في مشهد جديد يجسد عمق روح التضامن والتكافل التي تميز المجتمع الجزائري، هب الشعب الجزائري، من مختلف الولايات لتنظيم حملة تضامنية واسعة لفائدة السكان المتضررين من حرائق الغابات الخطيرة التي اجتاحت عددا من مناطق الوطن، مخلفة خسائر بشرية ومادية معتبرة، لاسيما في عدد من ولايات الشرق والشمال الشرقي.
وفي الساعات الأولى من سماع الفاجعة، شهدت هذه الهبة التضامنية مشاركة واسعة من مختلف أطياف المجتمع، على غرار المواطنين، الجمعيات والمنظمات المدنية، الشباب، المتطوعين، إلى جانب صناع المحتوى الذين ساهموا بدورهم في التعريف بالحملة وحشد الدعم وجمع المساعدات الضرورية لفائدة العائلات التي تضررت من ألسنة النيران.
ولم تكن هذه المبادرة مجرد حملة لجمع المساعدات، بل شكلت صورة معبرة عن التلاحم الشعبي في مواجهة المحن والكوارث، حيث تحرك الجزائريون من مختلف الولايات، كل حسب قدرته، من أجل توفير المواد الأساسية والضرورية للسكان الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف صعبة نتيجة انتشار الحرائق وإجلاء العديد من العائلات من المناطق المتضررة.
وقد شملت المساعدات التي تم جمعها مختلف الاحتياجات الأساسية، على غرار المواد الغذائية، المياه، الأغطية، الألبسة، المستلزمات المنزلية وغيرها من المواد التي تحتاجها العائلات المتضررة، في وقت تكفل فيه المتطوعون بجمع وترتيب وتوجيه هذه المساعدات نحو المناطق التي سجلت أكبر الأضرار.
وتأتي هذه المبادرة في أعقاب موجة حرائق غابات واسعة مست عددا من ولايات الوطن، حيث شملت الحرائق 16 ولاية، وتركزت بشكل خاص في مناطق الشرق والشمال الشرقي للجزائر، التي شهدت اندلاع بؤر متعددة للنيران، وسط ظروف مناخية صعبة ساهمت في سرعة انتشارها وصعوبة التحكم فيها.
وكانت ولاية جيجل من بين أكثر الولايات تضررا، حيث سجلت خسائر كبيرة وعددا من بؤر الحرائق، خاصة على مستوى بلديات تاكسنة، زيامة منصورية، الميلية والشقفة، فيما مست الحرائق كذلك ولايات بجاية، تيزي وزو، سكيكدة، الطارف، ميلة، سطيف، تبسة، قالمة وغليزان، إلى جانب مناطق أخرى.
وخلفت هذه الحرائق خسائر بشرية ومادية، كما تسببت في أضرار مست الممتلكات والمناطق الغابية، واضطرت السلطات إلى اتخاذ إجراءات ميدانية لحماية السكان وإجلاء العائلات من المناطق التي شكلت فيها النيران خطرا على سلامتهم، الأمر الذي جعل الحاجة إلى التضامن الشعبي أكثر إلحاحا.
وفي خضم هذه الظروف، برز الدور الكبير للمجتمع المدني والمتطوعين، الذين كانوا في الصفوف الأولى لجمع المساعدات وتنظيمها وتوجيهها إلى مستحقيها، كما ساهم صناع المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي في إيصال نداءات التضامن إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين، وتحويل الفضاء الرقمي إلى وسيلة لحشد الجهود وتنظيم المبادرات الشعبية.
وقد عكست المشاركة الواسعة في هذه الهبة التضامنية أن البعد الإنساني يبقى حاضرا بقوة لدى الجزائريين، خاصة عندما يتعلق الأمر بأبناء الوطن الذين يواجهون ظروفا استثنائية، فالمسافة بين الولايات لم تمنع المواطنين من التعبير عن تضامنهم، بل تحولت المحنة إلى مناسبة لتعزيز مشاعر الوحدة والتآزر، حيث سارع الكثيرون إلى تقديم ما يستطيعون من مساعدات، مؤكدين أن الوقوف إلى جانب المتضررين مسؤولية جماعية.
كما حملت هذه المبادرة رسالة واضحة مفادها أن مواجهة آثار الكوارث لا تقتصر على الجهود الرسمية وحدها، وإنما تتطلب أيضا انخراط المجتمع بكل مكوناته، لاسيما الجمعيات والشباب والمتطوعين وصناع المحتوى، الذين يمكنهم لعب دور مهم في تنظيم حملات الإغاثة والتوعية وتوجيه الدعم نحو المناطق الأكثر احتياجا.
وبينما تواصل الجهات المختصة جهودها للتعامل مع آثار الحرائق وحصر الأضرار ومرافقة المتضررين، يبقى التضامن الشعبي أحد أبرز الصور التي رافقت هذه الأزمة، حيث أثبت الجزائريون مرة أخرى أن المحن قادرة على توحيد الصفوف وإبراز قيم التكافل التي طالما شكلت جزءا أصيلا من المجتمع.
إن الهبة التضامنية التي شهدتها مختلف الولايات ليست مجرد جمع للمواد والمستلزمات، وإنما هي تعبير عن موقف شعبي راسخ مفاده أن المتضرر من الحرائق ليس وحده في مواجهة آثارها، وأن الجزائريين، مهما اختلفت مناطقهم، يظلون شعبا واحدا تتقاسم مكوناته الأفراح كما تتقاسم الأزمات، في صورة إنسانية تعكس أصالة قيم التضامن والتكافل الاجتماعي في الجزائر.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال