الكثير منا لا يعرف أن البطلة العالمية والأولمبية الجزائرية، نورية بينيدة مراح، المتحصلة على المعدن النفيس في أولمبياد سيدني، عانت كثيرا لتحقيق هذا الانجاز، ورغم مرور أكثر من 20 سنة على تلك اللحظات التاريخية ودموعها التي أبكت وأفرحت الجزائريين، لاسيما مع ما شهده هذا الوطن من أحزان خلال العشرية السوداء، حيث كان متعطشا للأفراح، ما تزال البطلة الجزائرية تحتفظ بذلك اليوم التاريخي كأنها عاشته بالأمس فقط.
اصطحبتنا إلى ملعب “ساطو” لألعاب القوى بالمركب الأولمبي 5 جويلية، أين استجمعت ذكرياتها، هذا المكان الذي كان ومازال جزءا لا يتجزء من حياتها، حيث قالت بأنه ورغم اعتزالها للمنافسات الرياضية، إلا أنها مازالت تأتي لهذا الملعب بين الفترة والأخرى للممارسة رياضتها المفضلة ألا وهي العدو، كما أنها تقوم بمساعدة زوجها الذي يسهر على تدريب الرياضيين في ألعاب القوى من بينهم عدائين متأهلين لأولمبياد طوكيو هذه الصائفة.
نورية التي وجدناها اليوم أم لبنتين، حكت لنا قصتها مع رياضة ألعاب القوى، كيف بدأت الرحلة، تضحياتها ومعاناتها في سبيل تجسيد حلمها، تأثير الدعم العائلي على نجاح الرياضي، رؤيتها ونصائحها للأجيال الحالية في مجال الرياضة، وعديد المفاجآت تجدونها في هذا الحوار.

نورية بينيدة مراح، من مواليد سنة 1970، بطلة أولمبية في ألعاب القوى، كيف اتجهت لهذا التخصص الرياضي؟
بدأت قصتي مع الرياضة وعمري 11 سنة، نشأت في حي شعبي رياضي حيوي “ديار السعادة ” بالجزائر العاصمة، كان يحتوي على ملعب لكرة السلة، وكان شباب الحي كلهم يمارسون الرياضة، وكنت عندما أراهم أتمنى أن أصبح مثلهم في يوم من الأيام، كانت عائلتي أيضا تتكون من رياضيين منهم من يمارس كرة الطائرة وكرة السلة، ولدي أخت وأخ كانوا يمارسون ألعاب القوى، أتذكر أنه عندما كانت تصل الساعة الخامسة مساءا كان شباب الحي بما فيهم إخوتي يتجهون لممارسة الرياضة، ومن هنا بدأت أمارس تخصص كرة السلة في الحي، وعندما انتقلت إلى المرحلة المتوسطة أصبحت أشارك في الألعاب المدرسية حتى سنة 17 سنة ، وعندما بلغت 18 سنة اتجهت إلى تخصص ألعاب القوى، ولأنني ترعرعت في وسط عائلي يمارس الرياضة فقد وجدت الدعم والتشجيع من جميع أفراد العائلة بما فيهم الوالد رحمه الله، وجدتي رحمها الله التي كانت تعيش معنا وكانت تقول لي قبل كل منافسة “ما تخلي حتى وحدة تربحك”.
حدثينا عن حكاية نورية مع ألعاب القوى وأهم انجازاتها
أحيطكم علما أنني بدأت في تخصص السرعة و الحواجز 100 متر و 200 متر، وفي سنة 1995 استطعت أن أحقق أرقام جيدة في 800 متر، وفي سنة 1996 ارتقيت إلى 1500 متر لأحقق بعدها بأربع سنوات لقب بطلة أولمبية في هذا التخصص، وقبلها تمكنت من التتويج بالذهب في دورة ألعاب البحر المتوسط لسنة 1997 التي جرت بايطاليا، كما تحصلت على ألقاب افريقية، و أهمها بالنسبة لي هي الميدالية الأولمبية سيدني 2000، التي تعد الذهبية الرابعة للجزائر في تاريخ الألعاب الاولمبية، بعد ذهبيات بولمرقة عام 1992 ونور الدين مرسلي في سباق 1500 م عام 1996 في اتلانتا والملاكم حسين سلطاني في الوزن الخفيف بالملاكمة عام 1996 أيضا، كما كانت الميدالية الرابعة للجزائر في سيدني بعد 3 برونزيات حققها كل من عبد الرحمن حماد في الوثب العالي وجابر سعيد القرني في سباق 800 م ومحمد علالو في الملاكمة.
خضت السباق الأولمبي بذكاء كبير حيث تركت المبادرة للاثيوبية كوتري دوليشا والبريطانية كيلي هولمز لتتصدران السباق قبل أن أنتزع المركز الأول بفضل السرعة النهائية في الـ200 م الأخيرة برغم الجهود الكبيرة التي بذلتها تشيكيلي ومواطنتها تشابو.
لم يكن أحد ينتظر فوزي في الأولمبياد، خاصة وانني كنت آنذاك في المرتبة الرابعة عالميا، و الترشيحات كانت متوجهة للأمريكية والبريطانية والإثيوبية، لكنني نجحت –والحمد لله -في اجتياز خط النهاية في المركز الأول، متفوقة على البطلة الشهيرة تشابو التي كانت قد أحرزت ذهبية سباق 5 آلاف متر قبل أيام، انه انتصار للمرأة الجزائرية خصوصا في ظل الصعوبات الجمة التي واجهتها، قبل التتويج، صراحة لم أحظى بالدعم لا المادي ولا المعنوي آنذاك، تدربت في ظروف صعبة جدا، لا يمكن ان يتحملها إلا من كان يحمل رسالة وهدف وارادة قوية لتجسيدها، لم يتم توفير التربصات الملائمة، أتذكر أنني حظيت في بداية مشواري الرياضي في سنة 1996 على تربص تكفل به نور الدين مرسلي بعد أن اطلع على امكانياتي وما حققته من أرقام وطنية آنذاك، فتكفل بتربص في المكسيك وآخر في الولايات المتحدة الأمريكية، بعدها تمكنت من إحراز ذهبية ألعاب البحر المتوسط سنة 1997، وقبل الأولمبياد استفدنا من تربص في المغرب بالضبط بمنطقة إفران التي تقع على ارتفاع يبلغ أكثر من 5413 قدم، لا يمكن أن تتصوري شدة البرد التي كانت في ذلك الوقت 4 تحت الصفر داخل الغرفة، تم كراء فيلا هناك، عانينا من ظروف صعبة جدا، يمكن أن ألخصها في أننا لم نكن نحصل على أغطية كافية عند النوم، حيث يستفيد كل رياضي من غطاء واحد فقط، تصوري 4 تحت الصفر بغطاء واحد، كان جلد أصابعي يتعرض للإصابات من شدة البرد، لا يمكنني أن أنسى معاناتي في تلك الفترة، فلا مجال للمقارنة بين مستوى تحضيراتي وتحضيرات المتنافسات الأخريات من أوروبا وأمريكا، التي تحظى بدعم لا محدود من اتحاداتها الوطنية ومن الشركات الراعية، أما نحن فان اعتمادنا يكون عادة على قوة العزيمة والصلابة المعنوية وإرادة الله الذي يقف دائما مع عبده المثابر، ويعطيك على حسب نيتك وصبرك واجتهادك، هي ذكريات أليمة جدا بالنسبة لي، بعدها عدنا إلى الجزائر وقررت البقاء فيها لإجراء المعسكر التدريبي الأخير قبل الاولمبياد مباشرة، خاصة أمام نقص الامكانيات والدعم المادي، وكنت أتدرب يوميا هنا في ملعب ساطو، لذا أقول لمن يريد النجاح في الأولمبياد بأن الرياضي هو من يصنع النجاح، “فمن جد وجد ومن زرع حصد”، وتجربتي تعد مثالا حيا لما اقول، حيث قدمت تضحيات كبيرة من أجل رفع علم الجزائر في الالعاب الاولمبية، حتى أنني عندما عدت إلى البيت من المغرب، لاحظ أبي –رحمه الله- أن أصبعي كانت محروقة وكنت أضع عليها الضمادات، فكان يقول لي ” علاه عليك هاذ الحالة”، لكنني عندما أحرزت اللقب الأولمبي، وتمكنت من صعود منصة التتويجات، وعزف النشيد الوطني ورفع الراية الوطنية في سماء سيدني، قال لي بأن ذلك يستحق التضحية فعلا، وقد وفقت في رفع اسم بلادي عاليا، وأنا سعيدة جدا، لم يأتي ذلك الانجاز بسهولة حيث كان السباق تكتيكيا، وتخوفت كثيرا من التعثر وسط الازدحام الكثيف لكنني نجحت في الابتعاد عن العداءات الأخريات، واجهت صعوبة كبيرة في الأمتار الأخيرة من السباق لكنني تمكنت من الصمود –والحمد لله-، ومباشرة بعد تحقيقي للفوز أهديته للشعب الجزائري، لم أتذكر أحد آنذاك سوى هذا الشعب المناضل، الذي أكن له كل الحب والتقدير.

لعل نورية مراح وجدت دعما وسندا كبيرا من زوجها ومدربها، ماذا يمثل هذا العامل في مسارك الرياضي؟
زوجي عمار لم يكن مدربي فقط، بل كان يشغل 4 مناصب وكان يمثل فريق عمل بالنسبة لي، فعلاوة على أنه مدربي، كان يشغل منصب المدلك والمرافق والمختص النفسي والمساعد، لقد كان وجوده مهما جدا بالنسبة لي وساهم بنسبة كبيرة في الانجازات التي حققتها، أذكر أنه كان يحفزني قبل السباقات ويعطيني نصائح يحاول من خلالها تجنيبي الضغط النفسي.
أقاطعها لأسألها، ماهي النصائح التي وجهها لكي قبل دخولك ميدان المنافسة في اولمبياد سيدني؟
أذكر جيدا ماذا قال لي آنذاك، ” نورية لا تقلقي، لقد قمتي بما عليك، وحضرتي جيدا، يمكنك التتويج، فقط حاولي تجنب القلق والاكتظاظ الذي يؤدي إلى التعثر والسقوط ” أجبته بكل ثقة: ” مهمتك تتوقف هنا، والباقي سيكون على عاتقي، أنا قادرة على التتويج بإذن الله”، وقلت في نفسي بأن بلد المليون ونصف شهيد، يحتاج أن أضحي من أجله، ويجب أن أحرز نتيجة في هذا الحدث لأرفع علم الشهداء.
وبعد أن توجت بالذهب قال لي ” لما اجبتني بتلك القوة والثقة بالنفس عرفت انكي ستحققين نتيجة إيجابية، صراحة لم أكن أتوقع الذهبية بل البرونزية، والذهبية جاءت بفضل ارادتك وقوة عزيمتك ” وأضاف “أجرينا تدريبات شاقة وها نحن نجني الثمار”، وقال لي أيضا “كنت قلقا في الامتار الـ 400 الاولى، لكن سرعان ما تحسنت الأمور وأصبحت واثقا من قدرتك على إحراز احد المراكز الثلاثة الأولى في السباق”.
بحكم خبرتك في هذا المجال، صنع الأبطال في الرياضة كيف يتحقق ؟
باختصار، صنع الأبطال في رياضة ألعاب القوى لا يأتي بالصدفة، لكن بالجدية في العمل سواء من طرف الرياضي أو المدرب، والوصول إلى النجومية العالمية في الرياضة بمختلف اختصاصاتها يتطلب المثابرة في العمل لفترة طويلة.

شكلت مرحلة التسعينيات فترة التتويجات لألعاب القوى بامتياز، هل هي أعمال ذاتية أم تعود للتسيير والامكانيات؟
رياضة ألعاب القوى تشهد تراجعا في المستوى وفي كل اختصاصاتها ويعود ذلك لأسباب عديدة أبرزها الافتقار للاحتكاك مع المستوى العالمي، فالمنافسات في الخارج قلّت بكثير ولم نعد ننظم هنا في الجزائر منافسات دولية، فضلا عن أن التربصات في الخارج لفائدة رياضيي ألعاب القوى ليست متوفرة، وهذه المعسكرات الخارجية مهمة جدا بالنسبة للرياضي، حيث تساعده على تطوير إمكانياته البدنية والتقنية، والممارس لهذه الرياضة في الجزائر، عادة ما يتعين عليه التضحية كثيرا إذا ما أراد تحقيق الأهداف التي رسمها لنفسه، وأنا شخصيا نجحت في تحقيق جزء من أهدافي بفضل التضحيات الكبيرة التي قمت بها، وليس بفضل الإمكانيات المسخرة، كنت أتدرب بمساعدة زوجي وبإمكانياتنا الخاصة، ولم أستفد سوى من تربص واحد في الخارج دام لبضعة أيام فقط في المغرب كما سبق وأن ذكرت، وذلك قبل مشاركتي في أولمبياد سيدني سنة 2000، لقد ذهبت إلى أبعد حد فيما يتعلق بالمجهودات الذاتية التي بذلتها آنذاك، وطبقت المقولة الشهيرة “لما نريد سنصل إلى الهدف”، مما ساعدني على إحراز ذهبية سباق 1500م، وأقولها بصراحة لقد ضحيت ونجحت من أجل تشريف بلدي قبل كل شيء ولست نادمة على تلك التضحيات، وأحمد الله لأنه وفقني في هذا المسعى.
رياضة ألعاب القوى في الجزائر لم تعد قادرة على إنجاب أبطال عالميين وأولمبيين، وأنجبت في الفترة الأخيرة مخلوفي فقط، الذي حقق انجازات في نفس التخصص 1500 متر، بعد سنوات طويلة من غياب الجزائر عن منصة التتويج في المحافل الدولية، لذا يجب إعادة النظر ومراجعة السياسات والمناهج المتبعة في هذا المجال من خلال البحث عن المواهب وصقلها من طرف مدربين أكفاء.
هل فعلا تعرضت بينيدة مراح في مسارها الرياضي للظلم والحقرة، متى حدث ذلك وما طبيعته؟
نعم تعرضت كثيرا للظلم والحقرة خلال مسيرتي كرياضية وبعدها كمسيرة وعضو في اللجنة الاولمبية الجزائرية، كرياضية لم أتحصل على حقي في التربصات الخارجية وبالتالي لم أتمكن من الاحتكاك بالأبطال العالميين في التخصص، باعتبار أن عامل الخبرة والاحتكاك مهمان جدا في الرياضة، كما أنني أقصيت من المشاركة في منافسات دولية رغم أنني كنت أحصل على الحد الأدنى المؤهل للبطولات، أما في فترة عضويتي في اللجنة الاولمبية الجزائرية حيث شغلت منصب نائب الرئيس، وجدت نفسي لا أملك أي سلطة في اتخاذ القرار، واكتشفت أنهم جاءوا بي كبطلة أولمبية معروفة في الساحة الوطنية شكليا فقط، حيث كنت اعطي بعض الاقتراحات ولم تكن تنفذ، وحتى الاجتماعات التي كنا نقوم كانت تحتوي على بعض القرارات التي تبقى حبرا على ورق ولا تنفذ في الميدان، وجدت نفسي أدور في حلقة مفرغة، انصدمت بواقع مرير، وأنا التي كنت أطمح لتغيير العديد من الأمور في الساحة الرياضية خاصة وانني جربت معاناة الرياضيين، “وما يحس بالجمرة غير اللي كواتو”، أردت من خلال هذا المنصب أن تكون لي بصمة في تحسين ظروف الرياضيين لكن للأسف بقي الحال على ما هو عليه، ولم أتمكن من ذلك، كرياضية سابقة وبطلة أولمبية أشعر بحزن عميق ولا يشعر به إلا الرياضيون، في البداية لم أكن أفهم ما يحدث، لكن مع مرور الوقت، اتضحت الأمور، حيث كان الرئيس يسعى لترك الأمور على ماهي عليه، وكنا خلال الاجتماعات الدورية، نتفق على أمور، ونتفاجأ في التطبيق الميداني بأمور أخرى، فأنا امرأة ميدان ولست امرأة مكتب أو إدارة، وأعرف جيدا ما يعانيه الرياضي في الواقع.
قبل أسابيع قليلة من الحدث العالمي أولمبياد طوكيو، هل هناك رياضيين ترشحونهم لاعتلاء منصة التتويج؟
أولا أهنئ كل الرياضيين الجزائريين الذين تأهلوا للألعاب الأولمبية طوكيو 2021، أنا أعلم أن هذا التأهل لأكبر حدث رياضي عالمي ليس بالأمر الهين، ويحتاج لعمل كبير، وهذا إنجاز في حد ذاته، وللتتويج بالذهب يمر الرياضي في الأولمبياد على عدة مراحل أيضا للوصول إلى المرحلة النهائية، أتمنى النجاح لجميع الرياضيين، وبحكم تتبعي للعدائين الذين يشرف زوجي على تدريبهم لاحظت أنهم يملكون قدرات كبيرة، كما أنهم قاموا بمجهودات جبارة في حصص التدريب، حيث كنت أحرص على مرافقتهم في بعض الحصص، وقمت بإعطائهم النصائح وإفادتهم بالخبرة الميدانية التي أملكها في المجال، وهم الآن متواجدون في تربص بتركيا، وآمل -إن شاء الله- أن يتمكن أحدهم من رفع علم الجزائر في طوكيو.
أجرت الحوار / كريمة بندو

























مناقشة حول هذا المقال