يطرح مشروع قانون المالية لسنة 2027 جملة من التحديات المرتبطة بقدرة الدولة على تمويل النفقات العمومية المتزايدة، والحفاظ على التوازنات المالية، ومواصلة دعم القدرة الشرائية للمواطنين، بالتوازي مع تعزيز الاستثمار العمومي وتنويع مصادر الدخل الوطني.
وفي ظل استمرار ارتباط جانب مهم من الإيرادات بتقلبات أسواق المحروقات، تبرز ضرورة اعتماد خيارات مالية واقتصادية تضمن استدامة البرامج الاجتماعية وتحويل الاعتمادات المرصودة إلى نتائج ملموسة على مستوى النمو والتشغيل.
وفي هذا السياق، يسلط الخبير الاقتصادي نبيل جمعة، في حوار خص به جريدة “عالم الأهداف”، الضوء على أبرز التحديات المرتبطة بمشروع قانون المالية 2027، متوقفا عند حجم النفقات العمومية والتحويلات الاجتماعية وكتلة الأجور، وانعكاسات التوظيف الجديد على سوق العمل والميزانية، إلى جانب رهانات الاستثمار العمومي وبرامج السكن وضرورة تنويع الاقتصاد الوطني، مؤكدا أهمية الانتقال من منطق تخصيص الاعتمادات المالية إلى منطق قياس النتائج والمردودية الاقتصادية والاجتماعية
بداية: كيف تقيمون المؤشرات المالية لمشروع قانون المالية 2027؟
تكشف المعطيات المنشورة حول مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن حجم الالتزامات المالية التي تواجه الدولة، إذ تقدر النفقات العمومية بنحو 17.882,6 مليار دينار، مقابل إيرادات متوقعة تبلغ 9.251,14 مليار دينار، في حين تصل التحويلات الاجتماعية إلى 4.415,35 مليار دينار، وتقدر كتلة الأجور بنحو 6.087 مليار دينار.
وتعكس هذه الأرقام أهمية الإنفاق الاجتماعي في السياسة المالية للدولة، لكنها تطرح في المقابل تحديا يتعلق بضرورة ضمان موارد مالية مستقرة لتمويل الالتزامات المتكررة، خاصة أن الإيرادات المرتبطة بالمحروقات تظل عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وحجم الإنتاج والصادرات.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الاستدامة المالية باعتبارها مجرد تقليص للنفقات، بل يتعين العمل على تحسين مردوديتها، وترشيد توجيه التحويلات الاجتماعية، وتعزيز تحصيل الضرائب ومكافحة التهرب الجبائي، إلى جانب توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
كما أن التوازن المالي يتطلب الاستعداد لمختلف السيناريوهات، سواء تعلق الأمر بارتفاع أسعار المحروقات أو استقرارها أو تراجعها، من خلال ترتيب الأولويات وحماية النفقات الاجتماعية الأساسية، مع توجيه الموارد الإضافية نحو المشاريع المنتجة والقادرة على خلق الثروة.
ما أثر المناصب المالية الجديدة على التشغيل والميزانية؟
تشير المعطيات المنشورة إلى توقع تعبئة 125.675 منصبا ماليا بين مناصب جديدة وأخرى شاغرة، وهو ما يستدعي التمييز بين المناصب المخصصة لتعويض الموظفين المغادرين، وتلك التي تهدف إلى تعزيز الموارد البشرية في القطاعات التي تحتاج إلى توظيف إضافي.
فالتوظيف العمومي يساهم في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والإدارة، كما يعزز دخل الأسر ويحرك الاستهلاك، لكنه يؤدي في المقابل إلى ارتفاع النفقات المتكررة، بالنظر إلى ارتباطه بكتلة الأجور والتكاليف الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، تقدر كتلة الأجور المتوقعة بنحو 6.087 مليار دينار، ما يبرز أهمية توجيه التوظيف وفق احتياجات فعلية ومدروسة، مع تقييم أثر المناصب المستحدثة على جودة الخدمات والإنتاجية.
غير أن المعالجة المستدامة للبطالة لا يمكن أن تعتمد على التوظيف العمومي وحده، بل تتطلب أيضا توسيع الاستثمار المنتج وتشجيع المؤسسات الاقتصادية على خلق فرص عمل جديدة، فالمؤسسات المنتجة قادرة، عند توفر الظروف الملائمة، على توفير مناصب العمل وتوليد القيمة المضافة والمساهمة في الإيرادات الجبائية.
لذلك، ينبغي قياس فعالية سياسة التشغيل من خلال عدد الوظائف الصافية المستحدثة، ومدى إدماج الشباب وخريجي الجامعات والتكوين المهني، إلى جانب تطور الإنتاجية وجودة الخدمات العمومية.
كيف تقيمون مردودية برامج السكن والاستثمار العمومي؟
تتضمن المعطيات المنشورة برنامجا يقارب مليون وحدة سكنية بمختلف الصيغ، إلى جانب اعتمادات دفع للاستثمار العمومي تقدر بنحو 3.825,9 مليار دينار، وهي برامج يمكن أن تساهم في تحريك النشاط الاقتصادي إذا اقترنت بإنجاز فعلي ومردودية قابلة للقياس.
فقطاع السكن يرتبط بعدد من الأنشطة الاقتصادية، من البناء والأشغال العمومية إلى صناعة مواد البناء والنقل والتجهيزات، كما يمكن للاستثمار في البنية التحتية، بما فيها الطرق والسكك الحديدية والموانئ، أن يساهم في تقليص تكاليف النقل وتحسين ظروف الاستثمار والإنتاج.
لكن الأثر الاقتصادي لهذه البرامج لا يتحقق بمجرد الإعلان عنها أو تخصيص الاعتمادات المالية، وإنما يرتبط بمدى احترام آجال الإنجاز والتكاليف المحددة، وتسليم المشاريع ودخولها حيز الاستغلال.
ومن الضروري إعطاء الأولوية للمشاريع المتقدمة في الإنجاز، وضمان استكمالها قبل إطلاق عمليات جديدة قد تؤدي إلى تشتيت الموارد المالية، كما يجب ربط البرامج السكنية بالمرافق الأساسية، على غرار المدارس والمؤسسات الصحية وشبكات النقل، لضمان توفير ظروف معيشية ملائمة للمواطنين.
ومن جهة أخرى، فإن تعزيز الاعتماد على المواد والتجهيزات المنتجة محليا، متى كانت تنافسية من حيث الجودة والسعر، من شأنه دعم المؤسسات الوطنية وخلق فرص عمل إضافية.
وعليه، فإن المعيار الحقيقي لنجاح الاستثمار العمومي لا يتمثل في حجم الاعتمادات المرصودة أو عدد المشاريع المبرمجة، بل في حجم المنافع الاقتصادية والاجتماعية التي تحققها بعد إنجازها.
كيف يمكن تقليص التبعية للمحروقات وضمان استدامة الإيرادات؟
يمثل تنويع الاقتصاد الوطني أحد الشروط الأساسية لضمان الاستدامة المالية على المدى الطويل، لأن الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية يجعل الميزانية أكثر تأثرا بالتقلبات الخارجية، ويحد من القدرة على التخطيط المالي المستقر.
ويقتضي تحقيق هذا الهدف دعم القطاعات المنتجة، لاسيما الصناعة التحويلية والفلاحة والصناعات الغذائية والسياحة والخدمات الرقمية، إلى جانب تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على توسيع نشاطها وتطوير قدراتها الإنتاجية والتصديرية.
كما يتطلب الأمر تحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتسهيل الحصول على العقار الاقتصادي والتمويل، بما يسمح بإنشاء مؤسسات جديدة وتوسيع المؤسسات القائمة، وبالتالي خلق الثروة ومناصب العمل.
أما على المستوى الجبائي، فإن تعزيز الإيرادات غير النفطية يستدعي تحسين التحصيل الضريبي، ومكافحة التهرب، وإدماج الأنشطة غير الرسمية ضمن الاقتصاد المنظم، مع تجنب تحميل المؤسسات الملتزمة أعباء إضافية قد تؤثر على قدرتها التنافسية.
ومن المهم أيضا إخضاع الإعفاءات والتحفيزات الضريبية للتقييم الدوري، وربطها بنتائج اقتصادية واضحة، مثل حجم الاستثمارات المنجزة، وعدد مناصب العمل المستحدثة، ومستوى الإنتاج المحلي والصادرات.
وبذلك، يصبح تنويع الاقتصاد مسارا متكاملا يجمع بين تشجيع الإنتاج، وتوسيع القاعدة الجبائية، وتحسين مناخ الأعمال، بما يقلص تدريجيا حساسية المالية العمومية لتقلبات أسعار المحروقات.
ما الأولويات لضمان نجاح قانون المالية 2027؟
يتطلب نجاح قانون المالية لسنة 2027 تحقيق توازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وتحفيز الاستثمار، وضمان استدامة المالية العمومية، ولا يمكن بلوغ هذا الهدف بالاعتماد على تقليص النفقات وحده أو زيادة الإيرادات فقط، بل من خلال تحسين جودة الإنفاق وتوجيه الموارد نحو القطاعات والمشاريع ذات المردودية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، ينبغي تعزيز الرقابة على تنفيذ المشاريع العمومية، ومتابعة تكاليفها وآجال إنجازها، مع اعتماد مؤشرات دورية تسمح بتقييم النتائج المحققة، سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو الإنتاج أو تحسن الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما يتعين مواصلة دعم الفئات الهشة وتوجيه التحويلات الاجتماعية إلى مستحقيها، بالتوازي مع تطوير مصادر الإيرادات غير النفطية وتشجيع الاستثمار المنتج.
وتبقى الأولوية الأساسية هي الانتقال من منطق تخصيص الاعتمادات المالية إلى منطق قياس النتائج، بحيث تصبح المشاريع والاستثمارات أداة لخلق الثروة وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية.
وفي المحصلة، فإن نجاح قانون المالية 2027 سيقاس بمدى قدرته على تحويل الموارد المتاحة إلى نتائج ملموسة، من خلال تحسين الخدمات العمومية، وخلق فرص العمل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز التوازنات المالية على المدى الطويل.
بثينة ناصري
























مناقشة حول هذا المقال