تشير أحدث التقديرات الصادرة عن عدد من الهيئات الزراعية الدولية إلى تحسن ملحوظ في إنتاج الحبوب بالجزائر خلال موسم 2026/2027، مع توقعات ببلوغ الإنتاج الوطني نحو 5 ملايين طن، وهو أعلى مستوى مسجل منذ سنوات، بالتزامن مع تراجع نسبي في احتياجات البلاد من واردات القمح.
وتعكس معطيات منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» ووزارة الزراعة الأمريكية، إلى جانب بيانات المفوضية الأوروبية، تحسناً في مردودية المحاصيل، مدفوعاً بالظروف المناخية الملائمة التي ميزت الموسم الفلاحي الحالي، فضلاً عن توسيع مساحات السقي ورفع مستوى المكننة الفلاحية.
وتتوقع «الفاو» أن يبلغ محصول الحبوب في الجزائر قرابة 5 ملايين طن خلال 2026، بزيادة تقدر بنحو 30 بالمائة مقارنة بالمتوسط، وبنحو 800 ألف طن مقارنة بمحصول 2025 الذي بلغ 4.2 ملايين طن.
وفي المقابل، تقدر احتياجات الجزائر من واردات مختلف الحبوب لموسم 2026/2027 بنحو 14.5 مليون طن، من بينها حوالي 8.5 ملايين طن من القمح، وهو مستوى يعكس انخفاضاً مقارنة بالمعدلات المسجلة في السنوات السابقة، بفعل تحسن الإنتاج والمردودية المحلية.
وتتجه الجزائر، وفق المعطيات المتداولة، نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح الصلب خلال الموسم الزراعي الجاري، وهو ما من شأنه تقليص فاتورة الاستيراد بأكثر من 1.5 مليار دولار، فيما سيستمر استيراد القمح اللين لتغطية احتياجات الصناعات التحويلية وضمان مستويات كافية من المخزون الاستراتيجي.
تحسن الإنتاج ينعكس على ميزان الحبوب في شمال إفريقيا
وعلى المستوى الإقليمي، أظهرت بيانات تقرير العرض والطلب الزراعي العالمي «WASDE-674»، الصادر عن وزارة الزراعة الأمريكية في 12 أوت الجاري، تحسناً في إنتاج الحبوب بدول شمال إفريقيا، التي تضم الجزائر ومصر وليبيا والمغرب وتونس.
ووفق التقرير، يرتقب أن يرتفع الإنتاج الإجمالي للمنطقة من 17.42 مليون طن خلال موسم 2025/2026 إلى 23.10 مليون طن في موسم 2026/2027، بزيادة تقدر بـ32.6 بالمائة.
وبالتوازي مع ارتفاع الإنتاج، يُتوقع أن تتراجع واردات دول المنطقة من القمح من 35.57 مليون طن إلى 29.10 مليون طن، أي بانخفاض يقارب 18.2 بالمائة. كما خفض التقرير تقديراته لواردات المنطقة بـ500 ألف طن مقارنة بتوقعات شهر جويلية، مع تعديل المخزونات الختامية إلى 14.10 مليون طن.
الذرة والأعلاف تواصل الضغط على فاتورة الاستيراد
ورغم التحسن المسجل في إنتاج القمح، تبقى احتياجات الجزائر من الذرة والحبوب الخشنة مرتفعة، بالنظر إلى الطلب المتزايد عليها من طرف قطاعي تربية المواشي والدواجن وصناعة الأعلاف.
وتتوقع «الفاو» أن تستورد الجزائر نحو 5 ملايين طن من الذرة خلال موسم 2026/2027، بزيادة تقدر بـ10 بالمائة مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية، لتلبية احتياجات الصناعات المرتبطة بالأعلاف.
وعلى المستوى الإقليمي، يتوقع تقرير «WASDE» ارتفاع إنتاج الحبوب الخشنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 37.88 مليون طن، مقابل واردات تقدر بـ47.21 مليون طن، فيما يبقى الاستخدام الموجه للأعلاف مرتفعاً عند حدود 74.09 مليون طن.
ويرتبط التحسن المسجل في توقعات الإنتاج الوطني بعدة عوامل ميدانية، أبرزها تحسن الظروف المناخية مقارنة بالمواسم السابقة، حيث ساهمت التساقطات المطرية التي بدأت منذ ديسمبر 2025 في الحد من آثار الجفاف الذي شهدته بعض المناطق في بداية موسم البذر، إلى جانب تسجيل أمطار فوق المتوسط في مناطق بشرق البلاد وارتفاع مستويات السدود المخصصة للسقي.
كما دعمت السلطات الحملة الفلاحية بتجنيد أكثر من 10 آلاف حصادة، بهدف رفع مردودية الهكتار من 15 إلى 30 قنطاراً، والوصول إلى إنتاج يتجاوز 50 مليون قنطار، أي ما يعادل 5 ملايين طن من الحبوب.
وتشير تقديرات نظام الإنذار المبكر الأوروبي إلى تحسن مردودية القمح بنحو 17 بالمائة والشعير بـ55 بالمائة مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية، رغم تسجيل ارتفاع في درجات الحرارة خلال نهاية الموسم، الأمر الذي أدى إلى تسريع نضج المحاصيل في بعض مناطق غرب البلاد.
وتعكس هذه المؤشرات تحسناً في وضعية الأمن الغذائي بالجزائر خلال موسم 2026، مدعوماً بارتفاع الإنتاج المحلي وتحسن المردودية والتوجه نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح الصلب، بما قد يساهم في تقليص الضغط على فاتورة الاستيراد.
غير أن استمرار الحاجة إلى استيراد القمح اللين والذرة، خصوصاً لتلبية احتياجات الصناعات الغذائية وقطاع الأعلاف، يؤكد بقاء جزء من الطلب على الحبوب مرتبطاً بعوامل هيكلية، في انتظار الإعلان عن الحصيلة الرسمية والنهائية لموسم الحصاد والتجميع.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال