يصادف الثالث من شهر ماي من كل عام، اليوم العالمي لحرية الصحافة، هذه الأخيرة التي لم تعد مجرد سلطة رابعة كما كان يطلق عليها في السنوات الأخيرة من القرن الماضي، بل صار لها من الأهمية مايجعل لها مكانة تستطيع بها التأثير على السلطات الثلاث، وتساهم في صنع الرأي العام وتؤثر على القرارات .
وعلى الرغم من هذه المكانة فلا تزال تشكل حرية التعبير موضوعا أسال الكثير من الحبر ولا يزال بين المسؤولية الأخلاقية والإجتماعية وبين حرية الصحافة، حدود يصنعها الصحفي نفسه إذا ما فقه دوره الأخلاقي ورسالته للوطن والمجتمع.
وعن واقع حرية التعبير في الجزائر وعلاقته بالمسؤولية، وكذا عن شكل تبلور هذا المفهوم في الدول الغربية، تواصلنا مع بعض الأكادميين والإعلامين للوقوف على تجليات هذا المفهوم على المستوى النظري وعلى مستوى الممارسة العملية.
الدكتور الحاج تيطاوني:”من المهم الوصول إلى ممارسة إعلامية تراعي جدلية الحرية والمسؤولية”
بخصوص واقع الصحافة الجزائرية اليوم، يؤكد الدكتور الحاج تيطاوني وهو أستاذ بقسم الإعلام جامعة خميس مليانة، أن الصحافة الجزائرية كغيرها مثل الإعلام الجماهيري في كل بلاد العالم تعرف تراجعا ومنافسة أمام ما يسمى بالإعلام الجديد أو الإعلام عبر الوسائط الجديدة وأضحت شبكات التواصل الاجتماعي تستهلك حيزا كبيرا من اهتمامات الأفراد الأمر الذي ينبئ باتجاه متصاعد نحو الاختفاء الإرادي لكثير من الصحف عن المشهد الإعلامي .
فالحديث عن واقع الصحافة الجزائرية اليوم وفق جدلية الحرية والمسؤولية يبدو أن فوضى المهنية ما تزال تتحكم في كثير من مآلاتها وعلاقة الصحافة بالحكومة مرتبطة في كثير من تفاعلاتها بقانون الإشهار الذي طال انتظاره.
فحرية التعبير حسب الدكتور تيطاوني فصل فيها دستور 2020 بشكل ممتاز وتوجه عديد الصحف نحو الوسائط الجديدة عبر الأنترنت اكسبها الكثير من الجرأة في تحرير الخطاب الإعلامي لرجل الإعلام، غير أن احتكار الإشهار العمومي يبقى الوتر الذي تعزف عليه مسألة اكتمال حرية التعبير لدى الناشرين في مجال الإعلام، بحكم أن الإشهار هوالذي يمنح الموت أوالحياة والاستمرارية للكثير من العناوين الصحفية.
وفي سؤالنا حول ماحققته الصحافة الجزائرية من مكاسب في حرية التعبير يقول ذات المتحدث أن ما تحقق في دستور فبراير1989 وما انبثق عن قانون الإعلام لعام 1990 شيء استثنائي أنذاك لكنها مكاسب ظرفية لم تستطع حماية الصحافة من مخالب الفوضى ومظاهرالتنمر السائد يومها في الكثير من المنابر الإعلامية .
فالحرية المطلقة يقول تيطاوني مفسدة في كثير من مظاهرها وتداعياتها لذلك من المهم الوصول إلى ممارسة إعلامية تراعي جدلية الحرية والمسؤولية، وهو ما نلمسه في مشروع القانون المزمع تقديمه للبرلمان في الأشهر القادمة، قانون إعلام يراعي واقع الممارسة الإعلامية في ضوء التحول الكبير في مجال الإعلام والاتصال، قانون يساير واقع و توجهات البيئة الإعلامية محليا وجهويا وقاريا، إعلام محترف يفهم دور القطاع في التنمية والأمن المعلوماتي ويفهم معادلة الصراع القيمي والاقتصادي والإيديولوجي ومكانة الإعلام في ذلك كمحرك حاسم لكثير من المعارك.
وفيما يتعلق بحرية التعبير في الجزائر مقارنة بالدول الأخرى يضيف الدكتور تيطاوني لا يمكن الحديث عن حرية التعبير في بعده السياسي فحسب بل أن حرية التعبير في العصر الحديث باتت تمتد إلى إمكانية عصرنة التشريع في مواجهة التطور التكنولوجي في مجال الإعلام، وباتت ترتبط كذلك بالحوكمة والحكم الراشد والحكومة الإلكترونية .
فحرية التعبير ليست قضية غلق الصحف والزج في السجون وسحب الجرائد من الأسواق، فإذا كان الأمر كذلك فحرية التعبير في الجزائر رائدة، ولكن تمكين الممارسة الإعلامية من فضاء ومناخ إبداعي يستجيب لأفضل ميكانيزمات العمل الاحترافي في مجال الإعلام، هذه المعادلة تبقى محتشمة في ظل تسجيل استمرار قنوات تلفزيونية ما تزال في وضع قانون شائك وصحفيين في وضعيات اجتماعية ومهنية سيئة، وعناوين تظهر وتختفي وصحفيين دون تكوين إعلامي حقيقي، كل ذلك يبقى كمؤشر لمنظومة إعلامية جزائرية في حاجة إلى قانون يضبط ممارساتها وإلى عمل يجعل إعلامنا أكثر احترافية.
الدكتور العيد زغلامي ” الأداء الإعلامي إلى حد الآن يفتقر إلى المزيد من المهنية و الاحترافية و الموضوعية”
حول موضوع الأداء الإعلامي بين الحرية والمسؤولية يؤكد الدكتور “زغلامي العيد” وهو أستاذ بجامعة الجزائر3 كلية علوم الإعلام و الاتصال، قائلا ” إن الأداء الإعلامي إلى حد الآن يفتقر إلى المزيد من المهنية و الاحترافية و الموضوعية وهذا الذي يجعل نوع من النفور من طرف الجمهور العريض، فيهجر تماما من وسائل الإعلام التقليدية إلى وسائل الإعلام الاجتماعية و شبكات التواصل الاجتماعي”.
فالفجوة بين الجمهور ووسائل إعلامه تزيد اتساعا ، يضيف زغلامي “فربما يوجه العتاب إلى المنظومة الإعلامية في حد ذاتها لأنها لم ترق درجة الاحترافية”.
وفيما يتعلق بحرية الصحافة، يقول ذات المتحدث أن هناك فهم خاطئ للحرية أو تضييق للحرية وهذا ربما نتيجة عدم احترافية الصحفي وفي نفس الوقت هناك ضغوطات سياسية ومالية تجعل الصحافة تفتقد إلى الوسائل التي تسمح لها بممارسة العمل الصحفي و الوصول إلى الخبر، فحرية التعبير تمت دسترتها وفق دستور2020، فمن المفروض الصحفي المهني يوظفها ويستغلها لتأكيد و تجسيد الحرية على أرض الميدان.
فالمسؤولية الاجتماعية تقع على عاتق الصحفي يقول الدكتور زغلامي، من خلال التزامه بقواعد مهنية ومصداقية والتحلي بأخلاقيات العمل فالأمر الأساسي هو التأكيد من مصدر الخبر و تعدده لتفادي الأخطاء، و في نفس الوقت الامتثال إلى قواعد الخدمة العمومية و خدمة الصالح العام و الابتعاد عن ذاتيته و مصالحه الضيقة.
وحول واقع حرية التعبير في الغرب وعلاقته بالجزائر، يقول ذات المسؤول “إن هناك ما يسمى بقيم مشتركة عالميا و هناك قيم مرتبطة بالسياق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، فكل ما في الأمر هو أنه لا يمكن لدولة لديها خصوصياتها الاجتماعية و الثقافية والاقتصادية والدينية و القيمية أن تندمج و تنسجم مع هذا التوجه، فلا يمكن نسخ ما هو موجود في الغرب و تقديمه في الجزائر، وهذا هو الإشكال الواقع الآن، لأن الغرب يريد تقييم حريتنا انطلاقا من قناعتهم وهو غير منطقي لأننا نملك قيمنا و أخلاقنا.
رياض هويلي” التعامل مع الحرب الأوكرانية وما يحدث في فلسطين تكشف زيف الخطاب الغربي بشأن حرية التعبير”
بالنظر لواقع الأداء الاعلامي يؤكد رياض هويلي مسؤول النشر في جريدة “أخبار الوطن” ورئيس نقابة ناشري الإعلام قائلا:”أن ممارسة مهنة الصحافة يجب أن تكون مقرونة بالمسؤولية خاصة وأن هذه الممارسة تهتم بالشأن العام وتمس بحياة الناس ومصالحهم المادية والمعنوية والثقافية والأخلاقية فضلا على أن هذه المسؤولية يؤطرها القانون لذلك نجد فيها شق الواجب والحق وفق ما يقتضيه القانون، فالحرية ملازمة للمسؤولية فلا يمكن مساءلة من لا يملك حرية ومن هنا فالحرية تقتضي تحمّل تبعاتها والا أصبحت الأمور فوضى وتعسف”.
وبالنسبة لحرية التعبير حسب مفهوم الغرب يقول هويلي “فقد ظهرت العديد من الأدلة التي كشفت زيف الخطاب الغربي حيال الحرية والديموقراطية وكيفية ممارستها حيث تشير هذه الدلائل إلى أن الغرب يعتمد على معايير ازدواجية ينهى عن أشياء ويأتي مثلها، لما يتعلق الأمر بمصالحه وما لاحظناه كيف يتعامل مع الحرب الأوكرانية من تضييق على وسائل الإعلام الروسية ومنعها من العمل، في حين يندد بهذه الممارسات في دول أخرى وكيف يتحول هذا الحق في أوكرانيا إلى باطل في فلسطين فنحن أمام مفاهيم من صناعة الأقوياء لذا يجب علينا إعادة النظر فيها”.
الإعلامي عبد الحكيم أسابع ” حرية التعبير مكفولة قانونا و ننشد أن يترجم ذلك في النصوص التطبيقية”
و في ذات الصدد أكد الصحفي بجريدة النصر عبد الحكيم أسابع، قائلا: ” التشريعات الخاصة بالممارسة الإعلامية في الجزائر تعززت بشكل لافت في السنوات الأخيرة بما يمكن من رفع سقف حرية التعبير إلى مستوى أعلى ولاسيما في دستور 2020 الذي أقر بدسترة حرية الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية والإلكترونية، ونص في هذا السياق على حق الصحفي في الوصول إلى مصادر المعلومة ” في إطار القانون” فضلا عن رفع التجريم عن العمل الصحفي ومكاسب أخرى كفيلة بترقية مهنة الإعلام، هذه المواد أعتقد أنها كفيلة بالرفع من مستوى الأداء عند صحفيينا و ضمان خدمة إعلامية راقية ولا شك أن المسؤولية تقع على مهنيي الإعلام و قدرتهم على أن يكونوا قوة اقتراح من خلال التنظيمات التي تمثلهم من أجل الحفاظ على ديمومة هذه المكاسب”.
وفي ذات السياق يضيف أسابع “فلا يختلف اثنان في أن حرية التعبير تتوقف على مدى احترامنا لمتطلبات المهنية والاحترافية والتقيد بالمسؤولية في ممارسة حرية الصحافة و التعبير، فالمعاهدات الدولية و خاصة العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية يضع في المادة 19 منه مجموعة قيود على تلك الحريتين المتمثلة في عدم المس بالنظام العام و الأمن الوطني و سمعة الآخرين و الصحة و الأخلاق العامتين” و هي القيود التي يجب أن تكون مفروضة بموجب القانون”.
فحرية الصحافة و التعبير من أهم ركائز دولة القانون والتي لا يمكن بدونها التأسيس للشفافية و المساءلة، يقول الإعلامي أسابع “فمن المؤكد أن النصوص الأساسية للدولة الجزائرية و على رأسها الدستور تكرس حرية التعبير والصحافة فيجب أن تترجم هذه الإرادة في نصوص تطبيقية ننتظر صدورها في أقرب وقت خاصة تلك المتعلقة بتشكيل سلطة ضبط سواء للصحافة المكتوبة و الإلكترونية أو اللجنة الوطنية لمنح بطاقة الصحفي المحترف”.
ويستطرد أسابع قائلا ” فالحراك الشعبي الأصيل كان في حد ذاته أحد أشكال ممارسة حرية التعبير بشكل جماعي، ويعتبر أساس بناء الجزائر الجديدة، ولكن من جانب آخر فحرية الصحافة و الإعلام يجب أن تتجنب الوقوع في شراك أو فخ بعض الأطراف المشبوهة التي تعمل على الترويج للأخبار الكاذبة لإثارة الفوضى، بل يجب وضع سياسة إعلامية للدولة ترقى إلى مستوى تطلعات الشعب، من خلال تحديد المسؤوليات مسبقا عبر قوانين تضبط حدودها، وهذا يتوقف على قدرة الأسرة الإعلامية على الاستمرار في النضال من أجل الدفع نحو إصدار آليات و نصوص تطبيقية للقوانين المنظمة لقطاع الإعلام المرتقبة التي تنتظر إعادة صياغتها بما يستجيب لوضع أسس و قواعد تضمن المهنية و الاحترافية و تحدد حقوق و واجبات الصحفي”.
و من جانب آخر أوضحت ” فريدة حسين” مسؤولة النشر بجريدة المحور بالقول ” بنظرة عامة الجميع يتفق أن حرية التعبير في الجزائر نسبية، و لعل ذلك يفسر عدم الاستقرار القانوني لان الدساتير و القوانين والمواثيق المتعلقة بها تتغير بتعاقب وتوالي المسؤولين، وهذا لا يمنع من وجود استثناءات كاستقلالية الجمعيات والنشاط النقابي رغم بعض العراقيل”.
ومن ثم تضيف حسين فإن مسألة حرية التعبير تخضع لاختلاف فهمها سواء عند الفرد أو الجماعة، لهذا فالممارسة تختلف وتتفق وهذا أمر طبيعي عندما تمس الأسس و المبادئ التي يتفق عليها العام والخاص أنها مقدسة، فمثلا بالنسبة للنقابات تعبر أحيانا عن مواقفها باعتصامات و إضرابات وهي حرة في ذلك إلا أن الوصول إلى حد شل مصالح العامة يعتبر مبالغة في ممارسة الحق النقابي”.
وفيما يتعلق بحرية التعبير الممارسة بقي الحكم في مواقع التواصل الاجتماعي أوعبر وسائل الإعلام، فقد يختلف اثنان بخصوص وجودها من عدمه ، تقول مسؤولة النشر” لكن الواقع يقر بأن الأشخاص يمارسون حرياتهم عبر هذه الوسائل بل أحيانا يتجاوزون القيم والقوانين بما في ذلك المساس بخصوصيات الغير من قذف و جرح لفظي و هذا كله إن تم كبحه بقوة القانون فلا يعني معارضة حرية التعبير”.
زهور بن عياد/ نزيهة سعودي

























مناقشة حول هذا المقال