مواجهة التضليل لا تتحقق بالتكنولوجيا وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى صحفي يمتلك أدوات التحليل والتحقق، ويستطيع التعامل النقدي مع المعلومات قبل نشرها وتداولها
الشراكة بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ومراكز البحث أصبحت ضرورة تفرضها التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الإعلام
في الجزء الثاني والأخير من الحوار، نواصل التطرق الى مواضيع وملفات هامة أخرى في المشهد الإعلامي الوطني، مع الباحث في علوم الإعلام والاتصال والميديا الرقمية البروفيسور محمد دحماني.
طالبتم بضرورة إنشاء مرصد وطني مختص في محاربة التضليل الإعلامي، حدثنا أكثر عن تصوركم لطبيعة هذا المرصد ومكوناته وأعماله؟
أعتقد أن إنشاء مركز وطني للرصد الإعلامي في الجزائر أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية، وتنامي ظاهرة التضليل الإعلامي، والتطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، التي باتت تسمح بإنتاج محتويات مضللة يصعب على الجمهور التمييز بينها وبين المعلومات الصحيحة. وتكمن أهمية هذا المركز في أنه لا ينبغي أن يقتصر دوره على رصد الأخبار الكاذبة بعد انتشارها، وإنما يجب أن يقوم على مقاربة استباقية ترتكز على الرصد المبكر للمعلومات المضللة، والتحقق السريع من المعطيات، وتحليل اتجاهات التضليل الإعلامي، وفهم آليات انتشار المحتوى عبر المنصات الرقمية، بما يسمح بتقديم المعلومة الدقيقة والمؤكدة في الوقت المناسب، قبل أن تتوسع دائرة انتشار المعلومات المغلوطة وتأثيراتها في الرأي العام. ومن هذا المنطلق، أرى أن هذا المركز ينبغي أن يكون فضاءً وطنياً متعدد التخصصات، يضم صحفيين وخبراء في علوم الإعلام والاتصال والتكنولوجيا والأمن الرقمي، إلى جانب أساتذة وباحثين من الجامعات ومراكز البحث، بما يتيح الجمع بين الخبرة المهنية والمعرفة الأكاديمية والإمكانات التقنية. كما يمكنه إعداد تقارير دورية حول اتجاهات التضليل الإعلامي، وتحديد الموضوعات الأكثر عرضة للمعلومات المضللة، وتطوير آليات للإنذار المبكر والاستجابة السريعة، بالاعتماد على مصادر موثوقة ومنهجيات واضحة للتحقق. ولا تقل أهمية هذا المشروع عن ضرورة تطوير الكفاءات المهنية للصحفي الجزائري، من خلال إدراج التحقق الرقمي ضمن التكوين الأساسي للممارسين، وتنظيم دورات متخصصة في الذكاء الاصطناعي ومخاطر التزييف العميق وصحافة البيانات، فضلاً عن تعزيز فهم آليات عمل الخوارزميات وكيفية انتشار المحتوى وتأثيرها في تشكيل الرأي العام. فمواجهة التضليل لا تتحقق بالتكنولوجيا وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى صحفي يمتلك أدوات التحليل والتحقق، ويستطيع التعامل النقدي مع المعلومات قبل نشرها وتداولها. كما أؤكد أهمية تعزيز التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجامعة ومراكز البحث، حتى لا تبقى المعرفة الأكاديمية حبيسة الدراسات النظرية، بل تتحول إلى أدوات عملية يستفيد منها الصحفيون والمؤسسات الإعلامية. ومن الضروري أيضاً تشجيع إنتاج محتوى وطني تفسيري واستباقي، متعدد المنصات واللغات، يجيب عن تساؤلات الجمهور، ويقدم المعلومات الموثقة في الوقت المناسب، ويكون قادراً على الوصول إلى الجمهور داخل الجزائر وخارجها.وينبغي أن يعمل المركز وفق ضوابط مهنية وأخلاقية واضحة، تحترم حرية التعبير والتعددية الإعلامية، وتضمن استقلالية التحقق وشفافية المنهجيات، حتى يكون دوره تعزيز الثقة في المعلومة وليس مجرد تصنيف الآراء أو الحد من الاختلاف في وجهات النظر.
إن أهمية إنشاء مركز وطني للرصد الإعلامي في الجزائر تكمن في الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق والوقاية، ومن الاكتفاء بتصحيح الأخبار المضللة بعد انتشارها إلى بناء منظومة متكاملة للرصد والتحقق والتحليل وإنتاج المحتوى الموثوق. فالمعركة الإعلامية في البيئة الرقمية لم تعد مرتبطة فقط بسرعة نشر المعلومة، وإنما بدقتها ومصداقيتها وقدرتها على الوصول إلى الجمهور ومواجهة التدفق الهائل للمحتوى غير الموثوق. ومن ثم، فإن إنشاء هذا المركز يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز الأمن المعلوماتي، وترسيخ ثقافة التحقق، ودعم مصداقية الإعلام الجزائري، شريطة أن يقوم على الكفاءة المهنية والاستقلالية والشفافية والتعاون بين مختلف الفاعلين.
يطرح الكثير موضوع الشراكة بين المؤسسات الاعلامية والجامعات و مراكز البحث، كيف ترون الموضوع وآليات تجسيده؟
أعتقد أن الشراكة بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ومراكز البحث لم تعد خياراً ثانوياً، بل أصبحت ضرورة تفرضها التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الإعلام، خاصة في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، وتنامي التضليل الإعلامي، وتغير أنماط استهلاك الأخبار لدى الجمهور. فالعمل الصحفي اليوم لم يعد يعتمد فقط على المهارة المهنية والخبرة الميدانية، وإنما أصبح يحتاج أيضاً إلى البحث العلمي، والتحليل الدقيق للبيانات، وفهم التحولات الرقمية وآليات تأثيرها في الرأي العام. والإشكال لا يكمن في غياب الدعوات إلى هذه الشراكة، بقدر ما يكمن في كيفية تحويلها من مجرد اتفاقيات وبروتوكولات تعاون إلى ممارسة مؤسساتية مستدامة، تنتج قيمة مضافة حقيقية للمؤسسات الإعلامية وللجامعة على حد سواء. فالجامعة تمتلك المعرفة النظرية والمنهجيات العلمية والقدرة على تحليل الظواهر الإعلامية، بينما تمتلك المؤسسات الإعلامية الخبرة الميدانية والاحتكاك اليومي بانشغالات الجمهور وتحديات الممارسة الصحفية.
ومن شأن التكامل بين الطرفين أن يساهم في تطوير الأداء الإعلامي والارتقاء بجودة المحتوى.
أما فيما يتعلق بآليات تجسيد هذه الشراكة، فأرى أنها ينبغي أن تقوم على مجموعة من المسارات العملية. أولها إنشاء مخابر ومشاريع بحث مشتركة بين المؤسسات الإعلامية والجامعات، تتناول قضايا راهنة مثل التضليل الإعلامي، والتحقق من الأخبار، والذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، وصحافة البيانات، وتأثير الخوارزميات في انتشار المحتوى. على أن تكون هذه البحوث مرتبطة باحتياجات الميدان الإعلامي، وأن تتحول نتائجها إلى أدوات وأدلة عمل قابلة للاستخدام داخل غرف الأخبار.
وثانيها، فتح المؤسسات الإعلامية أمام الطلبة والباحثين من خلال تنظيم تربصات ميدانية منتظمة، وإشراك الصحفيين المحترفين في تأطير الطلبة ومناقشة مشاريع تخرجهم، مقابل إتاحة الفرصة للصحفيين للاستفادة من الخبرة الأكاديمية والتكوين المستمر في مجالات التحقق الرقمي وتحليل البيانات والإنتاج متعدد المنصات. فالتكوين الإعلامي الفعال لا يمكن أن يظل محصوراً داخل قاعات الجامعة، كما أن الخبرة المهنية تحتاج باستمرار إلى التجديد والتطوير.
أما المسار الثالث، فيتمثل في إنشاء برامج تكوين مستمر مشتركة، تجمع بين الأساتذة والباحثين والصحفيين والخبراء التقنيين، بهدف مواكبة المستجدات المهنية والتكنولوجية.
ويمكن أن تشمل هذه البرامج ورشات تطبيقية في التحقق من الصور ومقاطع الفيديو، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، والتحقيق الصحفي القائم على البيانات، إلى جانب تطوير مهارات إنتاج المحتوى التفسيري ومكافحة الأخبار المضللة. وكذا ضرورة إشراك الجامعات ومراكز البحث في تقييم الأداء الإعلامي ودراسة احتياجات الجمهور، من خلال استطلاعات الرأي والبحوث الميدانية وتحليل الخطاب الإعلامي. ويمكن أن تساعد هذه الدراسات المؤسسات الإعلامية على فهم التحولات التي يعرفها الجمهور، وتحسين جودة المعالجة الصحفية، وتطوير مضامين أكثر ارتباطاً بانشغالات المجتمع.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تشكل الشراكة بين الجامعة والمؤسسات الإعلامية رافداً أساسياً لإنشاء مركز وطني للرصد الإعلامي ومكافحة التضليل، من خلال توفير الخبرة العلمية والمنهجيات البحثية من جهة، والخبرة المهنية والإمكانات التقنية من جهة أخرى، بما يسمح بتطوير آليات للرصد المبكر والتحقق السريع وإنتاج المعلومات الموثوقة. لكن نجاح هذه الشراكة يظل مرتبطاً بوجود إرادة مؤسساتية حقيقية، وبرامج عمل واضحة، واتفاقيات تحدد الأهداف والمسؤوليات والموارد والآجال، مع اعتماد آليات دورية لتقييم النتائج. كما ينبغي تجاوز النظرة التي تعتبر الجامعة مجرد فضاء للتكوين النظري، أو المؤسسة الإعلامية مجرد مجال للتطبيق، لأن العلاقة بينهما يجب أن تقوم على تبادل الخبرات والإنتاج المشترك للمعرفة.
إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في عدد اتفاقيات التعاون الموقعة، وإنما في مدى انعكاس هذه الشراكة على جودة العمل الصحفي، وكفاءة الصحفيين، وقدرة المؤسسات الإعلامية على مواكبة التحولات الرقمية ومواجهة التضليل. وعندما تلتقي المعرفة الأكاديمية بالخبرة المهنية، يمكن أن ننتقل من شراكة شكلية إلى شراكة منتجة، تجعل من الجامعة شريكاً في تطوير الإعلام، وتجعل من المؤسسة الإعلامية فضاءً حقيقياً لتطبيق المعرفة والابتكار، بما يخدم الجمهور ويعزز مصداقية الإعلام الوطني.
البيئة الرقمية وفضاءات التواصل الاجتماعي كان لها أثر في تراجع نسبة التصفح على المواقع الاخبارية و نسبة المقروءية للصحف، كيف تنظرون الى هذه المشكلة؟ وكيف يمكن اعادة التوازن؟
أعتقد أن تراجع نسب التصفح على المواقع الإخبارية وانخفاض مقروئية الصحف الورقية في ظل الانتشار الواسع لفضاءات التواصل الاجتماعي، يمثلان أحد أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية اليوم. غير أنني أرى أن المسألة لا تتعلق فقط بتراجع الإقبال على الوسائط الإعلامية التقليدية، بل تعكس تحولاً عميقاً في سلوك الجمهور وأنماط استهلاكه للمعلومة، حيث أصبح يميل إلى المحتوى السريع والمختصر والمتاح عبر الهاتف، وإلى تلقي الأخبار من خلال المنصات الرقمية التي توفر تدفقاً مستمراً للمعلومات وسهولة في التفاعل والمشاركة.
لقد غيّرت شبكات التواصل الاجتماعي علاقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية، إذ لم يعد القارئ مضطراً إلى زيارة الموقع الإلكتروني للصحيفة أو اقتناء نسختها الورقية للاطلاع على الأخبار، بل أصبح يصل إلى المحتوى عبر الروابط والمنشورات ومقاطع الفيديو التي تظهر في فضاءاته الرقمية. وهذا التحول فرض على المؤسسات الإعلامية تحديات تتعلق بمدى قدرتها على الاحتفاظ بجمهورها، وبناء علاقة مستدامة معه، وتحويل الوصول العابر إلى محتواها إلى متابعة منتظمة ووفاء للمؤسسة الإعلامية. لكن من المهم ألا ننظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها نتيجة حتمية لانتشار منصات التواصل الاجتماعي وحدها، لأن تراجع المقروئية قد يرتبط أيضاً بجودة المحتوى، ومدى مصداقيته وجاذبيته، وسرعة تحديثه، وسهولة استخدام المواقع الإخبارية، فضلاً عن نماذج التمويل والإشهار ومدى قدرة المؤسسات على فهم حاجات الجمهور وتلبيتها. لذلك، فإن استعادة الجمهور لا تتحقق بمجرد زيادة عدد المنشورات أو ملاحقة المواضيع الرائجة، وإنما تتطلب مراجعة شاملة للاستراتيجيات التحريرية والرقمية والاقتصادية للمؤسسات الإعلامية.
أما فيما يتعلق بكيفية إعادة التوازن، فأرى أن الحل لا يكمن في وضع الصحافة التقليدية في مواجهة شبكات التواصل الاجتماعي، بل في بناء علاقة تكاملية بينهما، تقوم على توظيف المنصات الرقمية لتوسيع الوصول إلى المحتوى الصحفي، مع الحفاظ على الموقع الإخباري والصحيفة باعتبارهما فضاءين للإنتاج الصحفي المهني والتحقق والتفسير والتحليل المعمق. ويتطلب ذلك، أولاً، الاستثمار في المحتوى ذي القيمة المضافة، من خلال تطوير التحقيقات الصحفية والحوارات والملفات التفسيرية وصحافة البيانات، وتقديم معلومات موثوقة لا يكتفي الجمهور بتداولها، بل يعود إلى المؤسسة من أجل فهم خلفياتها وسياقاتها. فالمنافسة الحقيقية اليوم لا ينبغي أن تكون في سرعة نقل الخبر فقط، وإنما في دقته وعمقه وقدرة الصحفي على تفسير ما وراء الأحداث.
ثانياً، يتعين على المؤسسات الإعلامية تطوير مواقعها الإلكترونية من حيث سرعة التصفح، وسهولة الاستخدام، والتوافق مع الهواتف الذكية، وتحسين تجربة القراءة، إلى جانب تنويع أشكال المحتوى لتشمل النص والصورة والفيديو والبودكاست والرسوم التوضيحية، وفق طبيعة الموضوع واحتياجات الجمهور. كما ينبغي استثمار شبكات التواصل الاجتماعي في جذب القراء نحو المحتوى الأصلي، لا الاكتفاء بنشر الأخبار بصورة مختصرة ومجزأة تفقد المؤسسة من خلالها علاقتها المباشرة بجمهورها.
ثالثاً، لا بد من الاعتماد على البيانات والتحليل المستمر لسلوك الجمهور، لفهم المواد الأكثر قراءة، والفئات التي تستهدفها المؤسسة، وأوقات التفاعل، وأسباب مغادرة المستخدمين للمواقع الإخبارية. ويجب توظيف هذه البيانات في تحسين الأداء التحريري وتطوير المحتوى، لا في إخضاع العمل الصحفي بالكامل لمنطق المشاهدات والنقرات، لأن ذلك قد يدفع إلى الإثارة والعناوين المضللة على حساب المهنية والمصداقية.
أما الصحافة الورقية، فلا أعتقد أن مستقبلها يرتبط بمنافسة المنصات الرقمية في السرعة، وإنما بقدرتها على تقديم تجربة قراءة مختلفة، تقوم على التحليل المتعمق والملفات الخاصة والتحقيقات والمحتوى النوعي. كما يمكن تطوير نماذج اشتراك مناسبة، وتحسين جودة الإخراج والتوزيع، واستهداف القراء الذين يبحثون عن محتوى موثوق ومتخصص، مع تعزيز التكامل بين النسخة الورقية والنسخة الرقمية. ولا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي، إذ إن استدامة المؤسسات الإعلامية تتطلب تنويع مصادر الإيرادات، وتطوير نماذج اشتراك رقمي ملائمة، وبناء شراكات إعلانية مستدامة، مع الحفاظ على استقلالية القرار التحريري. فالمؤسسة التي لا تمتلك نموذجاً اقتصادياً قادراً على تمويل الصحافة الجادة ستجد صعوبة في الاستثمار في الصحفيين والتكنولوجيا والمحتوى عالي الجودة.
إن إعادة التوازن بين المواقع الإخبارية والصحف الورقية وفضاءات التواصل الاجتماعي لا تعني العودة إلى أنماط الاستهلاك الإعلامي السابقة، وإنما تعني التكيف الذكي مع التحولات الجديدة. فالمطلوب هو الانتقال من منطق المنافسة على انتباه الجمهور إلى منطق بناء الثقة معه، ومن مجرد نشر الأخبار إلى إنتاج محتوى مهني موثوق يقدم قيمة حقيقية.
وفي تقديري، فإن مستقبل المؤسسة الإعلامية لن يُحسم بمجرد امتلاكها موقعاً إلكترونياً أو حضوراً قوياً على شبكات التواصل الاجتماعي، بل بقدرتها على الجمع بين المصداقية والجودة والابتكار والاستدامة الاقتصادية، مع الحفاظ على استقلالية الصحافة ودورها في خدمة المجتمع.

























مناقشة حول هذا المقال