في سياق إحياء ذكرى اليوم الوطني للطالب، الذي يخلّد محطة تاريخية مفصلية في مسار الحركة الطلابية الجزائرية ودورها الريادي في دعم قضايا الوطن، تكتسي الجامعة اليوم أهمية متجددة باعتبارها فضاءً للفكر والمعرفة وبناء الوعي.
وفي هذا الإطار، أجرينا هذا الحوار مع عميد كلية العلوم الإنسانية لجامعة الجزائر، للوقوف على دلالات هذه المناسبة، واستحضار أبعادها التاريخية، إلى جانب تسليط الضوء على واقع الطالب الجامعي اليوم ودور الكلية في ترسيخ القيم الوطنية وتنمية الفكر النقدي لدى الطلبة، في ظل التحولات الراهنة التي يشهدها المجتمع.
بداية، هل يمكن تقديم لمحة عن مساركم الأكاديمي والمهني، وماذا يمثل لكم يوم الطالب على المستوى الشخصي و المؤسساتي؟
البروفيسور محمد قدور عميد كلية العلوم الإنسانية لجامعة بوزريعة، أستاذ متخصص في التاريخ المعاصر و بالضبط في تاريخ الثورة التحريرية و الحركة الوطنية، بحكم أن مقالاتي و رسائلي العلمية كلها تصب في حقبة زمنية مهمة من تاريخ الجزائر.
بالنسبة لعيد الطالب هو مناسبة تاريخية وطنية كباقي المناسبات التاريخية التي نحتفل بها لإحياء الذاكرة الوطنية وتاريخنا المجيد، يمثل نضال فئة من فئات الشعب الجزائري وهم الطلبة الجزائريون والرد ضمنيا على مقولة فرنسا التي قالت بأن الثورة هي “ثورة قطاع طرق ومرتزقة”.
كل فئات الشعب انضمت إلى الثورة من خلال تأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في 8 جويلية 1955، والعمال من خلال تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين في 24 فيفري 1956 وكذلك انضمام النساء الجزائريات والاتحاد العام للتجار الحرفيين الجزائريين، فكل هذه الفئات أعطت الثورة دورها الحقيقي وأصبحت ثورة وليست مجرد حرب.
كيف تقيّمون أهمية إحياء يوم الطالب في الذاكرة الوطنية، وكيف يمكن للجامعة اليوم أن تُعيد إحياء روح هذا اليوم لدى الطلبة؟
الطلبة الجزائريون هم نخبة و انضمامهم للثورة زاد من قوتها و انتصاراتها العسكرية من خلال الكفاح و الانتصارات السياسية من خلال المعارك الديبلوماسية سواء على المستوى الاقليمي أو الدولي من خلال مؤتمر باندونغ و الأمم المتحدة و غيرها..، فالطلبة أعطوا انتصارا آخر للثورة و هو انضمام الفئة المثقفة التي كانت فرنسا تروج لها و تحاول أن تكسبها في صفها
لكن الطلبة قالوا كلمتهم من خلال الاضراب العام الذي أقروه في19 ماي 1956 و رفعوا عقيرتهم ماذا نفعل بشهادة على أشلاء أبناء بلدنا ؟، و ماذا نفعل بشهادات تقدمها لنا فرنسا على أشلاء الشهداء؟، و ماذا نستفيد من الحياة تحت ظل الاستعمار الفرنسي الذي يحاول مسخ هويتنا ووطننا.
لذلك، الاحتفال بيوم الطالب يجب أن يأخذ أهميته وقدسيته بتوجيه مظاهر الاحتفال إلى طلبة اليوم وإعطائهم نبذة تاريخية ونضالية لهؤلاء الطلبة عما فعله أسلافهم من فئة الطلبة الذين ضحوا بالنفس والنفيس، وتركوا مقاعد دراستهم من أجل الالتحاق بالثورة وهذا ليس بالأمر الهين بالنظر إلى الظروف التي كان يعيشها الجزائريون في تلك الحقبة الزمنية.
هؤلاء الطلبة رغم أنهم كانوا يتمتعون بعيشة أحسن مقارنة بباقي فئات الشعب من خلال مدرجات الجامعة ومن خلال احتكاكهم بالفئة الفرنسية المثقفة، ولكن كل هذا أصبح لهم بدون قيمة ما داموا يعيشون تحت وطأة و نير الاستعمار.
ما هو دور كلية العلوم الإنسانية في ترسيخ الوعي الوطني والتاريخي لدى الطلبة؟
بالنسبة لدور الجامعة في إحياء هذا اليوم، نقول أن الجامعة هي قاطرة المجتمع إذا كانت مزدهرة و رائدة فإن حتما المجتمع سوف يحذو حذوها.
الجامعة اليوم دورها هو فتح الطريق للطلبة للريادة، واليوم نرى من خلال إشراف السيد وزير التعليم العالي شخصيا على المبادرات الفعالة لم يعد الطالب مرتاد المدرجات بل أصبح صانع أفعال وله مشاريع مقاولاتية و براءة اختراع، من خلال فتح حاضنات أعمال مقاولاتية التي أعطتها الوزارة أهمية كبيرة و الدولة دعمتها بميزانية معتبرة و أصبح طالب اليوم من طالب للعمل إلى صاحب العمل.
كذلك خلق روح التنافس بين الطلبة والتضامن دون نسيان زرع الوطنية وتخليد الذاكرة من خلال الاحتفال وإعطاء أهمية لهذه المناسبة التاريخية سواء كجامعة أوكلية.
كيف تقيّمون واقع الطالب الجامعي اليوم من حيث التكوين والوعي والمسؤولية؟
شهد واقع الطالب الجامعي اليوم تحوّلًا ملحوظًا، سواء من حيث نوعية التكوين أو مستوى الوعي والمسؤولية فبفضل الإصلاحات التي مست قطاع التعليم العالي، لم يعد الطالب يكتفي بالسعي للحصول على شهادة أو منصب عمل تقليدي، بل أصبح فاعلًا اقتصاديًا ومبادرًا في خلق الفرص.
كما ساهمت القوانين الجديدة في فتح آفاق واسعة أمام الطلبة، من خلال إنشاء مؤسسات مصغّرة، والانخراط في مشاريع الابتكار، إدارة مؤسسات ناشئة داخل الوسط الجامعي. وهو ما ينعكس إيجابًا على تنمية روح المبادرة لديهم وتعزيز روح المسؤولية والاستقلالية.
كما برزت نماذج طلابية ناجحة استطاعت الانتقال من مقاعد الدراسة إلى عالم ريادة الأعمال، مما يؤكد أن الجامعة أصبحت فضاءً لإنتاج الأفكار والمشاريع، وليس فقط لتلقّي المعارف النظرية.
كيف ترون مستقبل الطالب الجزائري في ظل التحولات الرقمية والاقتصادية؟
نظن أن الطلبة واعون بهذا الأمر و حتى الوزارة من خلال برامجها التعليمية قد أدخلت الرقمنة و الذكاء الاصطناعي و الخوارزميات و فتحت مراكز الذكاء الاصطناعي للرياضيات مثل القطب الجامعي لسيدي عبد الله، وأصبح الطلبة ينخرطون في هذا المسعى و ينضمون إلى هذه التخصصات و النتائج بإذن الله ستكون مفرحة للطلبة وللجزائريين ككل.
ما الرسالة التي توجهونها للطلبة بمناسبة يوم الطالب؟
إحياء ذكرى عيد الطالب ليس مجرد تاريخ نمر عليه مرور الكرام، ولا هي ذكرى عابرة، بل انتفاضة فئة مثقفة من الشعب التي زادت من انتصارات الثورة.
لهذا نوجه رسالة للأجيال بأن نعمة الاستقلال لم تأتي عبثا و لا بالسهل، بل كانت ثورة نضال لكل الشعب الجزائري رجالا و نساء و طلبة و عمال و فلاحين، كلهم لولا إيمانهم بفكرة الاستقلال و رفضهم للاستعمار والعيش تحت ظل فرنسا الاستعمارية، بالنظر لما كانوا يعانونه من مشاكل في ظل القمع الاستعماري، لولا هاته الوحدة و الهبة لما أصبح الطلبة اليوم في هذا المستوى و هذه النعمة من الحياة بفضل الاستقلال.
حاورته: نزيهة سعودي

























مناقشة حول هذا المقال