تمر اليوم الذكرى 22 لوفاة أحد أبرز علماء الجزائر سيدي محمد بلكبير، والحديث عن الشيخ بلكبير هو حديث عن شخصية فذة وفريدة من نوعها، أودع الله في نفسه حب العلم والتعلم وأهلهما.
وقد كان آية في الحفظ والأخذ عن المشايخ، حتى فتح الله له أبواب العلم والمعرفة، ويسر له خزائنها، فكانت بين يديه مفاتيح علوم شتى من علوم الدين والدنيا.
كان الشيخ رحمه الله له من المهابة والشموخ ما يجعل منه طودا لا تزحزحه الرياح.
نشأ الشيخ مقبلا على طلب العلم وتحصيله
ينتهي نسب الشيخ محمد بلكبير بن محمد عبد الله بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الله إلى ثالث الخلفاء الراشدين، الصحابي الجليل، عثمان بن عفان – رضي الله عنه –
ولد الشيخ محمد بلكبير سنة 1911م/1330هـ، من أبوين كريمين هما عبد الله بن محمد، وأمباركة رحموني – رحمهما الله – بقصر من قصور بودة، أحد قرى الغمارة الواقعة في الجنوب الغربي من مدينة أدرار على بعد 25 كلم.
نشأ مقبلا على طلب العلم وتحصيله، فتلقى مبادئ العلوم بمسجد القرية بالغمارة، الذي دخله وهو لا يتجاوز سن الخامسة من عمره، حيث تعلم على يد إمام المسجد آنذاك الشيخ محمد بن عبد الرحمان.
ومما ساعده في تحصيله وتفوقه ظروف نشأته الأسرية، حيث ترعرع في وسط علمي مشهود، فكان أبوه عبد الله من حملة كتاب الله، وكان عمه أيضا إماما ومعلما بمسجد القرية، بينما كان خاله المهدي فقيها وصوفيا من أعيان عصره بقصر بني “اللو” ببودة، وفي هاته الفترة القصيرة جدا من عمره تمكن من متون الفقه والنحو والتوحيد كالرسالة والألفية.
أخذ علمه من مجالسة العلماء والفقهاء
من المعروف أن العلم لا يؤخذ بالتمني، بل يؤخذ بمجالسة العلماء والفقهاء ومغالبة الرجال والمجتهدين، بل وقطع الفيافي والبوادي من أجل التعلم والتحصيل.
وهو الأمر الذي دفع بالشيخ محمد بلكبير منذ أن بلغ ريعان شبابه أن ينتقل من مسقط رأسه باحثا عن المزيد من العلوم، ومتعرفا على شيوخ زمانه، الذين كان لهم السبق آنذاك في شتى علوم الدين والدنيا، ومن ثمة وصل إلى مدن العلم وحواضره.
تلقى الشيخ بتمنطيط ما قدر الله له من العلوم الشرعية والعربية، من توحيد وفقه وحديث وتصوف وتفسير وآداب ونحو ولغة وصرف على يد العلامة الشيخ أحمد ديدي عالم وقته ومصباح زمانه، حيث مكث عنده ثلاث سنوات، كانت بأيامها ولياليها ميدانا فسيحا للعمل المتواصل وأثناء هذه المرحلة كانت له اتصالات متعددة بعلماء وقضاة المنطقة مثل : عبد الكريم الفقيه البلبالي (بني تامر)، والشيخ بوعلام (ملوكة) والشيخ القاضي (محمد بن عبد الكريم البكري ابن عم الشيخ أحمد ديدي)، وغيرهم من علماء الإقليم، مما وسع معارفه وجعله على دراية واسعة بالنوازل والفتاوى التي وقعت في الإقليم إلى أن صار متمكنا راسخا، طودا شامخا.
وكان للشيخ محمد بلكبير اتصالات بعلماء تلمسان، كما كانت له رحلة إلى المغرب الأقصى، زار فيها جامع القرويين بفاس، واتصل بعلمائه.
وبعد أن أخذ بغيته من الشيخ بوفلجة، واشتهر أمره بالمنطقة طلب منه أن يشتغل بالتعليم القرآني، والإرشاد بناحية العريشة ثم بالمشرية.
عاد الشيخ من تلمسان إلى مسقط رأسه فكان يلقي درسا في وقت الضحى لأعيان المنطقة، ثم بعدها يلقي درسا آخر للصغار.
فتح الشيخ أبواب بيته كمأوى للمجاهدين وكان لهم ناصحا
كان الشيخ يعمل على نصرة المجاهدين ابان الثورة التحريرية وزرع روح الثقة والنصر والثبات ويحثهم على الصبر وتحمل المشاق والصعاب، كما كان بيته مأوى لجميع المجاهدين الذين كانوا يقدمون إلى أدرار، وهم ضيوف عنده طوال مدة إقامتهم بالولاية، وكان أغلبية الوافدين من الولايتين السادسة والخامسة.
المساهمة في بناء مجتمع فكره الإسلام ولغته العربية
لقد كان من بين الأهداف والغايات الكبرى للشيخ بعد الاستقلال المساهمة في بناء مجتمع فكره الإسلام ولغته العربية، مبني على المحبة والمساواة والأخوة، ومن ثمة فقد عمل الشيخ على إصلاح المجتمع عن طريق: لم شمل القبائل المتنافرة محاربة التمييز العنصري والتسوية بين المسلمين، محاربة البدع والخرافات، محاربة أشكال الفساد، الدعوة عن طريق الموعظة الحسنة، محاربة الجهل والأمية، تكوين جملة من الكفاءات والأئمة والخطباء، محاربة التغريب والانسلاخ من الذات وكذلك محاربة أشكال الظلم والتطرف.
تربع على عرش العلماء
لقد تربع الشيخ محمد بلكبير على عرش العلماء في إقليم توات بدون منازع وانتهت إليه رئاسة العلم فيه بعد وفاة شيخه أحمد ديدي رحمه الله، وبرز الشيخ بلكبير في العلوم الشرعية من فقه وتفسير وحديث إلى جانب علوم اللغة والأدب العربي من نحو وصرف وبلاغة.
وقد تميز رحمه الله بقدرته الفكرية وملكاته الذهنية حيث كان يلقي دروسه باسترسال ومن دون إحضار أي كتاب أو النظر فيه وذلك من غير تردد أو تلعثم، وهذا يدل على سعة اطلاعه وغزارة علمه.
تخرج على يده ما يزيد على20 ألف طالب من حفظة كتاب الله
ومن أهم التشريفات والمناصب التي تقلدها الشيخ محمد بلكبير رحمه الله نجد: مشيخة المدرسة منذ نشأتها سنة 1950م إلى وفاته سنة 2000م، تخرج على يده ما يزيد على20 ألف طالب، ومن بين الطلبة الذين درسوا على الشيخ في مدرسة تيميمون: عمار أقاسم والحاج سالم بن إبراهيم (الخليفة الروحي للشيخ ومؤسس مدرسة التعليم الشرعي بأدرار وعضو المجلس الإسلامي الأعلى) والحاج عبد القادر أخ الشيخ بلكبير وغيرهم.
رئيس الجمهورية يكرس ذكرى وفاته يوم وطني للإمام
وتخليدا لذكرى وفاته، قرر رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تكريس 15 سبتمبر يوما وطنيا للإمام الجزائري، وجاء هذا في الكلمة التي ألقاها وزير الشؤون الدينية والأوقاف، يوسف بلمهدي، بالنيابة عن رئيس الجمهورية، في ولاية أدرار.
وجاء في كلمة رئيس الجمهورية “تقديرا لجهود الأئمة والاجتهاد، وتكريما لمقام الإمام ومكانته، قررنا اعتبار تاريخ 15 سبتمبر من كل عام يوما وطنيا للإمام الجزائري”.
وأضاف رئيس الجمهورية: “أفشلت جهود أئمتنا كل المؤامرات حيث انتقل الإمام بعد الاستقلال من معركة الجهاد والتحرير إلى التنوير لبسط الوسطية والاعتدال، ومواجهة المحن الطارئة والمساهمة في إطفاء نار الفتنة كلما أراد أعداء هذا الوطن اشعاله ، ونبذ المغالاة ونشر الفضيلة “.
داود تركية

























مناقشة حول هذا المقال