- ضرورة التوعية بأهمية هذا الموعد السياسي، من خلال الانتقال من التحسيس التقليدي الى الوعي الجواري الرقمي
- نجاح التشريعيات مرهون بقدرة الجمعيات على تحويل الفعل الانتخابي من مجرد واجب إداري الى ثقافة مجتمعية راسخة
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعة المقررة في 2 جويلية 2026، هذا الموعد السياسي البارز الذي يأتي في سياق و ظروف داخليا جديدة بالحديث عن القانون العضوي للانتخابات، و معطيات وأحداث إقليمية ودولية، تتوجه الانظار لهذا الحدث السياسي و حيثياته التي ناقشناها في هذا الحوار مع البروفيسور والمحلل السياسي و الاستراتيجي الجيلالي شقرون، وهذا نصه:
بداية أستاذ، بالحديث عن الانتخابات التشريعية، أسابيع قليلة تفصلنا عن هذا الموعد، كيف تقرؤون هذا الموعد السياسي ضمن السياق الوطني و التطورات الاقليمية والدولية؟
تأتي هذه الانتخابات التشريعية المقررة في 2 جويلية 2026 لتشكل محطة سياسية بارزة في مسار استكمال بناء المؤسسات الدستورية، و لها ثلاث أبعاد متداخلة تجمع بين الرهانات الداخلية والتحديات الخارجية.
وتأتي هذه الانتخابات كخطوة ثانية بعد الاستحقاق الرئاسي، وتهدف الى تجديد تشكيلة المجلس الشعبي الوطني، وتثبيت دعائم الاستقرار التشريعي عبر تفعيل التعديلات الاخيرة التي طالت القانون العضوي للانتخابات. وتحديد دوائر انتخابية في ربيع 2026 .
فهناك رهان اقتصادي واجتماعي، حيث سيواجه البرلمان القادم تحديات تشريعية ورسائل جوهرية تتعلق بالقدرة الشرائية، التحكم في التضخم، ضمان نجاعة السياسات العمومية الرامية الى تنويع الاقتصاد ومواجهة تقلبات الاسعار التي تمس المعيشة اليومية للمواطن خاصة وان العالم يعرف ازمة اقتصادية خانقة.
كذلك من بين الرهانات الداخلية، رهان المشاركة الشعبية والشفافية، من خلال رفع نسب المشاركة وإدماج الشباب والمرأة، خاصة مع الترتيبات الجديدة المتعلقة بتمثيل النساء في بعض الدوائر.
والرهان الاكبر هو إعطاء دفع قوي للمؤسسة التشريعية، وتعزيز الثقة بين المواطن وصندوق الاقتراع بإشراف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات .
اما الرهانات الخارجية و يعني ان هذه الانتخابات تجري في ظروف اقليمية استثنائية تتسم بعدم الاستقرار على طول الحدود الجغرافية للبلاد خاصة في منطقة الجنوب منها منطقة الساحل المالي والنيجر التي تعرف تقلبات امنية وسياسية متسارعة. و كذلك ضغوطات بسبب نشاط الجماعات المسلحة وتمدد التدخلات الاجنبية.
لذلك هذه الانتخابات سوف يكون لها أثر كبير في فرض وجود جدار تشريعي وسياسي متلاحم يدعم مقاربة الدولة الدبلوماسية والامنية.
ففي ظل هذا الاستقطاب الدولي كذلك والصراعات الجيوسياسية الراهنة، تسعى الجزائر الى حماية استقلال قرارها السياسي والاقتصادي، و وجود برلمان قوي ومتنوع يساهم في تفعيل الدبلوماسية البرلمانية. لتعزيز العلاقات مع الشركاء الجدد في افريقيا خاصة بعد الزيارات المتتالية للعديد من رؤساء افريقيا، وفتح افاق اقتصادية من خلال عقد مجموعة من الاتفاقيات حتى مع اوروبا فيما يخص الاتحاد الاوروبي مثلا، اسبانيا و ايطاليا ومستقبلا ألمانيا هذه التي تشكل الاتحاد الاوروبي.
ما المستجدات التي حملتها التعديلات الجديدة في قانون الانتخابات و انعكاساتها خاصة على مسألة المشاركة السياسية ؟
حمل القانون العضوي رقم 05-26 المعدل والمتمم لنظام الانتخابات، حزمة من المستجدات الجوهرية التي تهدف بشكل مباشر الى تبسيط الفعل الانتخابي وتوسيع قاعدة الانخراط السياسي للشرائح المجتمعية المختلفة الفاعلة خاصة منها فئة الشباب التي اصبحت تشكل فئة عريضة في المجتمع، الى جانب مشاركة المرأة بشكل فعال وكبير.
وابرز هذه المستجدات منها التقنية والتنظيمية، حيث تم تخفيض عدد التوقيعات الفردية المطلوبة لإعداد قوائم المترشحين سواء بالنسبة للأحزاب السياسية أو القوائم المستقلة، وهذا التعديل من شأنه ان يهدف الى معالجة الصعوبات البيروقراطية والميدانية التي كانت تواجه المترشحين سابقا، ويقطع الطريق امام اي محاولة لاستغلال النفوذ او الطرق غير الاخلاقية لجمع التواقيع
كذلك هناك امر استثناءات وتسهيلات للولايات المستحدثة، لأنه لا يمكن ان نغض البصر عن هذه الولايات المستحدثة، حيث راعى القانون الخصوصية الديموغرافية واللوجستية للولايات الجديدة التي استحدثت مؤخرا، وقد اعفيت من بعض الالتزامات الصارمة المتعلقة بالقوائم الانتخابية، وشرط نصاب التوقيعات، وذلك بهدف تمثيل كامل لمواطني هذه المناطق في البرلمان الجديد دون عوائق ادارية.
ثم كذلك منح الاحزاب، حرية ترتيب القوائم، تضمنت تعديلات اعطاء أحزاب و مترشحين احرار مرونة في ترتيب القوائم، معنى ان الجزائر اصبحت سياستها في التعامل فيما يخص القوانين الانتخابية فيه مرونة. وذلك بما يخدم استراتيجياتهم الانتخابية، بالتوازي طبعا مع الابقاء على فلسفة القائمة المفتوحة والتصويت التفضيلي الذي يتيح للناخب حرية اختيار الاشخاص المفضلة لديه داخل القائمة الواحدة.
كذلك مراجعة نسب تمثيل المرأة والشباب هذا مهم جدا. لأن الشباب هي الشريحة الكبيرة في المجتمع الجزائري، وهذا لضمان حضور حقيقي وعادل للمرأة وفئة الشباب، دون التمسك بصيغة الكوطا الجامدة، التي كانت تحدث اختلالات في بعض الدوائر المحافظة او البعيدة.
كذلك هناك إدخال ما يعرف بالرقمنة وضبط التمويل، حيث عزز القانون آلية الرقابة الرقمية وعملية الفرز الالكتروني، وذلك من أجل ضمان دقة النتائج وسرعتها بجانب تشديد الرقابة على المال الفاسد وضمان النزاهة في تنافس نظيف جدا.
كذلك هناك انعكاسات مباشرة على المشاركة السياسية وذلك بتوسيع خارطة الترشيحات بتخفيض متطلبات التواقيع والتسهيلات التي أشرنا إليها. ثم إعادة الاعتبار للعمل الحزبي بإعطاء الاحزاب حرية أكبر في ضبط ترتيب قوائمها ما يعيد إحياء التنافسية داخل الحزب الواحد.
ثم هناك تعزيز ثقة الناخب بالتركيز على الرقمنة، الفرز الالكتروني، مكافحة التمويل المشبوه، بما يعزز من أخلقة الحياة السياسية، اين تصبح هناك قيم أخلاقية في الحياة السياسية، لهذا المواطن يشعر بأن صوته محمي تماما بفضل الضمانات التي تشرف عليها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات و المحكمة الدستورية.
ثم تمكين سياسي فاعل للشباب والمرأة.
كيف تقيمون واقع مشاركة الشباب في الحياة السياسية اليوم وما الدور المنتظر منهم في المرحلة المقبلة خاصة في صنع القرار والمساهمة في التنمية السياسية؟
الشباب الجزائري في واقعه يمر بمشاركته السياسية بمرحلة تحول مفصلية حيث انتقل المشهد من التمثيل الشكلي الى مرحلة التمكين المؤسساتي الفعلي والاندماج الميداني،
اليوم توجد ارادة سياسية تهتم بهذا الأمر من خلال تعديلات تشريعية تجلى ذلك في مجموعة من القوانين التي اصبحت تخدم بشكل مباشر فئة الشباب.
واما فيما يخص الدور المنتظر من الشباب في هذه المرحلة وفي المرحلة المقبلة، فنقول لابد انهم يسعون الى قيادة قاطرة التنمية السياسية، من خلال صنع القرار والتشريع بكفاءة عالية، وينتظر من النواب الشباب الجدد تقديم إضافة نوعية في صياغة القوانين والابتعاد عن الخطابات الشعبوية التي لا تنفع، والتركيز على قضايا العصر كالاقتصاد الرقمي، الطاقات المتجددة، إصلاح المنظومة التعليمية والجامعية، خاصة وان الجزائر اليوم تسعى لان تكون في اطار سياسة مشروع الجزائر الجديدة، ان ترتقي الى مصاف الدول المتقدمة،
استرجاع الثقة ومحاربة العزوف لأن الخطاب السياسي لهذا الشباب لابد ان يكون خطابا سياسيا بلغة العصر، والنزول الى الميدان والاقتراب من انشغالات الشارع. لان هذا الشارع هو الذي سوف ينتخبهم ويعطيهم الاصوات، لذلك لابد ان يكون هناك تقارب كبير جدا ما بين المنتخبِين وما بين المنتخبُون، كذلك الشباب يمكنهم ان يساهموا فيما يخص تنمية مناطقهم، خاصة توجد بعض المناطق نائية لابد الاهتمام بها، من جانب اخر الشباب هم عمود الامة وعليه تعتمد كل الامم، ولذلك نجد ان الجزائر مالت الى هذا الامر، تفطنت له بشكل كبير جدا. وفتحت المجال امام فئة الشباب، لأنهم جيل الغد وهم الذين سيقودون الجزائر نحو التقدم في كل المجالات وسيصبحون صناعا فعليين للقرارات السياسية والاقتصادية.
بالتطرق الى المجتمع المدني، كيف يؤدي المجتمع المدني دورا في التحسيس و التوعية بدور و أهمية الموعد السياسي؟
المجتمع المدني شريك استراتيجي مهم في هندسة المناخ الانتخابي، بحيث لابد من ردم تلك الفجوة بين المواطن والمؤسسات الدستورية. خاصة مع اقتراب موعد هذه التشريعيات.
و طبعا الأدوار والآليات التي يعتمد عليها المجتمع المدني من خلال الجمعيات الروابط النقابات، ومسألة عملية التحسيس والتوعية مهمة جدا بأهمية هذا الموعد السياسي، من خلال الانتقال من التحسيس التقليدي الى الوعي الجواري الرقمي خاصة مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبح لها دور كبير جدا.
كذلك من خلال مأسسة الفعل التحسيسي، لأن الامور الآن تغيرت، والتكنولوجيا أصبح لها دور مهم وحتى لغة الخطاب لابد ان تنزل الى الشارع، ومحاولة الاقتراب من المواطن. حتى تكون هناك مواطنة ايجابية.
يركز الخطاب الحالي على ان الديموقراطية لسيت مجرد حق بل هي مسؤولية دستورية ووطنية، والتحسيس لا يوجد لصالح حزب او قائمة بعينها. بل لا بد ان ينكب الى المؤسسة التشريعية لتقويتها خاصة في ظل التحديات الاقليمية والدولية .
النزاهة المضمونة أكبر محفز للمشاركة السياسية و نجاح التشريعيات 2026، مرهون بقدرة الجمعيات على تحويل الفعل الانتخابي من مجرد واجب إداري الى ثقافة مجتمعية راسخة، وذلك لحماية المكتسبات الوطنية والتنموية وكذلك لمواجهة التحديات الاقليمية والدولية .
فيما يخص الحملة الانتخابية هل لاحظتهم أن المترشحين في القوائم الحزبية والحرة قدموا أساليب جديدة في إدارة الحملة ؟
الملاحظ في هذه الحملة الانتخابية التي انطلقت في 9 جوان وتستمر الى غاية 28 جوان، ان المترشحين سواء في القوائم الحزبية او الاحرار احدثوا قطيعة واضحة مع الاساليب التقليدية التي ميزت العقود الماضية، فلم يعد هناك خطاب جاف في قاعات مغلقة او الملصقات الورقية التقليدية التي كانت تعتبر هي المحرك الرئيسي.
بل فرض جيل الشباب والنخب منطقا جديدا يعتمد على العصرنة وعلى البرغماتية، وتبرز هذه الاساليب الجديدة، في مظاهر منها الرقمنة الشاملة والذكاء الاصطناعي كأدوات دعاية اولى تجاوز منصات التواصل الاجتماعي فيسبوك تيك توك وانستغرام وغيرها ..، وأصبحت منصات ميدانية للانتخاب، كذلك البودكاست الانتخابي والمحتوى القصير، و كذا الظهور في برامج بودكاست محلية، من أجل شرح برامجهم، واستخدام الذكاء الاصطناعي، بإنتاج تصاميم رقمية احترافية وتحليل اتجاهات واهتمامات الناخبين في كل ولاية، ما يعني ان هؤلاء الشباب الذين ترشحوا هم في المستوى المطلوب و مسايرة التقدم التكنولوجي.
كذلك التحول نحو التسويق السياسي الجواري يعني بدل من هذه التجمعات الضخمة والمكلفة، الآن اللقاءات الجوارية مباشرة و مصغرة، و فتح نقاش ديمقراطي فعال يعتمد على الاستماع للمواطن و طرح حلول واقعية قابلة للتنفيذ .
كذلك إبراز الفريق بدلا من الزعيم الواحد و العمل بالفريق، اما الخطابات التي كانت في السابق باسم زعيم أصبحت في الماضي ونستطيع التخلي عنها، و نجد ان المشهد الانتخابي العام اضفى طابعا من الحيوية والمسؤولية و هذا هو الأهم.
هل المترشحين من الأحزاب و القوائم الحرة يجسدون عبارة أن الأحزاب هي صانعة للنخبة ام هنالك اعتبارات أخرى ؟
الملاحظ في هذه الحملة الانتخابية ان المترشحين سواء في القوائم الحزبية والاحرار احدثوا قطيعة واضحة مع الأساليب التقليدية، ولم يعد هناك خطاب جاف بل كما ذكرت أصبح يعتمد على الرقمنة واستخدام الذكاء الاصطناعي، و هذا مهم جدا.
كيف هي قراءتم للخطاب السياسي في الحملة؟
يمكن قراءة مقاربة الخطاب السياسي في الحملة الانتخابية الحالية على انه خطاب براغماتي محلي بامتياز وموجه بالأرقام والكفاءة، بعيدا عن الشعارات والايديولوجيات الكبرى
لأن العالم تغير والشباب الآن يعيشون مع العالم من خلال هذا التكنولوجيا الجديدة، فمن خلال تحليل مضامين الخطابات في التجمعات و الخرجات الميدانية كشف عن أربعة ملامح في الخطاب السياسي:
منها طغيان الخطاب التنموي الاجتماعي على الحسابات الحزبية وإعطاء الاوليات القصوى للملفات المعيشية اليومية للمواطن، من خلال الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة ودعم منظومة الحماية الاجتماعية؛ حيث ما زالت الدولة تتحدث عن هذا الامر .
بالإضافة الى التعهدات الواقعية المتعلقة بالقدرة الشرائية، دعم المواد الاساسية، الشغل، السكن، التي سجلت فيه الجزائر تنمية كبيرة، وكذلك التنمية المحلية خاصة في الولايات المستحدثة ومناطق الجنوب والداخل هذا هو الأهم.
الابتعاد عن الوعود يعني الخيالية ان صح التعبير والتركيز على مقترحات عملية لمرافقة السياسات العمومية ومكافحة الفساد، وذلك بالاستناد الى قوانين تشريعية ورقابية صارمة.
كذلك خطاب الكفاءة الأكاديمية، هناك صعود خطاب يثمن الجانب العلمي والمهني للمترشح، ما يعني ان فيه كفاءات شابة.
كذلك التركيز على تمثيل الجبهة الداخلية، و ما تم ملاحظته يوجد لغة و خطابات شبابية مرنة
ولهذا نقول ان الخطاب السياسي في هذه الحملة هو واقعي يتماشى مع متطلبات العصر، الاهتمام بالمواطن من جميع الجوانب، الاهتمام كذلك بالجانب التنموي للبلاد، اهتمام كذلك بالجانب التعليمي الجامعة والمدرسة بشكل عام، الاهتمام كذلك بفئة الشباب على ان يكونوا فئة تنموية تساهم في التنمية.
كذلك التركيز على مسألة الفساد، وهذا مهم جدا لأن أي دولة إذا أرادت ان تتقدم فلابد ان تقضي على الفساد خاصة الإداري وغيره.
أجرت الحوار يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال