في سياق التطور المتسارع الذي يشهده قطاع الطيران والتكنولوجيا الحديثة في الجزائر، يشكل الإعلان عن حصول مركز البحث في التكنولوجيات الصناعية، من خلال مؤسسته الفرعية EPE CRTI SKY-TEC ENGINEERING SPA، على أول اعتماد وطني لتكوين طياري الطائرات دون طيار على المتن من الصنفين 1 و2، خطوة نوعية تعكس توجه البلاد نحو تعزيز التكوين المتخصص ومواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية.
ويأتي هذا الإنجاز ثمرة جهود متواصلة وتعاون مثمر مع المركز الوطني لمنظومات الطائرات دون طيار على المتن، بما يرسخ مسار دعم الابتكار وتطوير الكفاءات الوطنية في المجالات التكنولوجية المتقدمة.
وفي هذا الإطار، أجرت يومية “عالم الأهداف” حواراً مع رائد الأعمال في مجال خدمات الأرصاد الجوية للطيران، ومدير ووكيل مصنع فوكسون للطائرات الرياضية الخفيفة في الجزائر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ سنة 2016، يحيى المعبودي، للوقوف على أبعاد هذا الاعتماد وأهميته وانعكاساته على مستقبل قطاع الطائرات دون طيار في الجزائر.
حيث أكد لنا رائد الأعمال أن نجاح هذا المسار يرتبط بمدى الاستثمار في التكوين، وتوسيع الشراكات، وتعزيز ثقافة السلامة والاحترافية، بما يضمن للجزائر موقعاً متقدماً في هذا المجال التكنولوجي المتطور.
كما أشار إلى أن حصول الجزائر على أول اعتماد وطني لتكوين طياري الطائرات دون طيار يُعد خطوة مهمة جداً في مسار تطوير قطاع الطيران في البلاد.
وأوضح أن هذا التوجه يساهم في ترسيخ استخدام الطائرات دون طيار بطريقة قانونية ومنظمة، قائمة على الوضوح والشفافية في تعامل القطاعين العام والخاص مع هذا المجال، إضافة إلى اعتماد منظومة تكوين رسمية تضمن رفع مستوى الاحترافية.
كما شدد المعبودي على أن هذا الإنجاز من شأنه خلق حافز حقيقي لدى الشباب، بدءاً من الجامعة وصولاً إلى المدارس الثانوية، من أجل الانخراط في هذا التخصص الجديد، بما يفتح أمامهم آفاقاً مستقبلية ويعزز تكوين جيل جديد من الكفاءات القادرة على قيادة قطاع الطيران في المستقبل.
كما أكد المعبودي أن هذا الاعتماد الوطني سيساهم بشكل كبير في تكوين كفاءات جزائرية قادرة على مواكبة التطورات العالمية في مجال الطائرات دون طيار.
وأوضح أن الاتفاقية الخاصة بتدريب وتعليم الشباب الجزائري وتطوير قدرات الموارد البشرية تمثل فرصة حقيقية لتطوير مختلف قطاعات الطيران في الجزائر، كما أنها تشكل خطوة مهمة نحو تحقيق الأهداف المستقبلية في هذا المجال.
وأضاف أن هذا الاعتماد يُعد مرحلة أساسية في مسار الانخراط في التطورات العالمية المتعلقة بالدرونز، بالنظر إلى حاجة الجزائر المتزايدة إلى هذا التخصص، خاصة في مجالات أمن وسلامة الطيران واستكشافاته.
كما أشار المعبودي إلى أن الطائرات دون طيار تفتح المجال أمام فئات واسعة من الشباب، بما في ذلك تلاميذ المتوسط والثانوي وطلبة الجامعات، ما يجعلها فرصة لتوسيع قاعدة التكوين وبناء جيل جديد من الكفاءات في هذا القطاع.
كما أكد المختص أن جميع المجالات الاقتصادية في الجزائر يمكنها الاستفادة من الطائرات دون طيار (الدرون)، نظراً لتعدد استخداماتها وتنوع وظائفها.
وأوضح أن قطاع النقل يُعد من أبرز هذه المجالات، بل ويمكن اعتباره الأول من حيث الأهمية، حيث تتيح الطائرات دون طيار القيام بالمراقبة الجوية، ومتابعة الأحوال الجوية، ومراقبة حركة النقل بمختلف أنواعه، إضافة إلى رصد الازدحام سواء في النقل البري أو البحري أو الجوي، فضلاً عن استخدامها في المهام الأمنية ذات الصلة بالمجال.
كما أشار المعبودي إلى أن المجال الصناعي يُعد بدوره من القطاعات المستفيدة، من خلال مراقبة الأمن والسلامة داخل المنشآت الصناعية، وإمكانية تسهيل بعض العمليات اللوجستية مثل الربط بين المصانع ونقل المعلومات أو المهام في وقت وجيز عبر الطائرات دون طيار، إضافة إلى دورها في المراقبة الجوية للمواقع الصناعية.
وأضاف رائد الاعمال المختص أن القطاع الفلاحي يمثل مجالاً محورياً أيضاً، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالتقنيات الحديثة للطيران، وبيّن أن الطائرات دون طيار تتيح مراقبة المحاصيل الزراعية والأحوال الفلاحية بشكل دقيق، خاصة في المساحات الواسعة مثل الصحراء الجزائرية التي تضم آلاف الهكتارات القابلة للاستغلال الزراعي.
ولفت إلى أن هذه التقنية تسمح بمتابعة حالة المزروعات ورصد الأمراض أو الإصابات المحتملة قبل نضج المحاصيل، ما يساهم في التدخل المبكر وتحسين الإنتاج. كما يمكن استخدامها في عمليات المعالجة الجوية أو الرش الزراعي، سواء عبر الدرون أو الطائرات الخفيفة من نوع LSA، بما يضمن سرعة وفعالية أكبر في التدخلات الزراعية.
أكد المتحدث أن التكوين المتخصص واحترام معايير السلامة في تشغيل الطائرات دون طيار أمر بالغ الأهمية، نظراً للدور المتنامي لهذه التكنولوجيا في مختلف المجالات.
وأوضح أن هذا التكوين يكتسي أهمية خاصة في عمليات المعالجة الجوية داخل قطاع الزراعة والعلوم الزراعية، إضافة إلى مختلف القطاعات الاقتصادية الأخرى التي يمكن أن تستفيد من الطائرات دون طيار في مجالات المراقبة والخدمات التقنية.
كما شدد على أن الالتزام بمعايير السلامة يُعد ضرورة أساسية، باعتبار أنها تستند إلى معايير دولية معتمدة، وعلى رأسها المنظمة الدولية للطيران المدني “إيكاو” (ICAO)، مشيراً إلى أن الطائرات دون طيار أصبحت اليوم ضمن اهتمامات هذه المنظمة ولها إطار تنظيمي خاص بها.
وختم بالتأكيد على أن إدماج هذه المعايير في التكوين والتشغيل يضمن سلامة الاستخدام ويرفع من مستوى الاحترافية ويعزز موثوقية هذا القطاع.
أكد المتحدث، في إجابته عن سؤال مدى توفر الجزائر على المقومات اللازمة لتطوير صناعة وطنية للطائرات دون طيار والتحديات التي ينبغي تجاوزها، أن الجزائر لا تمتلك حالياً البنية التحتية الصناعية الكافية لتصنيع هذا النوع من التكنولوجيا، كما أشار إلى وجود نقص في الإمكانيات الصناعية في المرحلة الراهنة.
غير أنه أوضح في المقابل أن هذا المجال يبقى ممكناً مستقبلاً، بالنظر إلى ما تتوفر عليه البلاد من إمكانيات علمية ومؤهلات بشرية يمكن البناء عليها لتطوير هذه الصناعة. وأضاف أن الإمكانيات المستقبلية متاحة، رغم محدودية الوضع الحالي، ما يفتح المجال أمام إمكانية التأسيس التدريجي لصناعة وطنية في مجال الطائرات دون طيار والطائرات الخفيفة.
كما شدد على أن الجزائر تتوفر على مقومات مهمة، من بينها الاستقرار السياسي والأمني، الذي اعتبره عاملاً أساسياً داعماً لأي مشروع صناعي أو استثماري في هذا المجال، إلى جانب توفر الأمن عبر مختلف مناطق البلاد، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.
وأشار إلى أن إنشاء مصانع متخصصة في الطائرات المسيرة والطائرات الصغيرة من شأنه أن يساهم في تطوير قطاعات متعددة، مثل الفلاحة، النقل، الصناعة، مراقبة الأحوال الجوية، إضافة إلى مجالات الأمن والسلامة، وهو ما سينعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية في الجزائر.
وختم بالتأكيد على أهمية العمل المشترك بين مختلف الفاعلين لتجسيد هذا الطموح، مبرزاً أن الهدف هو بناء صناعة مستدامة ومتطورة في مجال الطيران الحديث، مع تقديم شكره وتحيته لكل الأطراف المعنية بهذا المسار.
يبرز من خلال هذا الحوار أن اعتماد أول برنامج وطني لتكوين طياري الطائرات دون طيار يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة متكاملة في هذا المجال، قادرة على تكوين كفاءات وطنية متخصصة ومواكبة التطورات العالمية في تكنولوجيا الطيران. كما يعكس هذا الإنجاز إرادة واضحة في دعم الابتكار وتعزيز القدرات المحلية، وفتح المجال أمام الشباب والمؤسسات للانخراط في قطاع واعد يحمل آفاقاً اقتصادية وعلمية واسعة.
بلقيس بوزيان
























مناقشة حول هذا المقال