أحداث الثامن من ماي 1945، تستوقفنا الذكرى كل عام ، ومعنا نسترجع أهم الأحداث الأكثر بشاعة وتنكيلا في حق الشعب الجزائري،تاريخ مهما تناقلته الوثائق والأفلام والكتب لا يمكن سبر أغواره ومعرفة تفاصيله،ويبقى تاريخا على الرغم من بشاعته، محرك إيجابيا، كشف خبث المستعمر وأصل في نفوس الجزائريين حقيقة أن الحرية تؤخذ ولا تعطى.
الأستاذ آدم الأمين: “أحداث 8ماي …تاريخ ينحني له التاريخ”
يؤكد الأستاذ آدم محمد الأمين أن أحداث 8 ماي 1945، تاريخ ينحني له التاريخ ،وبعد مرور 73 سنة على هذه المجازرالبشعة، لا تزال الجزائر الرسمية تراوح مكانها في مطالبة فرنسا بالإعتذارعن جرائمها الاستعمارية التي ارتكبتها في حق الجزائريين طيلة فترة الإحتلال، وبالمقابل نلاحظ أن فرنسا التي تتغنى بشعار الحرية والمساواة ترفض رفضا باتا الإعتذار عن الجرائم التي ارتكبتها في الجزائر، بل تتجرأ وتتكلم عن تمجيد الإستعمار وما قدمه، حسب ادعاءاتها، من خدمات النمو والإزدهار والتقدم في الجزائر ومختلف مستعمراتها.
وبالمقابل طالبت فرنسا في العديد من المناسبات من تركيا تحثها على الإعتذار للأرمن عن المجازر التي ارتكبتها ضدهم، ولا تزال صفحة الماضي المتمثلة بالحقبة الاستعمارية، وثورة التحرير الوطني، تلقي بإرثها ودلالاتها التاريخية الثقيلة على مستقبل العلاقات الفرنسية — الجزائرية.
فالماضي الإستعماري يعود بقوة من حين لآخر وتهب رياحه كلما أرادت فرنسا والجزائر التقدم على طريق إبرام معاهدة صداقة بين البلدين،وعلى الرغم من بعض المحاولات الجزائرية المحتشمة لدفع فرنسا للإعتراف بالجريمة الاستعمارية وإدانتها رسميا، لكن ذلك لم يتم بالطريقة التي يريدها الجزائريون.
حيث صرَح الرئيس الفرنسي الأسبق، فرانسوا هولاند لما زار الجزائر نهاية 2012، بأن “الإستعمار كان ظالما”، غير أن ذلك لم يكن كافيا في نظرالسلطات الجزائرية، أما الرئيس السابق نيكولا ساركوزي فقال في 2007 “أيها الجزائريون لا تطلبوا من الأبناء أن يعترفوا بذنب ارتكبه آباؤهم”، وسار الرئيس الفرنسي الحالي، إيمانويل ماكرون على نهج سلفه وتحاشى لدى زيارته الأخيرة للجزائر في ديسمبر 2017، الخوض في ملف الذاكرة، والإصرار على التركيز على علاقات مستقبلية ناجحة بدلا من الرجوع إلى الوراء، إلى التاريخ، متناسيا أن التاريخ هو هوية الدول وأصلها وأساس تواجدها.
وعلى فرنسا اليوم الإعتراف بجرائمها والإعتذارعما قامت به في حق الشعب الجزائري، وعلى
البرلمان الجزائري أن يطالب بتجريم الإستعمار الفرنسي و إسترجاع كل مانهب من الجزائر وعلى رأسها جماجم الشهداء التي لا زالت محتجزة في متاحف فرنسا ومدفع بابا مرزوق والوثائق الأرشيفية التي حملت عشية الإستقلال..
الأستاذة ديب نور الهدى:”الأحداث كانت المنعطف الحاسم في تاريخ الحركة الوطنية”
تؤكد الاستاذة نور الهدى ديب المختصة في التاريخ، أن التقاريراختلفت عن عدد القتلى والجرحى نتيجة أحداث الثامن ماي، فوزير الداخلية الفرنسي ، ذكر في تقريره أن عدد الجزائريين الذين شاركوا في الحوادث قد بلغ 50 ألف شخص، ونتج عن ذلك مقتل 88 فرنسيا و 150 جريحا. أما من الجانب الجزائري فمن 1200 إلى 1500 قتيل ( ولم يذكر الجرحى).
أما التقديرات الجزائرية حددت بين 45 ألف إلى 100 ألف قتيل أما الأجنبية فتختلف أيضا، وهي في الغالب من 50 ألف إلى 70 ألف، تضاف إلى حوالي 200 ألف بين قتيل و جريح و مختل عقليا من المجندين أثناء الحرب العالمية الثانية لإنقاذ فرنسا من سيطرة النازية.
أما جريدة ” البصائر” لسان حال جمعية العلماء المسلمين فقد قدرت عدد القتلى بـ 85 ألف، وذكرت الكاتبة “فرانسيس ديساني” في كتابها ”La Paix Pour Dix Ans”: أن السفير الأمــريكي في القاهرة “بانكنـي توك” (Pinkney Tuck) أخبر رئيس الجامعة العربية “عزام باشا” بأن هناك 45 ألف جزائري قتلهم الفرنسيون في مظاهرات 8 ماي 45، مما أغضب الجنرال ديغول من هذا التصريح باعتبارها قضية داخلية.
هذه المجازر جعلت الجزائريين يدركون بأن الاستعمار الفرنسي لا يفقه لغة الحوار و التفاوض، و ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة و عليه ينبغي التحضير للعمل العسكري.
وبحق كان الثامن من ماي المنعطف الحاسم في مسار الحركة الوطنية و بداية العدّ التنازلي لاندلاع الثورة المسلّحة التي اندلعت شرارتها في الفاتح من نوفمبر 1954.
الأحداث بدأت بمضاهرة سلمية وانتهت بمجازر دموية
في 8 ماي 1945 خرج الشعب الجزائري في كل من سطيف وقالمة وخراطة ومدن أخرى في مظاهرات شعبية حملت فيها اللافتات المطالبة بالحريات والمذكرة بالوعود والداعية الى تقرير المصير، ولكن القوات الاستعمارية واجهت المتظاهرين بمجازر دموية ، ليطلقوا العنان للنيران تحصد أرواح المتظاهرين وحلقت الطائرات المحملة بالقنابل والدمار تدك ضواحي قالمة وسطيف وخراطة، وكانت الحملة إبادة استغرقت أيام أسفرت عن قتل عشرات الالاف من الجزائريين.
ففي مدينة سطيف يوم الثلاثاء 8 ماي 45 نظم المتظاهرون مسيرة ضخمة قدر قوامها ب 15.000 متظاهر اتجهت نحو قبر الجندي المجهول وحمل أعضاء الكشافة الاسلامية العلم الوطني وبعد أن قتلت قوات الاستعمار الفرنس الطفل “بوزيد سعال ” حامل العلم الوطني انقسمت المظاهرة الى قسمين واشتبك المتظاهرون مع الفرنسيين ومات نتيجة ذلك عدد من الطرفين وبعدها قامت القوات الاستعمار بالمدينة باقتناص البشر وأصبحوا يطلقون النار على الجزائريين.
أما بمدينتي قالمة ففي يوم 08 ماي 1945 كان مواطنو قالمة على موعد مع القدر ليتعرضوا إلى ممارسات لا إنسانية تعكس الادعاءات الخاطئة عن مهمة فرنسا التمدنية في الجزائر، حيث بدأت المجزرة الرهيبة والتي يذكر أن ضحاياها من الجزائريين بناحية قالمة بلغ رقما قياسيا يتراوح بين 18 و25 ألفا شهيد.
كانت أحداث الثامن من ماي من العام 1945، إرهاصا كبيرا وبداية العد التنازلي لاندلاع الثورة الجزائرية التحريرية وبداية النهاية للوجود الاستعماري بالجزائر، حيث دعمت مبادئ الوطنيين وهزت النفوس وعملت على بعث تطلعات الشباب المناضلين الى اشعال نار الثورة ومن يومها بدأ التفكير الجاد في التخطيط للثورة ، ففي سنة 1947 أنشئت المنظمة الخاصة تحضيرا للثورة التحريرية الكبرى التي انطلقت شرارتها في الأول من نوفمبر من العام 1954، و استمرت تجلياتها حتى نيل الاستقلال من قبضة المستعمر الفرنسي في الخامس من جويلية من عام 1962.

























مناقشة حول هذا المقال