في مشهد جمعوي يشهد حركية متزايدة في الجزائر، تبرز جمعية الإرشاد والإصلاح كواحدة من أعرق الجمعيات الوطنية التي تأسست عقب الانفتاح السياسي سنة 1989، واستطاعت على مدار ستة وثلاثين عامًا أن ترسخ حضورها في مختلف ولايات الوطن، عبر برامج اجتماعية وتربوية وثقافية وإغاثية.
وفي حوار جمع جريدة “عالم الأهداف” مع رئيس الجمعية المكي قسوم، الذي تحدث مطولا عن مسار التأسيس، أولويات المرحلة، واقع العمل الجمعوي، وأهم التحديات والآفاق المستقبلية والعديد من التفاصيل المتعلقة بعمل المجتمع المدني.
بدايةً، كيف تستحضرون ظروف تأسيس جمعية الإرشاد والإصلاح وأبرز المراحل التي طبعت مسارها؟
إن الجمعية كانت من أوائل المنظمات التي اعتمدت بعد الانفتاح السياسي، حيث تأسست في 11 ديسمبر 1989 تحت رقم 51، وكان من بين مؤسسيها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله والشيخ محمد بن سليماني وعدد من رجالات الدعوة والإصلاح، تولى الشيخ محفوظ نحناح رئاسة الجمعية في بدايتها قبل أن يتفرغ لاحقًا لتأسيس حركة مجتمع السلم، ليخلفه الشيخ محمد بن سليماني الذي واصل مسار البناء والتوسع، وبعد وفاته تعاقب على رئاستها عدد من الإطارات إلى أن تم انتخابي رئيسًا خلال المؤتمر الثامن سنة 2023، في حين أن الجمعية ليست مجرد إطار تقليدي، بل شبكة جمعوية متكاملة تجمع بين العمل الاجتماعي والثقافي والتربوي في آن واحد.
ما طبيعة الأهداف التي تسعى الجمعية إلى تحقيقها؟
حسب منظوري فإن أهداف الإرشاد والإصلاح متعددة ومتكاملة، إذ تسعى إلى المساهمة في البناء الحضاري للأمة، وترسيخ ثقافة السلم والتعايش والتسامح، وخدمة المجتمع عبر تعزيز قيم التكافل والعمل الإغاثي، وحماية الأسرة وتفعيل دور المرأة، إضافة إلى العناية بالطفولة والنشء، وتمكين الشباب والطلبة، والمساهمة في تعليم القرآن الكريم والسنة النبوية والعلوم الشرعية والإنسانية، وتشجيع الإبداع العلمي والثقافي، وتطوير الحرف والصناعات التقليدية، ودعم الجالية الجزائرية بالخارج، وحماية البيئة، وتعزيز الإعلام الهادف، والتعاون مع المؤسسات العمومية والخاصة في إطار التشاركية، والعمل من أجل نيل صفة النفع العام. ويشير إلى أن هذه الأهداف تترجم إلى برامج عملية عبر دوائر وهيئات متخصصة.
كيف تُدار الجمعية تنظيميًا وعلى أي أساس تُحدد الأولويات؟
إن الجمعية تعمل وفق خطة استراتيجية تمتد إلى غاية سنة 2028، تتم مراجعتها سنويًا خلال المجلس الوطني، حيث يقدم المكتب الوطني حصيلته وتُزكّى الأهداف الجديدة، وتضم الجمعية دوائر متخصصة مثل دائرة المالية والمحاسبة، دائرة التنظيم والرقمنة، دائرة العلاقات العامة، دائرة العمل الاجتماعي، دائرة التربية، دائرة الثقافة، ودائرة المشاريع، إضافة إلى هيئات كبرى منها هيئة القرآن الكريم، هيئة الإغاثة الجزائرية، هيئة نساء الخير، وهيئة الشباب والإرشاد.
فيما تسطر الجمعية في مسارها على أولويات تتغير حسب الحاجة، فقد تم في سنة سابقة التركيز على القرآن الكريم والشباب، بينما خُصصت السنة الحالية لتطوير هيئة نساء الخير وتعزيز فرق العمل، خاصة في مجالات الموارد البشرية والإعلام والرقمنة.
ونظرا لعراقة الجمعية، ربما ما حجم انتشارها عبر الوطن اليوم؟
إن الجمعية متواجدة حاليًا في 60 ولاية، مع تنصيب 64 مكتبًا ولائيًا، وتضم نحو 600 مكتب بلدي، وتسعى خلال السنة الجارية إلى بلوغ 700 مكتب، كما تضم قرابة 20 ألف إطار بين وطني وولائي وبلدي، يعملون في إطار منظم يخضع لتدريب مستمر عبر دائرة تنمية الموارد البشرية، التي تسهر على تأهيل الإطارات وفق احتياجات كل دائرة وهيئة.
يشكل شهر رمضان ذروة النشاط التضامني خاصة لدى فعاليات المجتمع المدني، كيف استعدت جمعية الارشاد والإصلاح للشهر الفضيل؟ وهل سطرت برنامجا خاصا به؟
تعتبر جمعية الارشاد والإصلاح رمضان محطة مركزية تتضاعف فيها الجهود، ففي السنة الماضية استفاد أكثر من مليون وستمائة ألف شخص من خدمات الجمعية خلال الشهر الفضيل، وتم توزيع 82 ألف قفة غذائية، مع السعي هذا العام لبلوغ 100 ألف قفة، كما تشرف الجمعية على أكثر من 110 مطاعم لإفطار الصائمين، إضافة إلى توزيع وجبات ساخنة ووجبات على الطرقات، وتتكفل بأكثر من 13 ألف يتيم وأرملة بكفالة شهرية منتظمة، إلى جانب كفالات موسمية في المناسبات، كما تنظم حملات لإحياء سنة الختان، ومسابقات قرآنية وطنية، وبرامج ثقافية وفقهية، وتملك الجمعية 140 مدرسة قرآنية ومعهدين جهويين، وتعمل على إنجاز معهد جديد ببجاية، وقد خرّجت السنة الماضية 632 حافظًا للقرآن في عام واحد.
هل يقتصر نشاط الجمعية على الداخل الوطني؟
إن العمل الإغاثي يتجاوز الحدود الوطنية، حيث تنظم هيئة الإغاثة الجزائرية حملات “شتاء دافئ” بالمناطق الحدودية ومناطق الظل، إضافة إلى قوافل تضامنية نحو مخيمات اللاجئين الصحراويين، كما تنشط في دعم الفلسطينيين من خلال برامج إفطار في باحات المسجد الأقصى، وكفالة أسر ومشاريع تعليمية، فضلًا عن مساهمات ظرفية في اليمن وسوريا والسودان، انسجامًا مع مبادئ الجزائر في نصرة القضايا العادلة.
وبالحديث عن الشباب كأحد الركائز الأساسية في العمل الجمعوي، كيف ترون مساهمات الشباب داخل الجمعية؟ وهل تلبي الدور المنوط به؟
إن الشباب في صلب المشروع، عبر هيئة الشباب والإرشاد التي تنظم حملات توعوية ضد الآفات الاجتماعية، وترافق الطلبة خلال الامتحانات، حيث استفاد العام الماضي نحو 145 ألف مترشح من خدمات الدعم، كما تنظم مخيمات موسمية ودورات تدريبية في المهارات والتكنولوجيا والقيادة، مع إشراك الشباب في الإدارة والرقمنة، في حين أن كل جيل له خصوصياته وأن الشباب أقدر على فهم تحديات أقرانهم.
في ظل تنامي عدد الجمعيات وتنوع مجالات تدخلها، يبرز تساؤل جوهري حول مدى نجاعة هذا النشاط وقدرته على مواكبة التحولات الراهنة، ربما كيف تقيمون واقع العمل الجمعوي في الجزائر اليوم؟
أرى أن العمل الجمعوي يخطو خطوات إيجابية، خاصة وأن الجزائر تضم أكثر من 100 ألف جمعية معتمدة، ما يعكس روح التضامن لدى المجتمع، غير أن التحديات تبقى قائمة، وفي مقدمتها الإطار القانوني الذي يحتاج، إلى تحديث يواكب التحولات الراهنة ويعزز الشراكة مع الدولة، كما يطرح إشكال التمويل، خاصة بالنسبة للجمعيات الوطنية التي لا تستفيد من إعانات الجماعات المحلية، إضافة إلى عبء المصاريف التشغيلية من أجور وحراسة وإدارة وغيرها.
أمام جملة من الصعوبات والتحديات التي تواجه الجمعية في مسارها الإصلاحي والخيري، كيف يمكن تجاوزها؟ وفي نظركم ما هي أبرز الحلول؟
العمل الطوعي لا يعني غياب الاحتراف، فالإدارة الحديثة تتطلب كفاءات متفرغة ومؤهلة، ولا يمكن تسيير مئات المكاتب بمتطوعين فقط، ويعتبر أن المجتمع المدني يمثل قطاعًا ثالثًا مكملًا للقطاعين العام والخاص، وقادرًا على تشغيل الشباب وتغطية مساحات واسعة من الخدمة الاجتماعية، ما يستدعي إعادة النظر في تصور تمويله ودعمه قانونيًا ومؤسساتيًا.
ما رسالتكم الأخيرة للقراء؟
أختتم بالتأكيد على أن برامج الجمعية ليست موسمية بل ممتدة على مدار السنة، وهدفها خدمة الإنسان الجزائري وصون كرامته في إطار من الشفافية، وأدعو المحسنين إلى متابعة حصائل الجمعية والمشاركة في جمعياتها العامة للاطلاع على أوجه صرف التبرعات، فيما تبقى الشفافية حق للمحسن وواجب على الجمعية، كما أدعو الشباب إلى الانخراط في العمل الجمعوي المنظم، باعتبار أن بناء مجتمع متماسك قائم على القيم والتكافل مسؤولية جماعية، وأن جمعية الإرشاد والإصلاح ستبقى، كما كانت منذ تأسيسها، فضاءً لخدمة الوطن والإنسان.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال