لم يعد شرح المعادلات الرياضية حكرًا على السبورة وجدران القسم، فقد امتد دور الأستاذ اليوم إلى المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت مقاطع الفيديو التعليمية وسيلة يستعين بها التلاميذ لفهم الدروس ومراجعتها وتدارك الصعوبات التي تواجههم خلال مسارهم الدراسي.
ومع اتساع حضور المحتوى التعليمي على الإنترنت، بات الأستاذ أمام تجربة جديدة تتطلب منه تجاوز أساليب الشرح التقليدية، والبحث عن طرق أكثر بساطة وجاذبية لإيصال المعلومة، دون التفريط في التدرج المنهجي الذي تفرضه مادة الرياضيات.
وبين السبورة التي تتيح التفاعل المباشر والشاشة التي تمنح التلميذ فرصة التعلم وفق وتيرته الخاصة، تبرز تساؤلات حول قدرة المنصات الرقمية على تحسين التحصيل الدراسي، ودور الأستاذ في توجيه التلاميذ نحو الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، خاصة مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي توفر الحلول بسرعة، لكنها لا تعوّض بالضرورة فهم المسائل وبناء التفكير المنطقي.
في هذا الحوار، يروي أستاذ الرياضيات تجربته في نقل الدرس إلى الفضاء الرقمي، وما أتاحته هذه التجربة من فرص وتحديات في تعليم الرياضيات.
وفي هذا السياق، برز عدد من الأساتذة الذين اختاروا خوض هذه التجربة وتحويل المنصات الرقمية إلى فضاء مواز للتدريس، من بينهم الأستاذ نور الدين عيساوي، أستاذ الرياضيات في الطور الثانوي، الذي جعل من يوتيوب امتدادا لعمله داخل القسم، مقدما دروسا في الرياضيات والدعم والتقوية لفائدة تلاميذ الثانوي.
وبين السبورة والمنصة، تغيرت طريقة تقديم الدرس، لكن جوهر مهنة التعليم ظل مرتبطا بقدرة الأستاذ على تبسيط المعرفة ومرافقة التلميذ وتوجيهه.
فهل تستطيع المنصات الرقمية أن تكون امتدادا حقيقيا للمدرسة؟ وكيف تغير دور الأستاذ عندما أصبح الدرس ينتقل من القسم إلى شاشة الهاتف؟
في هذا الحوار مع جريدة “عالم الأهداف”، يتحدث الأستاذ نور الدين عيساوي عن تجربته في الانتقال من التعليم داخل القسم إلى صناعة المحتوى التعليمي الرقمي، وعن أثر هذه التجربة على التلاميذ، ومستقبل تدريس الرياضيات في ظل الانتشار المتسارع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
لماذا اخترت نقل درس الرياضيات من السبورة إلى المنصات الرقمية؟ وما الذي وجدت أنه لا يمكن للشرح التقليدي أن يقدمه؟
اخترت نقل الدروس إلى المنصات الرقمية لأن العالم الرقمي فرض نفسه في عصرنا الحالي، خاصة لدى التلاميذ، وأصبح من الضروري مواكبة هذا التحول والاستفادة من المنصات التي يقضي عليها التلميذ جزءا مهما من وقته، وتحويلها إلى فضاء للتعلم والاستفادة.
الرياضيات مادة تحتاج إلى التدرج والتفاعل، كيف تحافظ على هذا الجانب عندما تقدم الدرس عبر فيديو؟
يجب أن نحافظ على مفهوم الدرس ومراحله الأساسية، لكن ذلك يتطلب معرفة الطرق المناسبة والمشوقة بالنسبة للتلميذ، حتى تصل إليه الفكرة بطريقة سلسة وواضحة، الهدف هو تبسيط المعلومة دون فقدان جوهرها، مع تقديمها بطريقة تجذب انتباه التلميذ وتحفزه على المتابعة.
هل لاحظت أن التلميذ الذي يواجه صعوبة في الرياضيات أصبح أكثر جرأة على التعلم وطرح الأسئلة عبر المنصات الرقمية؟
نعم، عالم يوتيوب ساعد الكثير من التلاميذ على تحسين مستواهم في الرياضيات. وهناك تلاميذ استفادوا من الدروس المنشورة عبر المنصة، وتمكنوا من تحقيق نتائج ممتازة، بل إن بعضهم تحصل على العلامة الكاملة في الامتحانات والبكالوريا.
ما أكثر الصعوبات التي تكتشفها لدى تلاميذ الثانوي من خلال تفاعلهم مع محتواك؟
من خلال التفاعل مع التلاميذ، لاحظت أن يوتيوب أصبح وسيلة مهمة بالنسبة للكثير منهم لتدارك النقائص وتحسين مستواهم، وهذا التفاعل يسمح للأستاذ أيضا بفهم الصعوبات التي يواجهها التلميذ ومحاولة تقديم الشرح الذي يتناسب معها.
هل صناعة المحتوى جعلتك تعيد التفكير في طريقة شرحك للرياضيات داخل القسم؟
بالتأكيد، لأن صناعة المحتوى تجعلك تفكر باستمرار في كيفية إيصال الفكرة بشكل أوضح وأبسط، كما أن التعامل مع التلاميذ عبر المنصات الرقمية يفرض البحث عن أساليب جديدة ومشوقة، وهو أمر يمكن أن ينعكس أيضا على طريقة التدريس داخل القسم.
في ظل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي تحل المسائل الرياضية، ما الذي يجب أن يتعلمه التلميذ من أستاذ الرياضيات ولا يمكن اختزاله في الحصول على الإجابة؟
هناك مشكل كبير جدا مع ظهور الذكاء الاصطناعي، لأنه قد يقضي على التفكير والبحث لدى التلاميذ، إذا أصبحوا يعتمدون عليه للحصول على الإجابات الجاهزة دون محاولة فهم المسألة أو البحث عن طريقة الحل بأنفسهم.
ولهذا، يجب أن يكون هناك وعي بطريقة استخدام هذه الأدوات، كما أن على الأولياء التدخل ووضع حدود لاستعمال الهاتف والتكنولوجيا حتى لا يتحول استخدامها من وسيلة للتعلم إلى وسيلة لإلغاء التفكير.
هل أصبح دور أستاذ الرياضيات اليوم هو إعطاء الحل، أم تعليم التلميذ كيف يفكر ويصل إليه؟
دور الأستاذ لا يجب أن يقتصر على تقديم الحلول، الأستاذ يجب أن يكون الموجه الصحيح للتلميذ، وليس المدرس فقط، بل المربي والقدوة أيضا، والأهم هو أن يساعد التلميذ على بناء طريقة تفكير تمكنه من البحث والوصول إلى الحل بنفسه.
في النهاية، تكشف تجربة الأستاذ نور الدين عيساوي أن انتقال التدريس من السبورة إلى المنصات الرقمية لا يتعلق بتغيير وسيلة الشرح فحسب، بل بفتح آفاق جديدة أمام التلميذ لفهم الدروس وتدارك نقائصه، وأمام الأستاذ لتطوير أساليبه التعليمية والاستجابة لاحتياجات متعلميه.
غير أن اتساع إمكانات التكنولوجيا، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، يطرح تحديًا أساسيًا يتمثل في الحفاظ على قدرة التلميذ على التفكير والتحليل والاستنتاج، بدل الاكتفاء بالحصول على إجابات جاهزة.
وبين ما توفره المنصات الرقمية من فرص وما تفرضه من تحديات، يظل دور الأستاذ محوريًا في توجيه التعلم وبناء التفكير المنطقي، لأن الغاية من تعليم الرياضيات ليست الوصول إلى الحل فحسب، بل فهم الطريق المؤدي إليه.
أجرت الحوار بوزيان بلقيس




























مناقشة حول هذا المقال