-
بعض الأسر تمارس العنف اللين عبر عبارات: نحن ضحينا من أجلك، أو ان مستقبلك كله مرتبط بهذا الامتحان، وهي عبارات، وإن بدت تحفيزية، فهي تثقل كاهل الابن بأعباء عاطفية تعوق تركيزه
-
أضع بين يدي الأسرة مؤشرات الفرق بين الضغط الإيجابي والضغط السلبي
-
أقدم للأولياء خريطة مرافقة نفسية في سبع نقاط
مع اقتراب موعد امتحان شهادة التعليم الثانوي ( البكالوريا ) تبدأ التحضيرات النفسية و التربوية للتلميذ لكي يكون جاهزة لاجتياز الامتحان بنجاح. و في هذا السياق جمعنا حوار مع المستشارة الاسرية و التربوية نوال حنافي التي حدثتنا عن التحضيرات التي تسبق الامتحان و التعامل النفسي أثناء هذه الفترة و دور الاسرة بهذا الشأن.
ما أهمية التحضير النفسي للتلميذ قبل فترة الامتحانات، وكيف ينعكس ذلك على أدائه الدراسي؟
بصفتي مستشارة أسرية وتربوية، أؤكد أن التحضير النفسي يمثل الركيزة الأساسية التي يُبنى عليها أي نجاح أكاديمي. فالعقل البشري لا يعمل بمعزل عن الحالة الانفعالية؛ فعندما يكون التلميذ في حالة من الاستقرار النفسي والثقة، تتحسن وظائفه المعرفية مثل الذاكرة العاملة، والانتباه الانتقائي، وسرعة استرجاع المعلومات. والأبحاث التربوية تؤكد أن الطالب الذي يهيئ نفسيا للامتحان يكون أكثر قدرة على إدارة وقت المراجعة، وأقل عرضة لظاهرة تجمُّد التفكير والتوتر أثناء الاختبار. لأن التحضير النفسي السليم يحول الامتحان من تهديد إلى تحفيز، مما ينشّط دوافع الإنجاز بدلا من دوافع الهروب.
لذا، أنصح جميع الأولياء بالبدء في التهيئة النفسية قبل أسبوعين على الأقل من الامتحانات، عبر حوارات إيجابية، وتذكير التلميذ بإنجازاته السابقة، وبناء قناعة راسخة أن الامتحان فرصة لإظهار ما تعلمه، لا حكما على قيمته كإنسان، وأنه امتحان عادي وليس مسألة حياة أو موت.
كيف يمكن للأسرة أن تهيئ مناخًا نفسيًا مريحًا يساعد التلميذ على المراجعة بثقة وهدوء؟
البيئة الأسرية هي المختبر النفسي الأول للتلميذ، ولتهيئتها بشكل داعم أنصح بالآتي:
أولا: ضبط الإيقاع المنزلي ويتم ذلك بتقليل الضوضاء والمشاحنات الأسرية خلال فترة المراجعة.
تخصيص زاوية هادئة ومريحة للدراسة، تتوفر فيها الإضاءة الجيدة والتهوية المناسبة. وتوفير غذاء صحي ومتوازن للأبناء.
ثانيا: التواصل العاطفي الإيجابي كالاستماع الفعال لمخاوف التلميذ دون تقليل من شأنها.
واستخدام لغة التشجيع مثل أنا أثق بقدراتك، نحن بجانبك، ونلغي لغة التهديد مثل: إذا رسبت، ماذا سيقول الناس؟
ثالثا: التوازن بين الجد والمرح فخير الأمور أوسطها فلا إفراط ولا تفريط وذلك بتخصيص فترات راحة قصيرة كل 45 دقيقة مراجعة. وإدراج أنشطة محببة للتلميذ مشي، موسيقى هادئة، محادثة عائلية خفيفة كجزء من روتين المراجعة.
رابعا: القدوة العملية: وهي أن يرى التلميذ والديه يقرؤون، يتعلمون، يديرون ضغوطهم بهدوء؛ فالأبناء يتعلمون بالملاحظة أكثر من التوجيه.
ما الأخطاء الشائعة التي تقع فيها بعض الأسر أثناء فترة الامتحانات وتؤثر سلبًا على نفسية الأبناء؟
للأسف، تقع العديد من الأسر في فخ حسن النية، السيئ الأثر، ومن أبرز هذه الأخطاء:
المقارنة مع الأقران أو الإخوة وهذا يزرع الشعور بالنقص ويقتل الدافعية الذاتية لذا يتوجب على الإباء التركيز على تطور الابن مقارنة بنفسه فقط.
المبالغة في التوقعات مما يولد ضغطا غير واقعي وخوفا من الفشل. لذا انصح الأسر بتوجيه أبنائهم لوضع أهداف ذكية منطقية (SMART) قابلة للتحقيق تتلاءم وقدراتهم النفسية والعقلية والجسدية.
من بين الأخطاء الأخرى التي تقع فيها الأسر إهمال الجوانب غير الدراسية مثل: الحفاظ على وقت للنوم الكافي، التغذية الصحية المتوازنة، وممارسة بعض الهوايات وكل هذا يخلق اختلالاً في التوازن النفسي، كما يرتكبون خطأ فادحا بتدخلهم المفرط في المراجعة وهذا يضعف من استقلالية التلميذ وثقته بقدراته. لذا عليهم تقديم الدعم عند الطلب، لا فرض المساعدة التي تبني طفلا غير مسؤول واتكالي وكسول .
كذلك من أخطر الأخطاء من وجهة نظري هو ربط الحب بالنجاح أي ما نسميه بالحب المشروط وهو ما يشوه مفهوم القيمة الذاتية لدى الطفل، لذا يجب فصل التقدير العاطفي عن الأداء الأكاديمي.
بعض الأسر تمارس العنف اللين عبر عبارات مثل: نحن ضحينا من أجلك، أو ان مستقبلك كله مرتبط بهذا الامتحان، وهذه العبارات، وإن بدت تحفيزية، فهي في الواقع تثقل كاهل الابن بأعباء عاطفية تعوق تركيزه.
كيف يمكن التعامل مع الخوف والقلق الذي يصيب التلميذ قبل وأثناء الامتحانات؟
القلق الامتحاني ظاهرة طبيعية، لكن إدارته بوعي هي الفاصل بين الشلل والأداء المتميز. وهناك استراتيجيات عملية تساعد التلميذ على تجاوز هذا الشعور:
قبل الامتحان: تقنية التنفس العميق: تدريب التلميذ على تنفس 4-7-8 (شهيق 4 ثوان، حبس النفس 7 ثوان، زفير 8 ثوان) لتهدئة الجهاز العصبي.
التخيل الإيجابي: توجيهه لتصور نفسه يدخل القاعة مبتسم واثقا من نفسه مستعد وجاهز، يقرأ الأسئلة بتركيز، ويكتب الإجابات بسلاسة.
التحضير المادي: تجهيز الأدوات المطلوبة مسبقا يقلل من مصادر القلق اللوجستي.
أثناء الامتحان: يستخدم قاعدة ابدأ بالسهل: تشجيع التلميذ على حل الأسئلة التي في متناوله أولا لبناء زخم نفسي إيجابي.
إدارة الوقت بواقعية: تخصيص دقيقتين أوليتين للتنفس والاسترخاء وقراءة الأدعية:” اللهم لا سهل الا ما جعلته سهلا وانت تجعل الحزن ان شئت سهلا” وغيرها من الادعية وما توفيقنا الا بالله، وهذا ما يجب ان نرسخه في ذهن التلميذ. بعد ذلك ينتقل الى قراءة الورقة كاملة، وتوزيع الوقت على الأسئلة.
كسر دائرة الذعر: إذا شعر بالتوتر، يتوقف 30 ثانية، يتنفس بعمق، ويشرب رشفة ماء، ثم يستأنف الاجابة.
ملاحظة مهمة: إذا تجاوز القلق حدّه الطبيعي أرق مستمر، فقدان شهية، نوبات بكاء، أنصح باستشارة مختص نفسي؛ فالتدخل المبكر يمنع تطور الأمر إلى رهاب امتحاني مزمن.
ما دور التشجيع والتحفيز النفسي في رفع معنويات التلميذ، وما الأسلوب الصحيح لذلك؟
التشجيع هو وقود الدافعية، لكن فعاليته مرهونة بكيفية صياغته. لأن الأسلوب الصحيح للتشجيع يعتمد على ثلاث ركائز:
- 1. التشجيع الوصفي لا التقييمي العام
مثلا: أنت ذكي جدا هذا وصف عام، غير مرتبط بجهد محدد.
والقول الصحيح هو: لاحظت كيف راجعت هذا الدرس بخطة منظمة، هذا يدل على نضج في طريقة التعلم. هذاهو التشجيع الوصفي، المرتبط بسلوك.
- 2. التركيز على الجهد لا على النتيجة فقط فبدلا من قول : ضروري جدا أن تحصل على العلامة الكاملة 20/20 نقول: أنا فخور بأنك بذلت قصارى جهدك، والنتيجة ستأتي تبعًا لذلك.
- 3. توقيت التشجيع: التشجيع الفوري بعد ملاحظة جهد إيجابي يعزز السلوك.
-التشجيع الاستباقي قبل الامتحان يبني الثقة.
-التشجيع بعد أي هفوة يحفظ الكرامة ويحفز على المحاولة مجددا.
وأؤكد أن التشجيع الحقيقي لا يعني المدح المفرط غير الصادق، فالأبناء يميزون بين الإطراء المجامل والتقدير الصادق، والأخير فقط هو الذي يبني ثقة حقيقية.
كيف يمكن للأسرة التفريق بين الضغط الإيجابي الذي يدفع التلميذ للاجتهاد، والضغط السلبي الذي يؤدي إلى التوتر والإحباط؟
هذا تمييز دقيق وجوهري، وأضع بين يدي الأسرة مؤشرات الفرق: بالنسبة للضغط الإيجابي أي الدافع:
- ينبع من قناعة التلميذ بأهمية الهدف
- يرافقه شعور بالتحدي والحماس
- يتناسب مع قدرات التلميذ ووتيرته
- يترك مساحة للخطأ والتعلم منه
- يعزز الاستقلالية والمسؤولية
أما الضغط السلبي (المثبط):
- يفرض من الخارج دون اقتناع داخلي
- يتجاهل الفروق الفردية ويضع معايير غير واقعية
- يرافقه شعور بالخوف والتوتر المستمر
- يجعل الخطأ كارثة لا تغتفر
- يولد الاعتماد على الرقابة الخارجية
فإذا لاحظت أن التلميذ يراجع بدافع الفضول والرغبة في الفهم، فهذا ضغط إيجابي. أما إذا كان يراجع بدافع الخوف من العقاب أو الخزي، فهذا ضغط سلبي يحتاج إلى مراجعة فورية.
ما النصائح التي تقدمينها للأولياء لمرافقة أبنائهم نفسيا خلال هذه المرحلة دون فرض ضغوط إضافية عليهم؟
في الختام، أقدم للأولياء خريطة مرافقة نفسية في سبع نقاط:
استمع أكثر مما تتحدث: امنح ابنك مساحة للتعبير عن مخاوفه دون مقاطعة أو حل فوري؛ فمجرد الاستماع يخفف العبء النفسي بنسبة 50%.
كن شريكا لا مراقبا: اسأل: كيف يمكنني مساعدتك اليوم بدلا من: هل راجعت؟ كم صفحة أنجزت؟
احترم خصوصية طريقة تعلمه: بعض الأبناء يراجعون صباحا، وآخرون مساء، البعض يحتاج صمتا وهدوءا، والبعض يفضل خلفية موسيقية هادئة وحركة.
حافظ على روتين عائلي مستقر: وجبات منتظمة، نوم كاف (8-9 ساعات للمراهقين)، لحظات مرحة، فالاستقرار الخارجي يعكس استقرارا داخليا مما يؤثر على الأداء.
علم ابنك مهارات المواجهة، لا الهروب: ساعده على تحليل مصدر قلقه، ووضع خطة عملية للتعامل معه، بدلا من تجنب الحديث عن الامتحان.
كن قدوة في إدارة الضغوط: عندما يرى التلميذ والديه يتعاملون مع تحدياتهم بهدوء وعقلانية، يتعلم بالملاحظة أكثر من التوجيه.
احتفل بالجهد، لا بالنتيجة فقط: كلمة أنا فخورة بك لأنك لم تستسلم أقوى أثرا من هدية تمنح فقط بعد نجاح باهر.
الامتحانات محطات عابرة في رحلة الحياة، لكن الطريقة التي نمر بها مع أبنائنا عبر هذه المحطات تشكل شخصياتهم وثقتهم بأنفسهم لسنوات قادمة. فلنجعل من هذه الفترة فرصة لبناء علاقة ثقة، لا ساحة لتصفية حسابات التوقعات، أو فرصة لتحقيق طموحات وأهداف شخصية.
أجرت الحوار يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال