بيئة أعمال جاذبة وداعمة للمستثمر الأجنبي، مع ضمانات قانونية وتنظيمية أكثر وضوحًا، وبذلك أصبحت الجزائر اليوم، حسب تعبيره، تمتلك بيئة أعمال تنافسية وإيجابية للغاية، مرشحة لاستقطاب استثمارات أجنبية مهمة وشراكات دولية في الآفاق القريبة القادمة.
يخلص هذا الحوار إلى أن الجزائر تقف اليوم أمام فرصة استراتيجية كبرى لإعادة تموقعها في خريطة الطاقة العالمية من خلال الهيدروجين الأخضر، وبين الطموح السياسي، والدعم الأوروبي، والإمكانات الطاقوية، تبقى معادلة النجاح مرهونة بسرعة الإنجاز، وتطور البنية التحتية، وقدرة الشراكات الدولية على تحويل الرؤية إلى واقع اقتصادي ملموس.
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن مشروع الجزائر في مجال الهيدروجين الأخضر لا يندرج ضمن الرهانات الظرفية، بل يعكس توجّهًا استراتيجيًا طويل المدى لإعادة تموقع البلاد في سوق الطاقة العالمية، فبين الإمكانات الطاقوية الكبيرة، والدعم الأوروبي المتزايد، والشراكات التقنية والمالية الواعدة، تبدو الجزائر أمام فرصة حقيقية لتعزيز حضورها كمزوّد موثوق للطاقة النظيفة في المستقبل.
غير أن هذا الطموح يبقى مرهونًا بقدرة البلاد على تسريع وتيرة الإنجاز، وتطوير البنية التحتية المتخصصة، وتثبيت شراكات تضمن نقل التكنولوجيا واستدامة التمويل، كما أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الإنتاج، بل في القدرة على الاندماج الفعلي في سوق عالمي شديد التنافسية، تحكمه معايير دقيقة تتعلق بالتكلفة والجودة وسلاسل التوريد.
وبين الطموح والواقع، تظل السنوات القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الجزائر ستنجح في تحويل هذا الرهان إلى إنجاز اقتصادي استراتيجي، أم ستبقى في دائرة المشاريع الواعدة.
حوارته بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال